الفصل 151: الفصل الجانبي 7
151 – الفصل الجانبي 7
7. الهديّـة
في تلكَ الليلة التي فاز فيها فريق سيرتين وصعدَ إلى قمّة برجِ المراقبة، وصلت إلينا هدية.
في الحديقة الإمبراطورية، جثا إمبراطور ليكسيا على ركبتيه بسعادة، مادًّا ذراعيه نحوَ طفل يمشي بتردّد.
“كيا! ماما! بابا!”
كان الطّفل يضحكُ و يمشي بسرعةٍ نحو والده. لقد أكملَ لتوه عيدَ ميلاده الأول. تعثّرَ الطفل الذي كان يركض و تدحرجَ للأمام عندما فقدَ قوته في ساقيه.
“آه!”
غضبَ ليون، وكأنَّ جسده الذي لا يطيعه أزعجه، وفتحَ عينيه على اتساعهما.
كان طفلًا ورثَ شعر سيرتين الأسود و عينيه الزرقاوين، لكنه يشبهني في ملامح وجهه.
يقولُ سيرتين إنه لا يستطيعُ مقاومته لذلك السّبب.
رفعتُ الطّفلَ بسرعة. نفضتُ الغبار عن ركبتيّ الطفل الذي نادرًا ما يبكي، فـمدَّ ليون يده نحوي.
أمسكَ ليون بيدي و حدّقَ بوالده. بعد أن تعثّرَ مرة، بدا مترددًا في اتّخاذ خطوةً أخرى.
“لا بأس، ليون.”
شجّعَ سيرتين ليون بصوتٍ حنون.
منذُ ولادة الطفل، تغير سيرتين كثيرًا. الرّجل البارد أصبحَ يبتسم دائمًا. أصبحَ أكثرَ تسامحًا و رحمة، و صار لديهِ هامش في قلبه.
كان هذا أحدَ أسباب تبجيل المساعدين لـليون.
“ليون، هل تريدُ المحاولة مجدّدًا؟”
أفلـتُّ يد ليون برفق. حاولَ ليون الحفاظ على توازنه للحظة، ثم جلس فجأة.
برزت شفتاه كما لو كان حزينًا، لكنه نهضَ بحماس و قرّر المحاولة مجدّدًا.
“جيد جدًا! لم يبقَ إلا القليل، ليون!”
ضحكَ سيرتين. كلّما اقتربَ ليون منه، اتسعت ابتسامته. تسارعت خطوات ليون.
أخيرًا، ضحكَ ليون بصوتٍ عالٍ عندما وصلَ إلى أحضان والده. كانت يده الصغيرة التي تمسك بكتف والده محبوبةً بلا حدود.
“أنتَ الأفضل، ليون!”
فركَ سيرتين شفتيه على خدّيّ ليون الممتلئين. ضحكَ ليون مرّةً أخرى بسعادة.
يقول سيرتين إن تلكَ اللحظة تشبهني تمامًا. ضحكة الطفل، التي تتفتح كالزهرة، انتشرت في القصر الإمبراطوري. كانت كل الأنظار التي تنظر إلى ليون مليئة بالدفء و الفرح.
في تلكَ اللحظة، اقتربتْ فيرونيكا من الحديقة. كانت قد زارتنا للاحتفال بعيد ميلاد ليون و مكثت لبعضِ الوقت.
“ليون! تعالَ إلى هنا.”
أخذت فيرونيكا ليون من أحضان سيرتين.
كانت خدود الطفل المحبوب متورّدة بلون الخوخ الجميل، وكانت عيناه المتلألئتان بالضحك نقية كقطرات الماء.
غيّـرَ وجود الطفل جو القصر و العائلة. دارت فيرونيكا بـليون في أحضانها.
مـدَّ ليون ذراعيه الصغيرتين كما لو كان يمتلك السّماء.
“متى كبرَ هكذا؟ و كأنه وُلد بالأمس! ليون، لا يجبُ أن تشبهَ والدكَ، بل يجب أن تشبه والدتك. مفهوم؟”
“ماما! بابا!”
“نعم، ليس بابا، بل ماما. فهمت؟”
ابتسمتْ فيرونيكا. فتبعها ليون، الذي لا يعرف حتى معنى ذلك، و مشى معها.
“كلامٌ فارغ.”
“أنا جادّة. أن يشبه إيفلين أفضل من أن يشبه سيرتين، فهذا يعطيه إنسانية أكثر. أليس كذلك، ليون؟ انظر، إنّه يضحك. إنه يوافقني.”
سخرَ سيرتين. فوضعت فيرونيكا ليون في الحديقة و سارت معه. تحرّكَ الطفل بجد.
طاردَ فراشة هبطت في الحديقة، و مـدَّ يده ليمسك بتلات الزهور المتساقطة. كانت لحظة ثمينة أن أتبعه.
عندما يكبرُ ليون و يصبح بالغًا، سيتقدم بسرعة لا نستطيع مواكبتها. شعرتُ بالتأثر لأن هذه اللحظة ستمرّ بسرعة.
“الآن أصبحَ طفلًا حقًا، وليس رضيعًا.”
أومأت فيرونيكا وهي تمشي بجانبي.
“قال سيرتين إنه يكبرُ بسرعة، إنّهُ أطول بنصف ذراع من أقرانه. يبدو أنه ورثَ ذلكَ من والده.”
“أشعر بالأسف قليلاً لمرورِ هذه اللحظة.”
“يا إلهي.”
“إنه لطيفٌ جدًا الآن.”
“حسنًا، عندما يكبر أكثر، لن يستمع إلينا و سيفعل ما يحلو له، أليس كذلك؟ في الواقع، سيرتين…”
“فيرونيكا، يبدو أن الوقت قد حانَ لمغادرتكِ القصر. أليس كذلك؟ والدتكِ تنتظركِ.”
سخرت فيرونيكا.
كان هناك أشخاص تغيّـروا و تقدموا، وآخرون بقوا كما هم. كانت الإمبراطورة السّابقة من هؤلاء.
ما زالت تلومُ الآخرين على تلاشي مجدها، و تكره سيرتين لأنه طردها.
لم تأتِ لمرّةٍ واحدة منذُ ولادة ليون.
وفقًا لفيرونيكا، قالت: “دعيها تبقى هكذا. إنها عنيدة جدًا. لكن العيش هناكَ أفضل بكثير من هنا.”
“أمي أكثرُ انشغالًا منّي هذه الأيام. لا تنتظرني على الإطلاق. يا إلهي، ليون! ستقع!”
مدّت فيرونيكا ذراعيها و اندفعت نحوَ ليون بسرعة أكبر من أي شخص آخر.
شعرها زيّـنَ الهواء ، كانت مغرمة بشدّة بابنِ أخيها الصّغير.
* * *
انتهت نزهة ليون و تدريبه عندما حانَ وقت العشاء.
كانت طاقته مذهلة؛ يتعب الكبار، لكنه لا يتعب. حتى عندما ينام من الإرهاق، تكفيه ساعتان ليستعيد نشاطه. يبدو أن قيلولته القصيرة اليوم شحنَتهُ مجدّدًا.
“بابا!”
ضربَ ليون كرسيه العالي بكفيه. منذُ أن أصبح قادرًا على المشي، كان يكره أن يكونَ محصورًا هكذا. بدا أن الكرسيّ لا يعجبه.
“ليون، ماذا عن تناول الطعام ثم المشي أكثر؟”
هدّأه سيرتين وهو يرفع ملعقة الطعام. فتحَ ليون فمه تلقائيًا، لأنه يحبُّ الأكل.
ظهرت أسنانه البيضاء الصغيرة كحبات الأرز بين شفتيه المستديرتين. دقّ ليون قدميه بحماس.
كان سيرتين غالبًا يأخذ مهام المربية. ربّما بعد قراءته كتابًا عن تأثير التفاعل العاطفي بين الوالدين و الطفل.
ربّما كان أوّل إمبراطور يغير حفاظات طفل.
الآن، أصبحَ يغيّرُ حفاظات ليون بمهارة، و يقوم بتحميمه، و يطعمه أفضلَ مني.
“يا لكَ من آكلٍ جيّد. هل تريد المزيد؟ آه!”
فتحَ ليون فمه كعصفور صغير. كلّما أكل لقمة، امتلأ قلبي. كلّما كبرَ الطفل، شعرتُ أن حياتي تمتلئ أيضًا.
كانت لحظة أسعد مما تخيلت.
غادرَ ليون مع المربية لتغييرِ ملابسه المتسخة من تناول الطعام. دخلت الخادمات لتنظيفِ الغرفة.
تنهّدَ سيرتين بعمق و استلقى على الأريكة.
“أحيانًا أفكر أن تربية الأطفال أصعب من أداء المهام الرسمية.”
“حقًا؟”
أغمضتُ عينيّ قليلاً و أنا أميل عليه. كانت لحظةً سلمية.
“نعم. الوزراء على الأقلّ يحاولون فهمي عندما أتحدث. لكن ليون لا. إنّه الشخص الثاني الذي يهيمن عليّ.”
“الثاني؟”
وضعَ سيرتين يده على يدي. و همسَ بصوتٍ ناعس:
“الأولى هي أنتِ.”
حاولتُ سحب يدي، لكنه أمسكني.
“سيرتين، قد يعودُ ليون قريبًا. بعدَ أن يغيّرَ ملابسه…!”
“لن يكون هناكَ مَنْ يفتقر إلى الحسّ لتلكَ الدرجة. ليون سينام و يعود غدًا صباحًا، إيفلين.”
غيّـرَ سيرتين وضعيّته.
فجأةً، وجدتُ نفسي مستلقيةً على الأريكة.
قال سيرتين إنني أهيمنُ عليه، لكن في الحقيقة، هو مَنْ يهيمن على لياليّ.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.