مساحة للحكاية، ووقت لك← الساحر ملتهم الكتب
الفصل 27نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 27

بصفتها عاصمة المملكة، اشتهرت مدينة «مانا-فيل» بنقاط التفتيش الصارمة أثناء انعقاد منافسة السحر. حتى إنه قيل إن أحد المغفلين زُجَّ به في السجن بعدما حاول عبور نقطة التفتيش دون إثبات هوية، وقضى هناك شهرًا كاملًا يمضغ الخبز اليابس قبل أن تتواصل معه عائلته.

لهذا السبب، لم يستطع السياح والمسافرون والمندوبون المصطفون عند البوابة الرئيسية للعاصمة إخفاء توترهم؛ إذ كان يتملكهم الخوف من أن يذهب جهد الأشهر التي قضوها في الاستعداد لهذا الحدث أدراج الرياح. وحتى جوردون لم يستطع إخفاء ابتسامته المتوترة.

غير أن البروفيسور فينس حافظ على هدوئه المعتاد، وخرج من القافلة برفقة ثيو بثقة، ثم قال لقائد القافلة جوردون:

«أيها القائد، سنتقدم نحن أولًا.»

اتسعت عينا جوردون باستغراب.

«هاه؟ ألن تنتظرا معنا هنا؟»

رد فينس وهو يشير إلى الظرف الأنيق في يده:

«لدينا خطاب دعوة.»

لم تكن دعوة منافسة السحر مجرد وثيقة تثبت مكانة حاملها وسمعته فحسب، بل كانت بمثابة هوية رسمية رفيعة؛ إذ تمنح الساحر الذي يحملها حق المرور الفوري عبر نقاط التفتيش في مانا-فيل، وتخفيضات في جميع المتاجر طوال فترة المنافسة، فضلًا عن الأولوية في اختيار محل الإقامة.

نظر جوردون إلى الدعوة بحسد، بيد أنها لم تكن تسمح سوى باصطحاب مساعد واحد، لذا لم يكن بمقدور فينس إدخال الجميع معه. وفي النهاية، آثر جوردون الاكتفاء بترك انطباع طيب لديهما، وقال بأدب:

«لقد سارت أمورنا على خير ما يرام بفضلك يا بروفيسور، وإن احتجت إلى أي شيء فلا تتردد في البحث عني، وسأساعدك بقدر ما أستطيع.»

فأجابه فينس:

«شكرًا لك على كلماتك الطيبة. نلتقي مجددًا إذن.»

انحنى جوردون باحترام، فيما تجاوزه فينس وثيو متقدمين إلى الأمام، تاركين خلفهما صف الانتظار الطويل. وعلى الرغم من انطلاق بعض الصيحات والهمسات من الحشد، لم يجرؤ أحد على الاعتراض؛ فأي شخص يملك ذرة من العقل كان يدرك تمامًا ما يعنيه الرداء الأحمر الذي يرتديه فينس.

«البروفيسور فينس ينتمي إلى البرج الأحمر…»

ابتلع ثيو كلماته، ودون أن يسأل عن الأمر بصوت عالٍ، استحضر في ذهنه معلوماته عن الأبراج السحرية. فهو مجرد طالب في أكاديمية بيرجين، فكيف له أن يجهل الأبراج السحرية الأربعة في العاصمة؟

كانت تلك الأبراج مبنية في الجهات الأربع: الشمال والجنوب والشرق والغرب، وتحيط بمجتمع السحر القابع في المنتصف. وكان يُقال إن الجدران الخارجية لكل برج صُبغت بلون يرمز إلى أحد العناصر الأربعة.

ومن بينها، كان البرج الأحمر مقرًا لسحرة النار، وهو البرج الأكثر ميلًا إلى القتال والأبرز في إعداد السحرة للمعارك الميدانية. حتى إن مجتمع المرتزقة كان يكتظ بالتعليمات الصارمة بعدم مواجهة أي ساحر يرتدي رداءً أحمر.

كان هؤلاء السحرة المقاتلون يشكلون القوة الأساسية لمملكة ميلتور، والحمقى الذين يتجرؤون على الاشتباك معهم لا يستحقون أن تطأ أقدامهم أرض مانا-فيل. وكان الحراس عند نقطة التفتيش على دراية تامة بهذه الحقيقة.

بادره الحارس بالتحية العسكرية فور رؤيته الرداء الأحمر:

«سيدي!»

ووفقًا للقواعد، كان يتوجب على حاملي خطابات الدعوة أن يكونوا من سحرة الدائرة الخامسة على الأقل، مما يمنحهم مكانة توازي رتبة «الفيكونت»؛ لذا كان حراس العاصمة يظهرون لهم أقصى درجات الاحترام.

تقبل فينس التحية بهدوء، وناوله خطاب الدعوة قائلًا:

«أنا البروفيسور فينس هايديل من أكاديمية بيرجين، ساحر كبير من البرج الأحمر. وكانت آخر زيارة لي إلى مانا-فيل قبل سبع سنوات. هل من مشكلة؟»

أكد الحارس هويته باستخدام أداة سحرية تضم جميع البيانات المسجلة عن السحرة في مجتمع السحر، ثم طرح بضعة أسئلة للتأكد من هويته، بناءً على المعلومات التي ظهرت أمامه. وبعد التثبت من كل التفاصيل، أعاد الدعوة إلى فينس وانحنى مجددًا.

«كل شيء مضبوط يا بروفيسور! يمكنكما المرور الآن، وأعتذر عن تعطيلك.»

رد فينس:

«شكرًا لك، ووفقك الله في عملك.»

اجتاز فينس وثيو نقطة التفتيش وعبرا البوابة الرئيسية، متخطيين التفتيش الأمني وتفتيش الأمتعة، ليطآ أرض العاصمة مانا-فيل، معقل السحرة، أسرع من أي شخص آخر.

كانت «مركبة السماء» وسيلة نقل فريدة لا توجد إلا في مانا-فيل. وكلمة «مركبة» لم تكن دقيقة تمامًا، لكن لم يكن هناك مسمى أفضل منها؛ إذ يقوم الساحر الذي يقودها بضخ المانا في أحجار المانا، فترتفع المركبة وتتحرك في الهواء.

لم يكن هذا سحر طيران حقيقيًا، لذا كانت سرعتها بطيئة نسبيًا، إلا أن مشاهدة مانا-فيل من السماء كانت تجربة سياحية مذهلة. حامت المركبة في أجواء المدينة قبل أن تهبط بنعومة أمام المدخل الرئيسي لمجتمع السحر.

أعلن سائق المركبة:

«لقد وصلنا إلى المقر الرئيسي لمجتمع السحر. الأجرة ثلاثون قطعة فضية.»

تذمر فينس وهو يخرج ثلاثين قطعة فضية:

«هذا أغلى بكثير من السابق! يبدو أن التضخم قد طال كل شيء.»

لقد استقلا مركبة فاخرة يقبل عليها النبلاء والتجار الأثرياء، لذا كانت أجرتها أعلى بكثير من أجرة المركبات العادية؛ ولو كان ثيو بمفرده، لاضطر إلى شق طريقه وسط الحشود الغفيرة.

قال فينس وهو يترجل:

«لنسرع الآن.»

أجابه ثيو:

«حسنًا.»

دخل الاثنان من البوابة الرئيسية الضخمة لمجتمع السحر، والمحاطة بعمودين أثريين عظيمين، فتغيرت ملامح ثيو على الفور.

كان أي ساحر قادرًا على الشعور بكثافة المانا في الهواء، لكن بفضل حساسية ثيو العالية وإدراكه الدقيق، كان تمييزه للفارق أوضح بكثير.

فكر ثيو في نفسه وهو يلهث قليلًا:

«الكثافة هنا تفوق الخارج بأربعة أو خمسة أضعاف… بل ربما أكثر من ذلك!»

تطلب الأمر منه جهدًا للتكيف مع تنفس المانا المركزة أثناء اتباعه لفينس. وبين الحين والآخر، كانت عيناه تلتفتان نحو ساحر يرتدي رداءً نادرًا أو يبعث هالة سحرية قوية، لكنه واصل طريقه بتركيز دون أن يضل.

وصل الاثنان إلى مكتب الاستقبال المركزي، المعني بإدارة الشؤون الخارجية والمراجعات الرسمية لمجتمع السحر. تقدم فينس نحو أحد الموظفين الشاغرين، وقدم خطابه قائلًا:

«فينس هايديل، ساحر كبير من البرج الأحمر.»

أجابه الموظف، الذي كان ساحرًا بدوره، وهو يفحص الدعوة باستخدام أداة سحرية:

«لحظة واحدة من فضلك… نعم، تم التحقق بنجاح.»

أعاد الموظف الخطاب، وبدأ يشرح بتلقائية جدول منافسة السحر لهذا العام، وهي معلومات كررها على مسامعه مئات المرات.

وبعد أن أنهى شرحه، أخذ نفسًا قصيرًا وقال:

«… هذا كل شيء. هل لديك أي استفسار آخر؟»

نظم فينس المعلومات في ذهنه، ثم أومأ ونظر إلى ثيو القابع خلفه، موضحًا هدف زيارتهما:

«أريد طلب استمارة تسجيل لتلميذي في مسابقة التلاميذ.»

رد الموظف بتهذيب:

«بالتأكيد، يسعدني مساعدتك.»

أخرج الموظف ورقة من درجِه وسأل:

«الاسم والعمر من فضلك؟»

أجاب ثيو:

«ثيودور ميلر، تسعة عشر عامًا.»

«الجهة التي تنتمي إليها؟»

«طالب في أكاديمية بيرجين.»

استغرق تدوين البيانات الشخصية عشر دقائق، وعندما همَّ الموظف بإيداع الاستمارة في الخزانة، تذكر سؤالًا روتينيًا اعتاد أن تكون إجابته واحدة دائمًا:

«هل تلميذك في الدائرة الرابعة؟»

لم يكن السؤال بحاجة إلى طرحه أصلًا؛ إذ إن المشاركين في مسابقة التلاميذ كانوا يأتون لتمثيل النخبة الأكثر موهبة في أكاديمياتهم، فضلًا عن امتلاكهم الدعم المالي، وكان جميع المشاركين بلا استثناء من سحرة الدائرة الرابعة.

وبينما تتطلب الدائرة الخامسة إدراكًا عميقًا وإنجازات فذة، فإن الدائرة الرابعة يمكن الوصول إليها بتراكم القوة السحرية الكافية لتجاوز الحاجز.

لكن إجابة فينس جاءت لتصدم الموظف تمامًا:

«إنه في الدائرة الثالثة.»

ارتبك الموظف وابتسم بمرارة:

«عفوًا؟… أرجو أن تسأل تلميذك مجددًا؛ فجميع المشاركين في مسابقة التلاميذ هم من سحرة الدائرة الرابعة، ورغم وجود تدابير حماية أساسية، فإن الإصابات تقع سنويًا، وقد يصل الأمر إلى حالات وفاة في بعض الأحيان.»

شعر الموظف بالخوف من تحمل مسؤولية إشراك ساحر من الدائرة الثالثة، وبدأ يشرح خطورة الأمر بجدية؛ فالفارق بين الدوائر ليس أمرًا يستهان به، ويتعذر على ساحر متمرس تجسيره، فكيف بطالب أكاديمي؟

التفت فينس نحو ثيو بنبرة هادئة وسأله:

«سمعت ما قاله. ما رأيك؟»

أجاب ثيو دون ذرة تردد:

«سأشارك.»

لقد هزم قائد غيلان بمفرده في طريقه إلى مانا-فيل، كما امتزجت خبرات وذكريات فينس القتالية ببدنه، مما منح ثقته بنفسه صلابة راسخة. ومهما بلغت قوة خصومه من الطلاب، فلن يتفوقوا بحال على قائد غيلان ضارٍ.

وقف الموظف مترددًا وهو يتنهد، خائفًا من تبعات تسجيل الطالب، وفي تلك اللحظة تعالى صوت من خلفهما:

«ماذا؟ ساحر من الدائرة الثالثة فقط؟ إن كان هذا التلميذ قد ترعرع تحت رعاية البرج الأحمر، فقد يتمكن من تجاوز فارق الدائرة الواحدة، ولا توجد لائحة تمنع مشاركة ساحر لم يصل إلى الدائرة الرابعة بعد.»

التفت فينس إلى الخلف باستنكار، ليرى ساحرًا يرتدي رداءً أزرق يقترب منهما.

كان الرداء الأزرق شعارًا لـ«البرج الأزرق»، البرج الشهير الذي لا يقل شأنًا عن البرج الأحمر.

اقترب الساحر ذو الرداء الأزرق بثقة، وقال بنبرة ودية لا تخلو من التهكم:

«وجه لا أتذكره… يبدو أن هذه هي المشاركة الأولى لتلميذك، أليس كذلك؟»

اقتضب فينس إجابته ببرود:

«هذا صحيح.»

سرعان ما اندلعت حرب صامتة من السيطرة، مما جعل المانا المحيطة بهما تضطرب وتتكاثف؛ فعندما تضطرب مشاعر ساحر من الدائرة الخامسة، تتأثر أجواء المكان وتتقلب المانا من حوله.

ورغم رد فينس البارد، قطّب الساحر ذو الرداء الأزرق حاجبيه وخفض صوته قائلًا:

«جئت لأقدم لك نصيحة، لكن ردك جاف للغاية… ألا تعلم أن القواعد قد تغيرت منذ العام الماضي؟»

ارتفعت نبرة فينس قليلًا إثر هذه المفاجأة:

«تغيرت القواعد منذ العام الماضي؟»

ابتسم الساحر ذو الرداء الأزرق بمكر وأومأ برأسه:

«ربما يسعني مد يد العون لك…»

بيد أن ملامحه ونبرته كانتا تبتعدان كل البعد عن إظهار أي نوايا طيبة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.