الفصل 34
34
شعرتُ بإرهاق مألوف.
ذلكَ الإحساس البارد بأن جسدي لم يَعُـد ملكي، و كأنّني أُدفَع إلى مقعد متفرّج خارج المسرح.
ثمّ سُمِعتْ أخيرًا نبرة صوتٍ باتَت مألوفةً إلى حـدٍّ ما، صوت هيلاريا.
“هل يجب أن أتحمّل مسؤوليّة كل خلاف يحدث في القصر؟”
“مـاذا؟”
“يبدو الأمر و كأنّ كلّ خلاف يحدث بين المجموعتين في القصر هو من اختصاصي.”
“هذا ليس ما نتحدث عنه الآن!”
“و ما الفرق؟”
آه. انتهى أمري.
أغلقتُ عينيّ داخليًا بقوّة.
ما الفرق ما فعلته و بين تأجيج النّار في منزل مشتعل بالأصل؟!
مع كلّ كلمة أقولها، رأيتُ بريق عيون الإمبراطور البارد يبرد أكثر.
“إذن هذه هي نواياكِ، يا دوقة؟”
شفاه ملتوية، غضب واضح ، برودة تمتـدّ غير مخفيّة شعور الاشمئزاز، و عضلات ذراع منتفخة كأنّها ستنفجر.
سواء شعرتُ بالدّوار أم لا، الجسـد الذي سُلبت سيطرته منّي كان يطلق كلمات قاسية و باردة على لسان هيلاريا كالسّهام.
“أشعر بالظلم، جلالتكَ. لا أفهم كيف يعـدّ حادث عرضيّ كـاد يصيب تلميذي إصابة خطيرة قليلاً على أنّني دفعتُ لوياس نحو الموت بنفسي. الحادث نفسه…..”
جالت عينايّ على المستيقظين المتجمّدين، و المرشدين الذين ركضوا مذعورين.
و على السّحرة الذين فقدوا عقولهم و تورّطوا.
“هو مسؤوليّة الجميع هنا. أليس كذلك؟”
رأيتُ الجميع يديرون أنظارهم كأنّهم مذنبون، أو ينقرون ألسنتهم مشمئزّين من موقفي.
‘أيّها النّاس، لم أرد قول هذا…… ‘
“بالإضافة إلى ذلك، إذا أردنا أن نكون أكثر دقّـة، فالخطأ خطأ جلالتكَ لا خطئي أنا.”
ضحكَ كايسيس الذي كان يحدّق بهدوء ضحكة فارغة.
“بسحر الدّوقة، كان يمكن إزالة مثل هذه الطّاقة بإشارة واحدة منـكِ . لكنّـكِ لم تكوني تنوين الحركة بالأصل ،أليس كذلك؟ و مع ذلكَ أنـتِ تدّعين أنّكِ مظلومة؟”
مـرّر يـده على شعره كأنّه محبط جدًّا و عضّ أسنانه.
“هل هذه ما تسمّينه تحمّل المسؤولية؟ أنّها خفيفة جدًّا لدرجة عدم الشّعور بثقلها.”
ثمّ بدت و كأن نظرة الإمبراطور وصلت إلى لوياس.
لم أستطع إدارة رأسي، فاكتفيت بالتّململ داخليًا.
‘كيف تبدو ملامحـه الآن؟’
نظرَ كايسيس إلى مكانٍ ما بعيون متألٌمة للحظة، ثمّ حـدّق بي مجدّدًا.
“إن لم تكوني تنوين حمايته ، فلم يكن ينبغي عليكِ أن تحضريه إلى هنا من الأساس.”
أنا مَـنْ طلبتُ ذلك.
أردتُ إظهار القصر له، لذا فالمسؤوليّة تقـع عليّ أنا.
لكنّ الدّوقة آرييل القاسية لم تقـل شيئًا.
رأيتُ وجه كايسيس يتشوّه تدريجيًّا. كمَـنْ كان ينتظر عذرًا ثمّ خـاب أملـه.
أمسكَ قبضته بقوّة تصدر صوتًا بعيدًا.
“يبدو أنّني كنـتُ مجنونًا.”
أطلقت شفتاه الحمراء كلمات ازدراء.
“كنـتِ دائمًـا هكذا. كيف نسيتُ أسلوبكِ المزعج الذي يجعل الآخرين ينفرّون منـكِ.”
“وهـم جلالتك حرّية تتمتّع بها. لا أعرف ما الذي رأيته بي و ما الذي كنـتَ تتوقّعـه، لكنّ ذلك يؤسفني.”
“أيتها الدّوقة! أنـتِ حقًّا…!”
“نعم، جلالتكَ. تكلّم.”
“هاه……”
في الحقيقة، ما كان يُقلقني ليس غضبَ الإمبراطور، بل ذلكَ الطفل الصغير الذي يسمع كل هذا.
أردتُ الرّكض أليه فورًا، الإمساك بكتفي الطّفل الصّغير، احتضانه، و التربيت ظهره.
لا. الأمر ليس كذلك حقًّا.
لم أرد أن ألومكَ ، و لم يحدث هذا بسببكَ.
لكنّ جسـد هيلاريا الذي لم يعـد ملكي لم ينظر إلى التلميذ الصّغير، بل كان يرمي كلمات باردة على الإمبراطور الذي كان يوبّخني.
“دوقة.”
كان مشهد رؤية نظراتـه تفقـدُ دفئَها بالتدريج مزعجًا حقًّا.
“شكرًا لكِ.”
“على مـاذا.”
أعرف كم يمكن لتلكَ النظرات أن تظهر اللّطف، و كم يمكن أن تصبحَ ناعمة كالحلم.
“لجعلي أدرك تمامًا أنّ كلّ شيء لم يكـن سوى وهـم منّي. شكرًا جزيلا لكِ ، اللعنة.”
لأنّني أدركتُ بعمق في هذه اللّحظة أنّ هذا الجسـد ليس ملكـي.
أنا خصمـه، الجانب المعاكس له ،
عدوّة المستيقظين و منافستهم.
هذا هو موقعي.
“اليوم، عـودي من حيث أتيـتِ يا دوقة. لا أريد أن تقـع عينيّ على أيّ شيء يخصّـكِ. لا صوتـكِ ، لا حركاتكِ، و لا حتّى ظلّـكِ!”
“كما تأمر”
“ألغوا تقرير اليوم. و اجتماع النّبلاء أيضًا، لا يمكن إجراؤه بهذا المزاج.”
رأيتُه يدير ظهره بحزم و يمشي بخطواتٍ صارمة.
حدّقتُ في ظهره بذهول، وشعرتُ بألم في مكانٍ ما في صدري، لكنّ الجسد المسلوب سيطرته منّي ردّ بهدوء.
“نعم. إذن سأعود مع السّحرة.”
ظننتُ أنّ ظهره توقّف للحظة قصيرة، لكن ربّما كنتُ أتوهّم.
تمتم بلعنة خافتة و مضى قُدمًا،
رأيتُ المستيقظين و المرشدين يتبعونه على عجلٍ في جـوّ ثقيل خانق.
وبينما كنتُ أحدّق بهم بعينين فارغتين، التقى نظري بنظرِ ذلكَ المستيقظ الذي كان قد بدأ الشجارَ معي أوّلًا.
لسببٍ ما، لم يتبـع الإمبراطور بل وقـف متردّدًا.
و لأنّني كنتُ متعبة من التّفكير، لم أهتمّ به.
على الرّغمِ من أنّ الجدال مع الإمبراطور و إطلاق الكلمات الحادّة كانا أمرًا معتادًا ، إلّا أنني الآن شعرتُ بثقل حقيقي.
‘مرهق. أنا متعبـة، حقًّـا.’
مع هذه الفكرة، عادت سيطرتي على جسدي تدريجيًّا.
شعرتُ بالدّمِ يتدفّق مجدّدًا في أطرافي المتجمّدة.
“هاه”
زفرتُ بعمق ثمّ استدرتُ نحو لوياس.
رأيتُ رأسه المستدير الصّغير مطأطأً ، لم يرفع عينيه حتّى.
“لوياس.”
“……!”
عندما ناديته بصوتٍ بارد خالٍ من الدّفء، رأيتُ كتفيه الصّغيرتين ترتعشان.
شعرتُ بقلبي ينفطر.
فقد كنتُ بنفسي مرشدة بائسة لا تفعل شيئًا سوى مراقبة النّظرات المتقزّزة الموجّهة نحوها.
لكنّ ، و من أجل سلامة حياتي، لا يزال عليّ أن أكون حذرة و لا أستطيع تقديم عزاء أو لمسة دافئة لهذا الطّفل حتّى.
‘آسفة لكوني بالغة جبانة.’
بالتأكيد ، هناك أحد يثير المشاكل.
إذا كانت الخطط مصنّفة في مستويات، فأنا قد وقعت في خطّـة وضيعة.
لكنّ المجموعتين كانتا على علاقة سيّئة جدًّا، لهذا فأنّ الضغينة المتراكمة ستنفجر بأقلّ احتكاك كما حدثَ اليوم.
‘علاقتي مع الإمبراطور أصبحت أفضل ممّا كانت عليها في الأصل. لهذا قال أنّـه شعر بخيبة الأمل.’
تذكّرتُ مشاهدَ الرواية التي ظهر فيها الإمبراطور و الدّوقة آرييل ،
كانت قاتمة و كأنّهما أعداء دم.
حواراتهما دائما ما كانت مليئة بسهام الاحتقار والازدراء.
وكان سببُ احتقارِه للدّوقة أنًه كان يظن أنّ لها علاقة بالخصوم الذين يعملون ضدّه في الخفاء.
‘في نظره ، يعتقد أنّها ستدعـه يموت بدل علاجـه لو سقط جريحًا.’
لكن تلكَ العلاقة تغيّرت بتدخّلي بعد التجسّد.
بدأتُ أعامل الإمبراطور بسهولة تدريجيًّا لأنّني كنتُ أتذكّر اللّيالي، فاختلطت النّكات في الحوارات قليلاً.
توقّـع، ثمّ خـاب أملـه.
هل شعرَ هذا الطّفل بالشّيء نفسه تجاهي هو أيضًا؟
“لوياس.”
على الأقلّ ، يجب علي فعل هذا.
ركعتُ ببطء أمام الطّفل و واجهتُ نظراته.
سمعتُ أصوات دهشة من جهة غير السّحرة، لكنّني لم ألتفـت.
وضعتُ يديّ على كتفي الطّفل الذي لا يزال يخفض رأسه.
في تلكَ اللحظة، رأيتُ بوضوح يدي الممزّقة بفعل جليد الإمبراطور، و الدّم المتدفّق منها.
الألمُ الذي كنتُ قد نسيته عادَ دفعة واحدة.
‘آه…..مؤلم جدًّا.’
رفعَ الطّفل رأسه ببطء.
تدفّقت الدّموع من عينيه كأنّها حنفيّة مكسورة .
كـدت أنسى الوضع و أضحك.
سألتُ و أنا أنظر إلى أنفه الأحمر الصّغير.
“هل تأذّيـتَ في مكانٍ ما.”
هـزّ رأسه بسرعة.
لوياس الذي لا يتكلّم و يهـزّ رأسه الصّغير بسرعة كان يبدو مثيرًا للشّفقة.
رفعتُ يدي التي تنزفُ لأمسحَ على شعرِه، لكنّي توقّفتُ فجأة.
قد يتّسخ بالدّم.
حين رأى تردّدي، قبضَ الطفلُ بارتباكٍ على يدي المجروحة بكلتا كفّيه.
أمسك الطّفل يدي المجروحة بلطف و حرّك أصابعه ليكتب شيئًا .
─بسببـي.
ربّما يقصد أنّه آسف
قبضت على يدي بألم.
أنزلتُ يدي التي تنزف و مرّرتُ يدي الأخرى على شعره بحركة غير مبالية.
“لا.”
توك.
نهضتُ و أنا أرى عيونه المصدومة.
“لنعـد إلى المنزل.”
“……!”
هذا مزعج لدرجة أنّني أريد التّفوه باللّعنات، لكنّ هذه أفضل مواساة أستطيع تقديمها الآن.
أدركتُ اليوم بعمق.
أنّني عاجزة إلى هذه الدّرجة أمام النّظام.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.