الفصل 149
الحلقة 149
“غداً صباحاً سنستقل السفينة المتجهة إلى تالوشيوم. استعدوا.”
بأمر تيسيتان، اتسعت أعين جميع أعضاء فيلق <تريفاغا>.
لكن تيسيتان كان قد بدأ بالفعل في جمع سيفه الذي كان يسنده على جدار الضريح.
تبعه أليريك على عجل:
“أيها القائد، لا تقل لي أنك تنوي اقتحام مقر النقابة. أرجوك، أخبرني أن الأمر ليس كذلك.”
التفت تيسيتان نحو أليريك وضحك ضحكة تقشعر لها الأبدان:
“هذه الفكرة ليست سيئة أيضاً، لكن سنتركها لاحقاً. على أي حال، لم يُكشف بعد عن موقع مقر النقابة.”
“لا، إذن لماذا غداً تحديداً…؟”
“سأقابل ملك الأرواح.”
“ماذااا؟!”
صاحت ليبيا التي كانت تتبعهما من الجانب الآخر بعينين جاحظتين:
“سنقابل ملك الأرواح؟ نحن؟!”
بدلاً من الإجابة، أسرع تيسيتان خطاه:
“كفاكم ضجيجاً واستعدوا. سنخوض معه ”مبارزة القدر .”
عند ذكر كلمة “مبارزة القدر”، توقفت ليبيا في مكانها تماماً، بينما تيبس أليريك وهو فاغر فاه من الصدمة.
. . . * * * . . .
داخل الضريح.
حيث لم يتبقَّ سوى كبار مسؤولي <تريفاغا>.
فتح فيكتور فمه متسائلاً:
“مبارزة القدر التي ذكرها القائد.. هل يقصد حقاً خوضها ضد أغابيرت؟”
رفعت ليبيا رأسها بانزعاج:
“أين تركت عقلك؟ وهل سيتحدى وحشاً لمبارزة القدر؟”
“مبارزة القدر” .
كانت كلمة قديمة جداً لم يعد أحد يستخدمها في الوقت الحاضر. ربما لا يستخدمها سوى قلة من أبناء النبلاء رفيعي المستوى الذين نشأوا وهم يدرسون التاريخ.
كانت “مبارزة القدر” مبارزة يقوم بها الفرسان قديماً مراهنين بشرفهم؛ إذ يقسم الطرفان قسماً ما أمام اسم الإمبراطور قبل البدء، ويجب تنفيذ هذا القسم حتماً بعد انتهاء النزال.
نظر فيكتور إلى ليبيا بعدم رضا:
“مبارزة القدر شأن يخص الفرسان. سألتُ فقط لأنني لم أرَ مرتزقة يفعلون ذلك من قبل.”
رفعت ليبيا إصبعها الأوسط وهي تمتم بشيء يوحي بالاستهزاء.
في هذه الأثناء، تمتم أليريك الذي غرق في تفكير عميق:
“لن تنجح. إلا إذا تحولت إلى عراك شوارع عشوائي.”
تقليدياً، لا تتم “مبارزة القدر” إلا بموافقة الطرفين، نظراً للمخاطر العالية المترتبة على القسم. فإذا لم يلتزم الخاسر بقسمه، يُحكم عليه بالإعدام بموجب قانون الإمبراطورية، وهو قانون لا يزال موجوداً حتى الآن رغم اندثار المبارزة نفسها.
“ليس هناك سبب يدفع ملك الأرواح لقبول المبارزة. هو لا ينقصه شيء الآن.”
أومأ فيكتور وليبيا بالموافقة. كان هؤلاء الثلاثة مع أليريك هم الأعضاء الأوائل في فيلق تيسيتان، مما يعني أنهم راقبوه عن كثب لفترة طويلة جداً.
تنهد فيكتور:
“هل يشعر القائد حقاً بالخطر هذه المرة؟”
طوال الفترة الماضية، كان <تريفاغا> هو الفيلق الأقوى بلا منازع، صامداً أمام تجاهل الإمبراطورية ومضايقات الكنيسة. الحفاظ على المركز الأول دون مهمة وطنية واحدة كان إنجازاً يفخر به الجميع في الفيلق.
ولكن…
‘يبدو أننا لن نكلفكم بمهام الحرب الأهلية لفترة.’
‘بخصوص مهام الحراسة داخل تالوشيوم، نود تعليق العقد مؤقتاً.’
‘آه، لا داعي لقدومكم! لقد وجدنا جهة أخرى للقيام بالمهمة.’
في الآونة الأخيرة، بدأ <تريفاغا> يفقد عدداً كبيراً من العملاء بشكل مريب. كانت هذه ضربة قاضية لفيلق يعتمد بشكل كبير على المهام الخاصة والخاصة جداً. وسرعان ما أدركوا الأبواب التي بدأ عملاؤهم القدامى يطرقونها.
‘لقد سمعت أنهم طلبوا من أغابيرت القيام بالمهمة لكن تم رفضهم.’
‘… هل هذا حقيقي؟’
‘أجل! لذا فإن الرائد بيلادين من الدوقية غاضب جداً، يقول إنهم مجرد حثالة مرتزقة يتصرفون بكبرياء. ومع ذلك، لا تزال الطلبات تنهال عليهم، والجميع يحاول تجربة حظه معهم.’
في القارة التي تقع فيها تالوشيوم وفي القارة الشمالية أيضاً، في كل الجزر والصحاري والبلدان، كانت أنظار الناس موجهة نحو أغابيرت. سحر السمة المظلمة غير المسبوق، وملك الأرواح الذي يتحكم به وكأنه ليس بشراً، وفيلقه القوي.. كل ما يتعلق بهم أثار فضول الجميع.
“لكن عراك الشوارع سيكون..”
بعثرت ليبيا شعرها بيديها. لقد خاض <تريفاغا> صراعات لا تُعد ولا تُحصى مع فيالق أخرى، لكن ما ينوي تيسيتان فعله هذه المرة يبدو وكأنه “معركة شاملة حقيقية” وبنية مبيتة.
“أنا لا أمانع التراجع عن المركز الأول. على أي حال، لا يوجد أحد في القارة الآن لا يعرف اسمنا.”
“من قال إننا نجهل ذلك يا فيكتور؟”
قاطع أليريك كلمات فيكتور وتابع:
“نحن لا نبالغ، سواء تراجع تريفاغا عن الصدارة أم لا. المشكلة هي القائد.”
لم يكن أي منهم يعرف ماضي تيسيتان، لأنه لم يتحدث قط عن ماضيه أو عائلته أو خلفيته. لكن أليريك وفيكتور وليبيا كانوا يخمنون وجود قصة مظلمة وراءه.
“بالنسبة للقائد، <تريفاغا> هو حياته بأكملها.”
تيسيتان كان شخصاً يجد معنى حياته فقط في الفيلق.
‘سيبقى تريفاغا في القمة دائماً. سأجعل الأمر كذلك.’
كما كان تيسيتان يميل بقوة نحو تدمير الذات؛ إذ كان يلقي بنفسه بانتظام في بيئات خطرة، وفي تلك اللحظات فقط كانت عيناه تلمعان وكأنه حي حقاً. لم يكن يقبل أبداً أن تنقص كمية غزو أحجار المانا ولو بقليل، وإذا اقترب فيلق المركز الثاني أو الثالث منه، كان يتصرف كالمجنون حتى يوسع الفارق مجدداً.
“علينا أن نحسن التصرف،” قال فيكتور.
“لقد توقعنا أنه سيظهر يوماً ما شخص يتفوق على القائد. القائد ليس كائن مطلق.”
كما قال فيكتور، كان المسؤولون يتوقعون ظهور شخص يهدد تيسيتان “فعلياً”. وعندما يأتي ذلك الوقت، كانت مهمتهم الوحيدة هي مساندة تيسيتان ليتخلى عن هوسه بالمركز الأول بسلام، ومن ثم حمايته وحماية الفيلق بأكمله.
لوحت ليبيا بيدها وكأنها تحاول تلطيف الجو:
“حسناً، لنفكر في ذلك لاحقاً. على أي حال، ‘مبارزة القدر’ لن تحدث.”
“… كيف تجزمين بذلك؟”
ضحكت ليبيا:
“وهل ملك الأرواح مجنون؟ ليقبل خوض مبارزة لا فائدة منها مع قائدنا.”
. . . * * * . . .
بعد يومين.
في المساء الذي وصل فيه <تريفاغا> إلى الميناء الشمالي، وصلت رسالة إلى مقر أغابيرت.
“واااا، إنها جميلة جداً!”
برقت عينا تييه وهي تفتح المظروف ذو الختم الأزرق الفاخر والخيط السماوي. وبدأت تقرأ الكلمات المكتوبة ببطء:
“جمعية.. سـ.. صقيع؟ جمعية الصقيع؟”
هرع باستو من المطبخ:
“تييه، ماذا قلتِ؟ من أين أتت الرسالة؟”
قدمت تييه الرسالة لباستو الذي بدا عليه القلق.
ابتلع باستو ريقه وهو يقرأها:
“… إنها مهمة وطنية.”
“ماذا؟!”
هذه المرة، قفز بيل الذي كان في الطابق الثاني الدرج دفعة واحدة. أما نورديكس الذي كان يعتني بالحديقة الخلفية ودخل المنزل للتو، فقد توقف عند عتبة الباب.
“لقد جاءت مهمة وطنية لأغابيرت.”
انتشرت ابتسامة على وجه باستو. المهمة الوطنية؛ الفرصة الكبرى والمهمة التي يحلم بها أي فيلق مرتزقة.
“إنها عملية غزو تتطلب التعاون مع فرسان المعبد. أرى هنا أن فرسان عائلة لومينين سيشاركون أيضاً.”
صمت باستو قليلاً، ووقعت عيناه على الخط العريض المكتوب في أسفل الورقة:
[… هذا الاستدعاء جزء مهم من إجراءات تنفيذ المهمة الوطنية، سنكون ممتنين لو أكدتم حضوركم مسبقاً. موعد الاستدعاء المؤقت هو مساء الغد، أسفل برج الساعة عند البوابة الرئيسية للقصر الإمبراطوري.]
“برج الساعة!”
أشرق وجه تييه. برج الساعة عند بوابة القصر كان معلماً تراه في كل مرة تذهب فيها لمكتب المكافآت. كان البرج الموجود في منتصف الساحة المركزية ضخماً جداً، لدرجة أن قمة البرج كانت تُرى حتى من منزل تييه في شارع روزويل.
“يا للروعة! تييه أصبحت الآن ‘عالمية’ !”
علاوة على ذلك، تعاون مع عائلة لومينين! هذا يعني أنها لن تضطر للتظاهر بعدم معرفتهم عندما تلتقي بهم في الخارج مستقبلاً!
كانت تييه متحمسة جداً لدرجة أنها هرعت لغرفتها، وظلت تختار ملابس الغد لفترة طويلة قبل أن تغط في نوم عميق.
لكن بسبب ذلك، لم تسمع صوت “كامانغ” وهو يطرق نافذتها في وقت متأخر من الليل، وبالتأكيد لم ترَ الأضواء وهي تُضاء في المنزل المجاور خلف النافذة.
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.