الفصل 166
166
هل هو حسن حظّ… أم سوء حظّ؟
كايسيس العنيد لم يسقط أرضًا.
ترنّح للحظة كأنّ جسده سيفقد توازنه، ثمّ ثبت ركبةً واحدة على الأرض، و منع نفسه من السقوط، قبل أن يستقيم و ينظر إليّ مباشرة.
وفي خضمّ ذلك كلّه، لم يفقد ابتسامته.
“لقد هرب، لكن هدفنا منذ البداية كان واحدًا، أليس كذلك؟”
رغم أنّ الألم كان يلتهمه و يجعله يتمايل، فإنّ المعنى المنعكس في عينيّ كايسيس المتلألئتين كضوء النجوم لم يكن سوى واحد.
“علينا أن نعثر عليه في هذه الأثناء.”
إرادة إنقاذ شقيقه المختطف.
نعم.
كان واضحًا أنّه لن يسقط قبل العثور على لوياس.
سيتحمّل بعناد، بأيّ طريقة كانت.
كنت أعرف ذلك.
“……إصابته ليست بسيطة، و لن يتمكّن هانويل من التحرّك بسهولة أيضًا.”
شعرت بمرارة في فمي، و بخشونة في حلقي.
كنت بالكاد أقاوم رغبتي في الاندفاع نحوه وضخّ طاقة الإرشاد فيه فورًا.
لكنّني، أنا أيضًا، كنت أريد إنقاذ لوياس بشدّة.
عندما ألقيت نظرة سريعة على إرشادات النظام، لاحظت أنّ طاقة لوياس كانت تنخفض تدريجيًا.
كانت 110 قبل قليل، أمّا الآن فقد وصلت إلى 100.
هل هو يتحرّك؟
إن كان الأمر كذلك، فهذا يعني أنّه موجود في مكان ما داخل فضاء هذه البوّابة، و يتنقّل الآن.
“إنّه يرتدي خاتمًا مليئًا بتعاويذ متعدّدة، و إن كان لوياس شجاعًا كما نعرفه، فلا بدّ أنّه يفعل شيئًا الآن. من المرجّح أنّ هناك جلبةً في مكان ما، من الأفضل أن نتحرّك.”
قلادة لوياس الأثريّة كانت شيئًا يمكنه استخدامها من جهته، لا أداةً نستطيع تفعيلها نحن للانتقال إليه.
لوسي… أرجوكِ، استخدميها في الوقت المناسب!
“جلالة الإمبراطور، هل تستطيع الصمود حتّى ذلك الحين؟”
“بالطبع.”
كاذب.
لم أنخدع.
معدّلاته كانت تهوي بسرعة، بسرعة لا تقلّ عن ارتجاف قلبي المفزوع.
لم يكن هناك وقت.
“إن شعرتَ أنّ الأمر صعب، فأخبرني. سأترككَ و أبحث عن لوياس وحدي.”
سألتُ متصنّعة البرود، متجاهلةً الوخز المؤلم في صدري، فابتسم كايسيس و ضيّق عينيه بابتسامة جميلة.
“قاسية حقًّا.”
* * *
“تباهيتُ أكثر ممّا ينبغي.”
لم تكن سمعة الوحش كاذبة، فالإصابة كانت بالغة.
نجح بالكاد في الهرب، لكنّ جسده لم يعد يطيعه كما يجب.
بينما كان هانويل يمرّر يده على شعره الأزرق الفاتح الملطّخ بالدم، تذكّر زميله المزيّف الذي حذّره.
سيروين.
‘لن تستطيع إيذاء الدّوقة آرييل، أيّها الإنسان الأحمق الغبي!’
حقًّا؟
هانويل كان فضوليًا.
فضوليًا إلى حدّ مزعج لأنّه اهتمّ بدوقة آرييل، لا… بهيلاريا، متأخّرًا جدًّا.
‘أيّ خيار سأختار؟’
تساءل متى يمكن لذلك الوجه الصلب، المليء بالإرادة، أن ينهار.
و إن حدث ذلك، أيّ تعبير سيرتسم عليه.
و إن مدّ يده إليها و هي في حالة ضعف، هل ستقف إلى جانبه؟
لماذا كان يتساءل عن هذا أصلًا؟
“هيلاريا… همم. هيلاريا….كان الإمبراطور يناديها بذلك الاسم بحميميّة.”
مجرّد تخيّل ذلك الإغراء جعله يشعر بتحسّن ملحوظ في مزاجه.
رغم أنّ محاولته فشلت، فإنّ ارتباك هيلاريا حين أُصيب الإمبراطور ترك أثرًا عميقًا في صدر هانويل.
هل يُعـدّ هذا تغييرا جيّدًا؟
أم أنه الأسوأ على الإطلاق؟
لكن هناك أمر واحد كان مؤكدًا.
كايسيس هو الوحيد الذي يحظى بكلّ قلقها و اهتمامها، و ذلك لم يكن يعجبه.
كان يكرهه.
كان يكره ذلك الاهتمام.
‘هل كنتُ أريد ذلك الاهتمام أن يكون موجّها إليّ؟’
هاها.
أهذه غيرة؟
شعر هانويل أنّ تقلّبات مشاعره كانت مثيرة للاهتمام.
‘مهما كان الانجذاب نحو المرشدة.’
لماذا، و قد أصبحا عدوّين تمامًا، كان يتوق إلى اهتمام تلك المرأة؟
و لماذا أراد مراقبتها؟
تلك الفكرة جعلت قلبه ينقبض بوخز غريب.
‘كان بإمكاني أن أكون أقسى معها، لكنّي لم أفعل.’
بل إنّ هيلاريا كانت الشخص الذي أمر الحاكم العظيم بإحضاره قربانًا.
و مع ذلك، تصرّف هانويل بتراخٍ، و مدّ يده إليها مرارًا، كما لو كان رجلاً يتودّد.
للمساومة.
“هل فسدتُ؟”
لم يكن يريدها في الجانب الآخر، بل إلى جانبه هو.
و لهذا السبب تخلّى عن ليلييتا، التي كان يستطيع استغلالها حتّى النهاية، مبكّرًا.
لم يعد بحاجة إلى بديل.
إن كان هناك ما يأسف عليه، فهو أنّه أدرك هذه المشاعر متأخّرًا جدًّا، فأظهر لهيلاريا جانبه الخام، العاري بلا قناع.
‘إلى درجة لا يمكنه فيها الآن أن يكسب ودّها.’
مؤسف فعلًا.
لو أنه اكتشف ذلك بشكلٍ أبكر قليل، لربّما اختلف كلّ شيء.
“آه.”
نهض هانويل من مكانه و هو يكابد ألمًا لم يعد يُحتمل.
يبدو أنّ الأشخاص الذين كان يفترض أن ينتظروه قد غادروا، و على ما يبدو، فإنّ الأمير الصغير، الذي يشبه معلمته بطبعه الحادّ، كان يحدث ضجّةً كبيرة.
نعم، ذلك الأمير الصغير.
هانويل كان يعلم أنّ حيوانًا بريًّا يشعّ بهالة ‘شظيّة الحاكم’ قد لحق بالأمير الصغير الذي جُرّ إلى البوّابة.
لكنّه تظاهر بالجهل.
من أجل المتعة اللاحقة.
لا… أم أنّ الأمر ليس كذلك؟
آه، لأنّه لم يُرِد أن تغرق هيلاريا في اليأس أكثر من اللازم.
لم يكن يريد رؤية ذلك.
‘يبدو أنّني لا أريد أن أكون مكروهًا من قبلكِ حقًّا، يا صاحبة السموّ.’
لهذا لم يجعل كايسيس في خطر أكبر، و لم يؤذِ الأمير الصغير.
“إنّه أمر مخيف فعلًا.”
هل تكون الغريزة بين المستيقظ و المرشدة مخيفة إلى هذا الحدّ؟
هانويل، الذي لم يسبق له أن شعر بجوع المستيقظ أو اشتهاء قوّة المرشد، وجد كلّ شيء غريبًا.
كما أدرك أنّه، كأيّ مستيقظ عادي، لا يريد رؤية مرشدته تموت.
“لكنّ الأمر ليس مضحكًا.”
أن يُنبَذ من الحاكم العظيم، كان يعني الموت.
إن لم يُحضر تلك المرأة المتخفّية، دوقة الإمبراطورية و المرشدة الحقيقيّة للإمبراطور، إلى الحاكم، فسيكون هانويل هو مَنٔ يموت.
كان روحًا أنانيّة، عاش دومًا لأجل سلامته وحده.
لم تكن حياة الآخرين تعني له شيئًا.
و مع ذلك….
لماذا يخوض في هذا الصراع الخطير مع نفسه؟
ابتسم هانويل بعينين مغمضتين، و هو يفكّر مرارًا و تكرارًا.
“لماذا أنتِ مختلفة؟”
ظهرت أمام عينيه تلك النظرة الحمراء التي حدّقت به بكره.
أراد أن يلمس مجدّدًا قوّة الإرشاد التي تشعّ منها.
“مؤسف… مؤسف فعلًا.”
ضغط على خاصرته الغائرة بعمق، و كأنّ أحشاءه توشك أن تخرج، و مشى مترنّحًا.
لم يكن يريد أن يموت هكذا.
أراد أن يقاوم أكثر، و أن يرى النهاية.
ابتسم ابتسامة مائلة.
في نهاية هذا الفضاء، هناك ممرّ الحاكم المخفي بعناية.
إن وصل إليه، فسيستعيد القوّة.
و حينها، سيبدو هذا الجسد المتهالك، الذي تحطّم و تجدّد مرارًا، سليمًا كما لو لم يُمسّ.
بعد أن يتعافى، سيذهب ليرى هيلاريا مجدّدًا.
مهما كانت النهاية، فلن يتمكّن من أن يكون معها.
لذا، ليس أمامه سوى مشاهدة النهاية.
“يا سموّ الدوقة، إمّا أن تعيشي أنـتِ و أموت أنا، أو أعيش أنا و تموتي أنـتِ. لا يوجد خيار غير هذين الخيارين.”
أن يشعر بقلبه، الذي ظنّه متحجّرًا منذ زمن، ينبض بهذه القوّة، كان كافيًا ليُرضي هانويل.
* * *
كانت معلّمته عظيمة.
ارتجف الأمير الصغير و هو يضمّ كتفيه.
“لقد ملأتها حتّى أقصى حدّ، مياو. لكن يبدو أنّ السحر داخلها أوشك على النفاد، مياو.”
كان لوياس يتحرّك بسرعة، مستمعًا إلى تذمّر لوسي، لكنّ الطريق الذي سلكه تحوّل إلى خرابٍ كامل.
شدّ الصبي قبضته، و هو يتذكّر الخاتم السحري في إصبعه، و كيف أنّ سحر معلّمته اجتاح كهف البوّابة و كأنّه يكنسه.
‘أنا أيضًا… أريد أن أصبح مثلها.’
أراد أن يصبح ساحرًا عظيمًا مثلها.
ساحرًا قادرًا على رفع صوته، و إلقاء التعاويذ كما يجب.
في اللحظة التي ابتلع فيها ريقه، و قد اشتدّ شوقه أكثر من أيّ وقت مضى—
“همم!”
توقّفت القطّة التي كانت تتقدّم بثبات، و جلست فجأة و هي تهزّ مؤخّرتها.
ضرب ذيلها السمين الأرض بخفّة، و كأنّها فخورة بنفسها.
‘لوسي؟’
انطبقت عيناها المشقوقتان طوليًا بلطف و هي تنظر إلى لوياس.
“أشعر أنّنا في نفس البوّابة الآن، مياو. حان وقت استخدام القلادة، مياو.”
أخيرًا!
أمسك لوياس بالقلادة المعلّقة في عنقه بإحكام.
هي أيضًا أداة سحرية.
قلادة انتقال أعطاها له أخوه الإمبراطور، لا يجوز استخدامها إلّا في لحظة حاسمة حقًّا.
لا يمكن ربط داخل البوّابة بخارجها، لكن داخل البوّابة نفسها، يُفترض أنّها تسمح بشيء من الانتقال.
شعر بتدفّق المانا في جسده.
استحضر في ذهنه صورة أعزّ شخصين في العالم، و فعّل الأداة.
وفي الوقت نفسه، شعر بثقل دافئ، طريّ، لقطّة تقفز إلى كتفه.
ثمّ، أضاء كلّ شيء.
‘إلى أخي الإمبراطور!’
لكن لماذا؟
هل أصبح استخدامها داخل البوّابة عاملًا متغيّرًا؟
‘هاه؟’
عندما فتح لوياس عينيه، لم يرَ أخاه الإمبراطور و لا معلّمته…
“وجدتكَ أخيرًا، أيّها الجرذ الصغير.”
كانوا هناك.
الأشخاص الذين كانوا يطاردونه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.