الفصل 84
84
“ما الأمر؟ هل لديكم شيءٍ ما لقوله؟”
لم يكن هناك كثيرون يجرؤون على التحديق في الدّوقة بتلك الجرأة أمام كلماتها الباردة التي أطلقتها فورًا.
راقـب كايسيس كل تلك التغيّرات بعينيه ثم ذكر الدليل الثاني بنبرة ذات معنى عميق.
“عيون ذهبيّة صافية.”
تنفّس النبلاء الصعداء حتى كادوا يمسحون صدورهم، و هم يشعرون بالإرتياح لأنّها ليست الدّوقة آرييل.
“امرأة في العشرينيّات تمتلك هاتين الصفتين، و هي مرشدة ذات قدرات استثنائيّة.”
تردّد أحد النبلاء ثمّ تكلّـم.
“إذًا لم تجدوها بعد….؟”
“لكن لماذا……”
كان المعنى بالتأكيد: لماذا يذكر هذه الصفات بدل إخفائها جيّدًا.
أشار كايسيس بيـده إلى هيلاريا التي لم تُخـفِ تعبيرها القاسي.
“السحرة”
رغمَ وجهها الجميل، فإنّ تعبيرها الشرس الذي يبدو كأنّه يريد ابتلاع الآخرين، و نظرتها الباردة، جعلت النبلاء عاجزين مرّةً أخرى عن النظر إليها مباشرةً أو طرح الأسئلة.
“سنعثر عليها بتعاونهم.”
“مـاذا؟”
قرّر كايسيس أن يشرح بنفسه نيابة عن هؤلاء المساكين.
“بالصدفة، فإنّ اختراع السحرة المذهل سيكتمل قريبًا. سيكون أداة تظهر نسبة التوافق بين المستيقظ و المرشد.”
“إن كان هناك شيء كهذا…”
“فلن نحتاج إلى البحث عن تلكَ الشريكة بصعوبة. و سيختفي أولئك الأشخاص المتغطرسون الذين يتصرّفون بتعجرف مستغلّين مكانتهم. أليس كذلك؟”
ابتهج بعض النبلاء هنا بوضوح، بينما شحبت وجوه أشخاصٍ آخرين.
خاصّة مرشداته الثلاثة.
أولئك الذين كانوا يرفعون أنوفهم بغطرسة مدّعين أنّهم من عائلة مرشدات الإمبراطور، كانوا الآن يظهرون وجها يشبه مَـنْ تلقّى ضربة في مؤخّرة الرأس فجأة.
لم يمنح كايسيس اهتمامًا طويلًا لهم، بل أبعد انتباهه عنهم.
“لذا ، استمتعوا جميعًا بالحفل. أنا سأكون مشغولًا.”
مشى كايسيس نحو هيلاريا دونَ أن يزيل تعبيره الصارم.
“دوقة.”
“.…”
“أظن أننا بحاجة إلى الحديث، أليس كذلك؟”
“…..”
كانت جرأة عدم ردّها على نداء الإمبراطور، و نظرها المزعجة، بارزة جدًّا.
نعم، هـذه هي أنـتِ.
لم يحاول كايسيس كبـح الابتسامة التي تسربّت، بل نظرَ إليها مباشرة.
“اختاري. هل ستذهبين معي إلى مكان آخر للحديث، أم تفضلين قضاء وقت ممتع آخر مع الكرادلة؟”
نظرَ إلى عينيها اللتين أصبحتا حادتين أكثر من ذي قبل، ثمّ مال برأسه بالقرب منها متظاهرًا بالودّ و همس.
“بالمناسبة، أعتقد أنّه سيكون من الأفضل لو قدّمتِ إلي شرحًا إضافيًّا عن ذلكَ الاختراع.”
عندما رأى نظرات ذات معانٍ كثيرة تتجه نحوهم، ابتسم.
هل يعلم هؤلاء أنّ كل ما يفعله الآن هو ليهيّئهم للصدمة القادمة؟
“و هل هذا يُعتبر خيارًا أصلًا؟”
“بالطبع.”
“مع أنني أعلم أنّـكَ ستتصرّف بتفاهة إذا اخترت الخيار الأول…”
“حتّى لو كان كذلك، فالاختيار لكِ.”
ثم ، نظرَ إلى هذه المرأة التي أمامـه.
“حسنًا، لا خيار آخر.”
هل تدركين حتّى ما الذي يحدث من حولكِ؟
‘لقد وجدتـكِ.’
مرشدتـي.
“لنذهب، جلالتكَ.”
حين أمسكت هيلاريا يـد لوياس بقوّة، و حدّقت فيه بنظرةٍ جافّة كأنّها تقول له تقدّم، أومأ برأسه برضا.
استدار الإمبراطور قليلًا، و نظر إلى الكاردينالين ذوي التعبير الدقيق.
كان منزعجًا عندما أدرك أن أنظراهما لا تزال تتبع هيلاريا.
“استمتعوا أيّها الضيوف الكرام بوقت جيّـد.”
على أيّ حال، كان راضيًا لأنّها لم تخترهما.
رغمَ أنه أمر تافـه و مضحك، إلا أن ذلكَ جعلـه يشعر بالسعادة.
هـزّ ذلك الشعور قلبه الجافّ الذي لم يشعر بالسعادة العميقة من قبل و ملأه.
هيلاريا….تلكَ المرأة الوحيدة.
* * *
كانت إيزوليت تنظر بوجه شاحب كالأشباح إلى والدها الذي يركض نحوها.
بناءً على مجيئه فور انتهاء الحفل، فمن المؤكّد أنّ شيئًا صادمًا حدثَ في المكان الذي هربت منه.
‘إن كان جلالته كما أعرفه.’
ربّما أعلن أمام الجميع أنّ هناك مرشدة أخرى للإمبراطور قبل أن يفكّر الآخرون في نوايا سيّئة.
سرعان ما أصبح ذلكَ الشعور يقينًا.
“أنـتِ!”
ركض والدها إليها كأنّه يندفع، ثمّ صفـع خـدّ إيزوليت الواقفة بهدوء.
صفعة.
تحمّلت الألم الذي يخـدّر العظان حتى بصمت، ولم يشعر أحد بالقلق عليها.
“كيف تجرئين على الخروج بهذه الطريقة؟”
كان الوافدون غاضبين دون إخفاء غضبهم.
“إيزوليت، أنـتِ! أرسلتـكِ لإغواء جلالته، لكنكِ خرجتِ من قاعة الحفل كالحمقاء! هل تعلمين ما الذي حدثَ بعد اختفائـكِ!”
ضحكت إيزوليت و هي تمسك بخدّها.
رفعت رأسها، نظرت إلى والدها مباشرة و سألت.
“ماذا؟”
“ماذا قلتِ الآن!”
“سألتُ ماذا. أخبرني، يا والدي. هل ذكـرَ جلالته وجود مرشدة أخرى؟”
“ها! أنتِ تعلمين ذلك! نعم! قال إنّها امرأة ذات شعر أحمر و عيون ذهبيّة! مظهـر ليس له علاقة بكـنّ أبـدًا!”
بناءً على صراخه بوجه محمّـر، كانت توقّعاتها صحيحة.
لم يكن الأمر يُحلّ بإخفاء الأمر عنهم.
“إذن ، ستفقد عائلتنا كلّ قوّتها في لحظة. لأنّنا كنّا نستمتع بكلّ الحقوق و الامتيازات رغم أنّنا لسنا مرشدات الإمبراطور الحقيقيّات. أليس كذلك؟”
“و تقولين ذلك بجرأة!”
تذكّرت الدّوقة آرييل التي كانت تتصرّف بغطرسة بينما تتجاهلها، و ظهور الإمبراطور البارد الذي لم يمنحها نظرة واحدة، فصرّت أسنانها.
مهما كانت قد أزعجت الإمبراطور بقوّتها، و مهما عجزت عن تهدّئه حقًّا ___
‘إلا أن هذا…..ليس صحيحًا’
رغم أنّها استغلت مكانتها في ذلك المكان و تصرّفت بتعجرف تجاه الأشخاص المحيطين بها…
‘جلالتكَ، لم يكن يجب أن تعاملني هكذا!’
مرشدة الإمبراطور كانت أنا.
شيء خاصّ بي بالكامل ، لا يمكنكَ تسليمه لأي أحـد!
كانت أناييل و ليان مجرّد تابعات مزعجات لها.
أنا بالـذات.
‘أنا مرشدتـكَ.’
شـدّت إيزوليت عينيها.
“إذًا، و مـاذا في ذلك؟”
“مـاذا؟ لمـاذا أنتِ وقحة هكذا!”
“توقف عن الغضب!”
“مـاذا؟”
صرخت إيزوليت ببرود نحو والدها الذي كان على وشكِ الانفجار مرّةً أخرى.
“…أخبرني. هل قال جلالته إنّـه وجـد تلكَ المرشدة؟ لا، بالطبع لا! لو كان يعلم مكانها أو هويتها لكان قد قدّمها أمام الجميع.”
“.…”
“إذن ، كيف قال إنّه سيجدها؟”
عندما أغلق والدها فمـه مقطبًا، أضاف نبيل آخر بدلًا منه.
“قال إنّه سيستخدم اختراع السحرة. اخترعوا شيئًا يظهر معدّل التوافق بين المستيقظ و المرشد فورًا. و قال إنّه سيجـد به تلك المرشدة المختفية.”
عدّلت إيزوليت جسدها المتعثّر.
شدّت خصرها، و نظرت حولها بغطرسة كما كانت تفعل عندما كانت تعرف بأنها مرشدة الإمبراطور.
“إذًا إذا أظهرت معدّل عالٍ فقط، سيحلّ كلّ شيء ، أليس كذلك ؟ يكفي أن يكون توافقي مع جلالة الإمبراطور أعلى من أيّ مرشدة أخرى في الإمبراطوريّة.”
“لكن الصفات.”
الشعر الأحمر و العيون الذهبيّة؟
يمكنهم القول أنه أخطأ في رؤية تلك الصفات.
“يكفي أن أصبح المرشدة ذا معدل التوافق الأعلى. أليس كذلك؟”
ما دام الإمبراطور لم يجرب الأمر شخصيًّا على مرشدته تلك، فما المشكلة؟
“إذًا يا أبي.”
تقدّمت إيزوليت.
أمسكت ذراع والدها بقوّة.
“ماذا، ما الذي تفعلينه؟”
مدّت يدها وهي ترى وجهه المقطب بغرابة.
“أعطني.”
“ماذا بالضبط.”
القـوّة. تلكَ القـوّة. القـوّة!
“الجرعة التي أعطيتَني إيّاها سابقا.”
لا بدّ من الحصول على القوّة.
بهذه الطّريقة ، لن يستطيع الإمبراطور تجاهلها مرّةً أخرى، و إذا أصبحت مرشدة كاملة، لن تنظر الدّوقة آرييل إليها كشيء تافه أو تحتقرها.
“أعطني المزيد.”
تلكَ الجرعة.
“إذا حصلتُ على القوّة فقط.”
ذلك هو مخرج النجاة الوحيد.
“أحضرها لي!”
لمعّت عينا إيزوليت.
ذلك البريق لم يكن طبيعيًّا أبدًا.
كان يتلألأ بشكلٍ غريب كشخص مدمن فقـدَ عقله.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.