الفصل 130: النهاية
130 – نهاية القصّة الرئيسية.
جلسَ إيدموند على الكرسي وهو يُجفّف شعره بالمنشفة.
كانت قطرات الماء تتساقط من خصلات شعره الأسود الّتي لم تجفّ بعد. وبينما كنتُ أحدّق في قطرات الماء الّتي تنحدر على عضلات صدره المتينة وبطنه المحزّز، ابتلعتُ ريقي من غير قصد.
‘ما الّذي تفعلينه يا أوليفيا! حرّكي نظركِ بعيدًا فورًا!’
كان الاستحمام بالماء الدافئ أمرًا حسنًا بحدّ ذاته. لكن من الطبيعيّ أنّ ملابسي لن تلائم إيدموند.
بحثتُ في غرفة الغسيل، لكنّ الوضع لم يكن مختلفًا هناك أيضًا. فمن بين كلّ الإخوة الكهنة، لا يوجد مَن يمتلك بُنية جسديّة مثل إيدموند.
لحسن الحظّ، لم يكن السّروال مبتلًّا كثيرًا، فحرص على تجفيفه جيّدًا قبل ارتدائه، أمّا القميص فكان مبلّلًا تمامًا ولا أمل في إنقاذه. وهكذا صار مظهره على ما هو عليه الآن.
في الواقع، لو سألتُ فرسان المعبد، ربّما وجدتُ مقاسًا مناسبًا. لكن … بما أنّ وليّ العهد سيبيت في المعبد، فربّما نوقظ الكهنة النّائمين بلا داعٍ.
هذا كلّه من أجل إخوتي الكهنة ومن أجل الفرسان الذين هم في يوم عطلتهم—نعم، هكذا تمامًا—
“لكن، هل يَسعُدك حقًّا المبيت هنا؟”
“قاعة الصّلاة بعيدة جدًّا عن غرفتكِ.”
“صحيح، لكن لا يوجد في المكتبة مكان يمكن النّوم فيه…”
“قاعة الصّلاة واسعة وقد رُمِّمت مؤخرًا وهي نظيفة، أمّا المكتبة فالبناء قديم ومن الصّعب النّوم فيها.”
“لنبقى هنا نتحدّث قليلًا، ثمّ نغفو.” ، قال إيدموند ذلك وهو يسحب الكرسيّ في المكتبة ليجلس عليه.
“أهكذا؟ جيّد. كنتُ أريد التحدّث قليلًا أيضًا. في المكتب لا نستطيع تبادل أحاديث جانبيّة.”
“صحيح. فالعاملون يُصدرون نظراتهم كلّ مرّة.”
“ههه، أتدري؟ ناتاشا قالت اليوم إنّ كلّ شيء كان واضحًا علينا في المكتب.”
“هذا مستحيل.”
وضعَ إيدموند المنشفة جانبًا بملامح جادّة.
“ألا تعلمين كم عانيتُ كي أتماسك؟”
ارتدّ صوت قطرات الماء المتساقطة من شعر إيدموند في صمت المكتبة. الجوّ كان غريبًا ومحرجًا للغاية.
‘كيف أتابع الحديث بشكل طبيعي؟’
“مشـ—مشروب!”
“… هاه؟”
“هل تريد بعضًا؟ جسمك بارد، فربّما أدفئ لك الحليب…”
“في وقت النّوم، أيّ …؟ هاه، لا، لا بأس. بما أنّك تحبّين هذا.”
ركضتُ على الدّرج متّجهة إلى غرفتي في الطّابق الثّاني.
نعم، لا شيء يُنقذ الموقف المحرج مثل الطّعام. لكن هل يوجد شيء سيحبّه إيدموند؟
فتّشتُ أدراجي.
شوكولاتة؟ مُستبعَد. حلوى؟ أقلّ احتمالًا.
“هذا هو!”
علبة الأعشاب الّتي أهداني إيّاها إيدموند سابقًا، مليئة بالأشياء الّتي يمكن أكلها. أخذتُ منها ما يناسب، ومعه الحليب، وخرجتُ. ليس خمرًا بل حليب! إنّنا حقًّا صالحان.
“هذا …”
قطّب إيدموند حاجبيه حين رأى الموضوع على الصينية.
“هذه من الأعشاب الّتي أهديتَني إيّاها سابقًا … هل في الأمر مشكلة؟”
‘ألعلّه يعاني حساسيّة؟ أو ربّما هذا العشب سيّء للرّجال؟’
“فيا.”
ابتسم إيدموند واقترب وهو ينهض من مكانه. ثمّ أمسك يدي وجعل يُدلّك الجهة الدّاخلية من معصمي ببطء.
كان ملمس قفّازه الجلديّ المبلّل غريبًا. شعرتُ بسخونة تتصاعد في مؤخرة عنقي، وقفزتْ شعيرات رفيعة على جلدي، فتراجعتُ خطوة بلا وعي.
“نـ، نعم؟”
“هذه المرّة … ظننتُ حقًّا أنّكِ تقصدين ذلك.”
“ماذا تقصد؟”
اقترب وجه إيدموند منّي حتّى صار أمام أنفي مباشرة.
لامستْ أنفاسه الدافئة شفتيّ وكأنّها تدغدغهما. منذ حادثة القبلة الماضية، لم نقترب هكذا قطّ. ضممتُ شفتيّ إلى الدّاخل بلا إرادة.
تشو—
“ظننتِ أنّكِ بمنع شفتيكِ، سأعجز عن تقبيلكِ، أليس كذلك؟”
غطّتْ أنفاسه الساخنة شفتيّ المنكمشتين.
“إ، إيد؟”
مددتُ يدي لأدفعه عنّي، لكنّي أدركتُ متأخّرةً أنّه بلا قميص.
أصابعي هبطت بدقّة مخيفة على صدره، تمامًا فوقه …
“فيا ….”
“هذا قطعًا. قطعًا ليس كما تظنّ! ليس سـ … ليس سوء فهم!”
أردتُ سحب يدي، لكنّ إيدموند ضغط فوقها بثبات أكبر.
“إذًا هذا؟”
مدّ إيدموند يده خلف كتفي، وأخذ الأعشاب ولوّح بها أمامي.
“ماذا بها؟”
“ألا تتذكّرين؟ هذا الهلام العشبيّ الّذي أهديتِني إياه أنتِ.”
“الهلام العشبيّ؟ … آه!”
‘يا إلهي، هل هذا ذاك الهلام؟!’
انتزعتُ الكيس بسرعة لأتفقّده.
[الليلة، امرأتك لن تنام.]
كانت الجملة المألوفة مكتوبة بخطّ صغير.
“هذا، هذا خطأ حقيقي! وأنا أصلاً أحضرتُ بعض ما أهديتَني إياه أنت! هذا كلّ ما في الأمر!”
“أحسستُ بظلم شديد.”
ضحك إيدموند وأخذ الهلام من يدي.
“يبدو أنّني تحمّلتُ أكثر ممّا ينبغي. لدرجة أنّك تعطينني شيئًا كهذا.”
“قلتُ لك إنّه سوء فهم!”
لكن يبدو أنّ إيدموند لم يكن ينوي الإصغاء.
“قلتِ إنّك تريدين وضع الزواج بعد أن تستقرّي قليلًا، وبعد عامين أو ثلاثة. وأنا … كنتُ أريد نقلك فورًا إلى جناح وليّ العهد، لكنّي كبحتُ نفسي مرارًا.”
خلعَ قفّازيه بسرعة وقد بدا شديد التوتّر. تشابكت أصابعه بأصابعي فوق صدره القاسي بينما يدفع يدي بلطف—لكن بإصرار.
“وكنتُ متردّدًا في عرض الخطبة … خشية أن تقولي إنّنا لسنا في تلك المرحلة بعد. وتقولين إنّنا مجرّد … شخصين يتواعدان.”
قبّل شفتيّ بخفّة من جديد، لكنّ شفتيه هبطتا بعدها إلى عنقي، هذه المرّة ببطء أكبر وبابتسامة خفيفة.
‘الإنذار! الإنذار! لا يجب أن نترك الأمور تنفلت الآن!’
“هل تعرفين كم راقبتُ التوقيت وأنا متوتر؟”
“م، مهلاً، إيد. إذًا … سنتزوّج؟”
رفع رأسه عن كفّي الّتي كان يقبّلها مرارًا. تلألأتْ عيناه بلحظة مخيفة. كان الأمر وكأنّي لمستُ شيئًا لا يُمسّ.
“هذا ما كنتُ أريد أن أسأله أنا.”
قالها إيدموند بنبرة تشي بالغبن قليلًا.
“قلتِ سابقًا إنّنا بحاجة لبعض المواعيد قبل تقرير ما إذا كنّا سنرتبط. وأنا كنتُ أفكّر كلّ يوم: كم مرّة أخرى قبل أن أطلب مواعدتكِ رسميًّا؟ متى أخطبكِ؟”
‘لو أخطأتُ بكلمة، سيلتهمني هذا الوحش.’
تراجعتُ عدّة خطوات، لكن ظهري اصطدم حالًا بالمكتب الصّلب.
“هل هذا ما أردتِ أن تخبريني به؟ الزواج؟”
“أنا … أنا فقط ظننتُ أنّك لا تراني مناسبة لأن أكون زوجة وليّ العهد.”
رفعتُ رأسي بدافع الظلم، وندمتُ فورًا.
اقتربَ وجه إيدموند أكثر من ذي قبل.
“هذا غير وارد.”
غرز صوته الحاسم بيننا.
“كنتُ أخشى أنّ إيقاع مشاعري سيُرهقكِ إن اتّبعته كما هو. لذا أردتُ مجاراة إيقاعكِ. يبدو أنّني أخطأت.”
“لكنّك تتحدّث عن العمل معي كلّ يوم! وأقصى ما كنّا نفعله هو العناق!”
“إذًا … هل نُصبح من الّذين يتبادلون القبل من اليوم فصاعدًا؟”
رفعني إيدموند عن الأرض ووضعني على المكتب. ارتبكتُ كثيرًا لدرجة أنّني لم أعد أجرؤ على النّظر إليه مباشرة.
وحين رآني هكذا، ابتعد قليلًا—مسافة شبر فقط.
“إن بقيتِ تُحدّقين بالأرض هكذا، لن أملك إلّا أن أركع، فيا”
“ماذا! وليّ العهد لا يجب أن يركع عبثًا!”
رفعتُ رأسي بسرعة، فاقترب إيدموند أكثر، مبتسمًا ابتسامة ذات معنى. شعرتُ بأنّني انخدعت.
“أتذكرين يا فيا؟ قلتُ لكِ إنّ ساقاي قويتان.”
“لـ، لا، لا أتذكّر.”
‘بل أتذكّر. بوضوح شديد.’
“صراحةً، منذ قلتِ إنّ عليّ أن أنام هنا … كنتُ آمل قليلًا.”
“تأمل؟!”
لم يُجب. فقط أخذ يُدلّك معصمي مرّة أخرى. وجهٌ جميل أمامي، وجسد صلب تحت بصري. احمرّ وجهي بالكامل ولم أعرف أين أضع نظري.
“لن تنظري إليّ؟ هل أعود إلى القصر إذًا؟”
كانت نبرته وكأنّ الجواب معروف، وما عليّ سوى منح الإذن.
نظرتُ حولي باضطراب.
“إيد … هذا المكان مكتبة.”
“وماذا في ذلك؟”
“إنّها مكتبة المعبد! كيف سنفعل … تلك الأمور هنا!”
“لا بأس. الحاكم سيتفهّم. إنّه يحبّك.”
“لكن ما زلتُ أشعر بالذنب!”
وحين دفعتُه بعيدًا عنّي، ألقتْ بي قوّته على المكتب برفق.
“الذنب القليل لا يقتل أحدًا.”
“ما هذا الكلام!”
حاولتُ دفعه بكلتا يديّ، لكنّه لم يتحرّك.
“لكن … المكتبة ليست مناسبة. نعم.”
“أرأيتَ؟”
“فلنذهب إلى غرفتكِ إذًا.”
حملني إيدموند بسهولة وصعد الدّرج.
صرير الخشب القديم ملأ المكتبة بهدوء.
“أحبّكِ، فيا.”
“… وأنا أيضًا.”
خارج النّافذة، ما زال المطر يهطل—
على الأرض المتجمّدة نزل مطرٌ ربيعيّ مبكّر.
حتى الأغصان اليابسة انهمرت عليها القطرات، وعلى جدار المعبد القديم وزجاجه العتيق تجمّعت نقاط المطر.
كانت ليلة يغمرها المطر و السكون … بكلّ معنى الكلمة.
<سَرِقة قلب سيّدي — نهاية القصة الرئيسية>
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفصول الجانبية (8 فصول) هينزلوا على جروب التلي بس حالــيًا. (رابط الجروب بالتعليقات) 🧜♀️🌷
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.