الفصل 82
82
لم تستطع إيزوليت تحمّل هذه اللحظة.
لماذا يتجاهلها جلالة الإمبراطور هو الآخر أيضًا.
‘لماذا يوجّـه مثل هذه النّظرة إلى تلك الدّوقة المتكبّرة بدلًا مني!’
حتّى نظرة وفـد المملكة التي ألقوها عليها ثمّ أداروا أنظراهم بعيدًا كانت تدوس كبرياءها.
لم يكن يجب على الإمبراطور أن يُهينهنّ، بل أن يُهينها هي بالذّات بهذا الشكل.
و إلقاء مثل هذا الإهانة أمام رئيسة السّحرة يعني أيضًا سحق عائلاتهنّ الّتي كرّست نفسها له.
حدّقت إيزوليت في ظهر الإمبراطور العنيد الذي لم ينظر إليها أصلًا، ثمّ استدارت ببرود.
“أختي!”
“إيزوليت.”
كانت الاثنتان اللّتان تتبعانها في ارتباكٍ مزعجتين أيضًا.
شعرت بالشّفقة و الغضب منهما لعدم قيامهما بأيّ شيء.
نعم، لم يكن كلام والدها خاطئًا.
‘القـوّة.’
لو كانت مرشدةً تمتلك قوّةً أكبر؟
لو استطاعت مواجهة الإمبراطور وحدها و كانت مرشدته الوحيدة بدلًا من كونهن ثلاثة مرشدات؟
الإمبراطور المتكبّر مستيقظ أيضًا.
مستيقظٌ يركع بلطف أمام قوّة المرشد.
رغمَ أنّ الإمبراطور لم يظهر أبدًا مثل هذا التعبير أمام قوّتهـن، بل كان يتعيّن عليه و على من يصـبّ القوّة دائمًا إظهار وجه متألم.
تلكَ القوّة. لو كانت لديها تلك القوّة فقط.
‘هل كنتَ ستستطيع تجاهلي كما تفعل الآن؟ بالطّبع لا. إذن… يكفي أن أصبح مرشدةً تمتلك مثل هذه القوّة.’
مهما كلّـف الأمر.
كانت عينا إيزوليت الّتي تغادر قاعة الوليمة محتقنتين بالدّماء.
* * *
لم يكن لديّ عقل للالتفات إلى الضّجيج الّذي حدث خلفي.
كنتُ أحدّق في يـد الرّجل الّذي يمسك بي بإصرارٍ، ثمّ عبست بوجهي علنًا.
لم أنـسَ أن أحدّق به ببرود.
“أوّلًا، أفلـت هذه اليـد.”
“هل ترفضين؟”
من تنهّد الكاردينال هانويل الّذي اقترب و هو يزفر، يبدو أنّ هذا السلوك المفاجئ ليس غريبا عليه.
كما توقّعت، كان هذا الرّجل هو الكاردينال الذي كان كهنة الوفد يبحثون عنه آنذاك.
أطلقت سخرية بنبرةٍ باردة ببرود.
“ألا تملك وعيًا بأنّـكَ ممثّل وفـد السّفراء؟ لا أعرف كيف سأتقبل مثل هذه الوقاحة.”
“هل أنـتِ غاضبة؟”
“بالطّبع. هذا مزعج بشكلٍ فظيع. خاصّة هذه اليد.”
لم أخـفِ انزعاجي، و شددتُ على يدي لأسحبها.
طقطقة.
رنّ الصّوت بخشونة.
“لم أسمح لكَ بإمساكها طويلًا، أيها الكاردينال سيروين.”
عندما تراجعتُ خطوةً إلى الخلف، حدّق الكاردينال سيروين الذي كان ينظر إلى يـده المرميّة بعينين خضراوين فيّ.
لا أستطيع معرفة ما الذي يفكّر فيه.
‘و لا يمكنني التراجع هكذا.’
يجب أن أعرف إن كنـتَ زعيم الأشرار.
عندما ضيقت عينيّ، و عضتت على أسناني، و كنتُ على وشكِ إطلاق كلام لاذع__
“يرجى من ممثّل وفـد المملكة الحفاظ على الأدب. هذه السيّدة ليست شخصًا يمكن معاملتها بهذه الطريقة.”
يـد كبيرة خشنـة مغطّاة بندوب قديمة اعترضت طريقي.
‘ديكاردو؟’
كتفان عريضتان، جسمٌ هائل. حتّى الشّعر الأحمر القصير.
لقد كان فارس الإمبراطور.
لكنّ هذه لم تكن النّهاية.
“معاملة رئيسة برج السّحر بهذه الطّريقة، هل يعني ذلك أنّكم تعلنون العداوة لكلّ سحرة الإمبراطوريّة؟”
صوت هادئ و حادّ رن كالزّجاج.
شخصٌ ذو شعرٍ بنفسجيٍّ طويلٍ اقتربَ إلى جانب ديكاردو و وقف أمامي بثبات.
‘حتّى أردييل؟’
شعرت بالذهول.
‘متى أصبحتمَا صديقين إلى هذا الحدّ؟’
كنتُ أتساءل إن كانا هما الشّخصان اللّذان كانا يتقاتلان كالكلب و القطّ كلّما التقت أعينهما، ممّا كان يُسبّب لي صداعًا.
لكنّ المفاجأة لم تكن فيهما فقط، بل حتّى أن الفرسان المستيقظين في الإمبراطوريّة كانوا يحدّقون في هذا المكان و هم يحذّرون وفـد المملكة.
‘هل كان أمرًا من كايسيس.’
رؤية المستيقظين و السّحرة يتعاملون بقلبٍ واحدٍ و روحٍ واحدة جعلتني أضحك داخليا.
كان ذلك ممتعًا بطريقةٍ ما.
لكنّني لا أستطيع التراجع هكذا. كم مرّةً ستتاح لي فرصة رؤية الكاردينالين معًا.
خطوتُ خطوةً إلى الأمام، مددتُ يدي بين الفارس و السّاحر اللّذين يعترضان الطّريق و هززتُها بخفّـة.
“ابتعـدا كلاكما.”
“سموّ الدّوقة !”
“آه، سيّدتي!”
يا إلهي، إذا كانا يستطيعان الإنسجام إلى هذا الحدّ، فلماذا كانا يتقاتلان كالوحوش من قبل؟
هززتُ رأسي و دفعتهما جانبًا.
حتّى في خضمّ ذلك، كنتُ أحدق في سيروين الذي لم يـزل ابتسامته، و هانويل الذي اقترب وهو ينتهد تنهّدات عميقة.
“لن أنسى وقاحة اليوم.”
عند إجابتي الباردة، فرك الكاردينال هانويل عينيه بوجهٍ مذعور وقال:
“صاحبة السمو الدّوقة. سأعتذر نيابة عن وقاحة الكاردينال سيروين. أرجو منـكِ إظهار التسامح.”
قلّـة من الأشخاص فقط هم مـنْ يستطيعون الغضب علنًا أمام وجـه كهذا.
رغمَ أن سيروين كان يظهر ابتسامةٍ أكبر مما سبق إلا أنها كانت تبدو مشؤومة بالنسبة لي .
عندها أومأت.
“التّسامح مسألة منفصلة. لكن، كنوع من الاعتذار عن تلك الوقاحة، أتمنّى أن تجيبا على سؤالي.”
“يمكنكِ أن تسالي عن أي شيء.”
رأيتُ المستيقظين الآخرين الذين كانوا يبدون ككلبٍ حذر أمام لصٍّ يخفّفون من حدّتهم، راضين ربّما بإجابة هانويل المهذّبة.
لو رآهم أحدٌ، لظنّ أن النبلاء المستيقظين في الإمبراطوريّة يحبّونني و يعتزّون بي كثيرًا. رغمَ أنّهم عادة كانوا يبدون كأنهم يريدون عضي و تمزيقي حتّى الموت.
“أريد أن أسأل الكاردينالين ممثّلي وفد المملكة.”
على أيّ حال، يجب أن أعرف نوايا هذين الشخصين.
و مَـنْ هو زعيم الأشرار أيضًا.
و لماذا أصبح زعيم الأشرار مرشّحًا لمهمّتي أصلاً!
“ما هي أكبر أمنية تريدون تحقيقها من خلال زيارة الإمبراطوريّة.”
تلقيت نظرات محتارة كأنها لم تفهم شيئًا على الإطلاق.
من الطّبيعي أن يجدني الآخرون غريبة لأنني لم أوبّـخ الكاردينال الوقـح و خرجت بكلام آخر.
“لا أعرف لماذا تسأل صاحبة السّمو عن ذلك، لكنّني سأجيب بصدق. بالنّسبة لي، أنا مهتم جدا بتوازن القوى بين السّحرة و المستيقظين.”
حدّق هانويل بعينين جادّتين فيّ مباشرة.
كانت عيناه التي تلمع بالإصرار مختلفةً كثيرًا عن النّظرة المهذّبة السّابقة.
“لذا، أتمنّى من خلال هذه الزيارة الحصول على فرصة لمناقشة ذلك مع صاحبة السمو.”
“إذن الكاردينال الآخر يريد الرّقص معي، و أنـتَ الآن تريد فرصة للحديث معي ، أليس كذلك؟.”
على أي حال، هذا يعني أنّـه هو أيضًا مهتـمّ بـي.
سخرتُ ببرود و أجـبتُ.
كنتُ أتساءل إن كان سيغير تعبيره أو يكشف نواياه فورًا، لكنّه لم يكن سهلا إلى هذا الحدّ.
أومأ الرجل مبتسمًا بلطفٍ و قال نعم.
“يمكن تلخيص الأمر هكذا. نعم، أنا مهتمّ بشكلٍ خاص بكيفية عمل قوّة السّاحر داخل البوابة. إن سمحـتِ بزيارة برج السّحر، فسأكون سعيدا.”
“اهتمام أكاديمي فقط؟”
“نعم، سمو الدّوقة. سأكون ممتنًّا لو منحتِني مثل هذه الفرصة.”
أدرتُ عينيّ.
“إذن، الشخص الآخر. ماذا عن الكاردينال سيروين؟”
بسبب إشارتي الوقحة، رأيتُ وجوه كهنة الوفـد الآخرين تتقلّص بانزعاج.
لكنّهم لا يستطيعون قول شيء.
لأنّه الطرف الذي قام بتصرف وقـح أولا.
كان سيروين يوجّـه إلي نظرة ملحّـة ككلبٍ مطيع، فتعمدت عدم إخفاء الإحتقار في نظراتي و كلامي.
“بالتّأكيد أنـتَ لا تريد الرقص معي فقط، إذن ما الذي تريده حقًّا من الإمبراطوريّة؟”
عندها قام هذا الرّجل الوقـح بالاقتراب مني بخطوة واحدة.
“أنا مهتمّ بسمو الدّوقة.”
ثمّ أخـذ يثرثر بمثل هذا الهراء.
“مـاذا؟”
“آه، لقد أخطأتُ في الكلام. أريد الاقتراب من صاحبة السّموّ من خلال هذه الزّيارة.”
“…..”
ما هذا الشخص المجنون بالضّبط؟
هل هو حقًّا زعيم الأشرار.
عندما كان شكّي يزداد ، سمعتُ ضحكةً منخفضة.
“يا له من مشهد ممتـع.”
لم تكن ضحكـة مستمتعة حقًّا.
في الوقت نفسه، ظهرت زهرة زرقاء من أغصان جليدٍ حادّة أمامي.
و بالضّبط، قامت تلك الزّهور الجليديّة بمنع سيروين من الاقتراب مني.
“الكاردينال سيروين.”
كان صوت كايسيس.
“نعم، جلالة الإمبراطور.”
“للأسف.”
همس مبتسمًا بوجهٍ لا يبدو سعيدًا على الإطلاق.
“من الأفضل توجيه هذا الاهتمام إلى شخصٍ آخر.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.