الفصل 96
تلقائيًا انعقدت ملامحي. وأول ما شعرتُ به كانت الرائحة النفاذة المميزة للسجائر التي لامست طرف أنفي.
وبالنظر إلى امتزاج الرائحة الخانقة بالهواء البارد، بدا أنه سارع إلى تهوية المكان.
وبينما كانت كل حواسي مركزة على حاسة الشم للحظات، أدركتُ متأخرةً أن ظلًا هائلًا قد أُلقي أمامي، فانتفضتُ من شدة المفاجأة.
“….غادروا جميعًا المكان لبعض الوقت.”
كان الرجل الذي ظللتُ أراه في أحلامي، والذي كنتُ أسمع أخباره طوال الفترة الماضية من أفواه الآخرين، يقف أمام أنفي مباشرةً، شامخًا كجذع شجرةٍ يابس ذابل.
كيف يمكن لكَ أن تذبل هكذا….
“اشتقتُ إليكَ.”
فاجأتني الكلمات التي اندفعت من فمي من تلقاء نفسها، فأغلقتُ فمي بإحكامٍ من شدة دهشتي من نفسي.
لكن شين….
“لماذا اشتقتِ إليّ؟”
كان صوته جافًا إلى أبعد حد.
كان بارد اللامبالاة، كما لو أنه أحرق تمامًا ذلك المظهر الذي كان في الماضي يتشبث بي بيأسٍ ويتوسل إليّ.
ابتسم ابتسامةً خاوية بلا صوت، ثم استدار بعيدًا عني فجأة.
و ظللتُ أحدق في وجه شين الذي غطته الظلال في ذهول، وما إن اختفى عبر فتحة الباب المفتوح حتى انتبهتُ إلى نفسي فجأةً وأخذتُ أتلفت حولي.
كان جميع الخدم قد انسحبوا، حتى أنهم لم يجرؤوا على إصدار صوت أنفاسهم.
كان أفراد عائلة أوريلرنو يرمقونني بنظراتٍ خفية، وكأنهم ينقلون إليّ أمنيتهم الملحّة: أرجوكِ، أنقذي سيدنا المسكين، سيدنا الوحيد، واجعليه يأكل ولو وجبةً واحدة.
فأشرتُ إلى تاشا بعينيّ أن تنتظر قليلًا، ثم أسرعتُ إلى داخل المكتب وأغلقتُ الباب.
و تنفستُ قليلًا لأستعيد هدوئي وأرتب أفكاري.
“لماذا أوقفتَ الكتابة؟”
سألتُ شين بهدوء، وكان واقفًا قرب النافذة، فلم أرى سوى ظهره.
كان لدي الكثير جدًا مما أريد سؤاله. لكن إجابة هذا السؤال كانت أهم شيء.
ولا بد أن شين يعرف جيدًا سبب طرحي لهذا السؤال.
بالطبع يعرف. فكيف يمكن للكاتب إيفير، الذي أحبه ولا أستطيع التخلي عنه، ألا يعرف مشاعر قارئته المتحمسة؟
كان المكتب باردًا إلى حد جعل الصمت فيه خانقًا، حتى أن شبحًا لن يجرؤ على فتح فمه في هذه اللحظة.
كنتُ أتمنى أن يتحلى شين بالشجاعة. وفي الوقت نفسه، أخذتُ أتوسل إلى كائنٍ غير موجودٍ حتى، ولم أقابله في أحلامي قط.
‘أرجوكَ، أيها الكائن المتعالي، أرجوكَ.’
سأرث لقب الدوق المزعج ذاك مهما كلف الأمر، وسأحافظ عليه بطريقةٍ أو بأخرى. لذلك أرجوكَ، دع حبي ينجح في هذه الحياة.
أنتَ من جعلتني أُسكن في هذا الجسد أصلًا. ألا يمكنكَ أن تمنحني هذا القدر على الأقل؟!
أنتَ كائنٌ متعالٍ، أليس كذلك؟! ألا تستطيع حتى فعل هذا؟!
وبينما كنتُ أتوسل بجنونٍ إلى ذلك الكائن المجهول، وقد بلغ القلق في قلبي حدًا جعلني أكاد أجن، وألح عليه كما لو كنتُ أوبخه….فتح شين فمه أخيرًا.
“….منذ ذلك اليوم، كنتُ أكتب من أجلكِ.”
وبدأ صوته الخالي من المشاعر يرتجف بعنف، وكأنه لم يكن قبل لحظاتٍ على حاله تلك.
“فعلتُ الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله لأطلب منكِ المغفرة يا ريتا. لأنكِ لرفضتِني إن جئتُ إليكِ فجأة.”
لم أستطع حتى التنفس، وركزتُ بكل حواسي على كل كلمة ينطق بها شين، وعلى كل حركة تصدر عنه.
“لكن تعبير وجهكِ بعدما اكتشفتِ الحقيقة، حقيقة أنني شيل إيفير، ظل يراودني باستمرار. و ظللتُ أفكر….ربما حتى الكتابة من أجلكِ أصبحت مقززةً لكِ، وربما لا تريدين حتى النظر إليها. ربما لا تعجبكِ. وخوفًا من ذلك، لم أعد أستطيع الكتابة.”
لو كان توقف شين عن الكتابة وسيلةً لابتزازي، فقد كنتُ مصممةً على ألا أسامحه حتى لو دُفن رأسي في التراب.
و كنت سأدفن مشاعر الحب تلك من جديد.
“لم أعد أعرف كيف أكتب الآن كي يرضيكِ ما أكتبه. بل حتى أنني لم أعد أعرف سبب كتابتي أصلًا!”
لكن في اللحظة التي رأيتُ فيها شين يعترف بالحقيقة والدموع تنهمر من عينيه، أخطأتُ في خطوتي تمامًا، وسقطتُ أعمق فأعمق في حبه.
“لقد خيبتُ أمل أختي وأملكِ معًا الآن.”
انهار شين على الأريكة وكأنه فقد كل قوته، وجلس عليها مترنحًا.
و ارتسمت عند زاوية فمه للحظةٍ ابتسامةٌ تشبه ضحكةً مريرة. فبدا شين في تلك الهيئة أكثر هشاشةً وخطرًا من أي وقتٍ مضى.
“وفوق ذلك، أنتِ بالفعل تلتقين برجلٍ آخر.”
….ماذا؟
“لا أستطيع أن ألتقي بكِ بلا خجل، ولا يمكنكِ أنتِ أن تأتي لرؤيتي.”
مهـ، لحظة واحدة.
ألم تمر للتو جملةٌ سخيفة تمامًا وكأنها أمرٌ طبيعي؟!
انحنى شين إلى الأمام، وأسند مرفقيه على ركبتيه، ثم أخفى وجهه بكلتا يديه.
ومن بين أصابعه تسرب صوته المرتجف وهو يبدأ في التوسل إليّ.
“أنا أبذل قصارى جهدي لأنساكِ يا ريتا، لذا لا تأتي للبحث عني بعد الآن.”
“آه، لا. ليس هذا.”
“أنا آسف. لا أستطيع الكتابة على الإطلاق. والآن أنا من يحتاج إلى بعض الوقت لأتحمل ألم فقدان الحب.”
ليس هذا!
“أرجوكِ….لا أملك الشجاعة لرؤيتكِ. بدلًا من أن أريكِ هذا الجانب الجبان والبائس مني أكثر من ذلك، أفضّل أن أموت.”
لم أعد أستطيع التحمل، فصرختُ بغضب،
“من يلتقي بمن أصلًا؟!”
أمسكتُ بذراع شين وجذبته نحوي، وأجبرته على النظر إليّ مباشرةً.
و كان من الغريب أن ينقاد جسده لي بهذه السهولة ومن دون أي مقاومة.
“انظر إليّ، شين. هل شربتَ؟ ما الذي تتحدث عنه الآن؟”
ارتجفت عينا شين الغائرتان بشدةٍ تحت وطأة استجوابي الحاد.
وفي الوقت نفسه، بدأت التحفة المقدسة التي كنتُ أرتديها تتوهج بضوءٍ خافت.
تفاجأتُ من الخاتم المقدس الذي أظهر وجوده فجأة، فسحبتُ يدي عن ذراع شين. وعندها عاد الأثر المقدس إلى السكون من جديد.
وحين أمسكتُ بكتف شين بخفةٍ مرة أخرى، بدأ يضيء بشكلٍ أكثر سطوعًا.
ما هذا بحق؟ ما الذي كنتَ تفعله طوال هذا الوقت؟
“هناك رجلٌ ألتقي به؟ ما هذا الهراء المجنون؟ ومن سمعتَ عنه بالضبط؟”
لم يستطع الرجل الذي كان يعيش أيامًا مضطربةً وغير مستقرة أن يخفي توتره، فظل يقبض يديه ويفتحهما، وكأنه عاجزٌ عن إبقائهما ساكنتين.
لكن الكلمات التي اندفعت من بين شفتي شين الجافتين جعلت مؤخرة رأسي تكاد تنفجر من شدة الصداع.
“منذ فترة. رأيتكِ مع شخصٍ غريب.”
بحسب كلام شين، فقد رآني “بمحض الصدفة”.
فبينما كان متوجهًا إلى دار نشر إيموس، صادفني مصادفةً في أحد شوارع محال المجوهرات برفقة رجلٍ غريب.
وبسبب فضوله المجنون تجاه ذلك الرجل الذي بدا شديد القرب مني على نحوٍ لافت، أجرى شين تحرياته عنه، وتمكن بسهولةٍ من معرفة كل شيءٍ تقريبًا عن شارل هاورد.
لكن….
“وفوق ذلك، كان الرجل يشبه إلى حدٍ كبير ذلك النوع الذي قلتِ أنكِ تفضلينه، الرجل الصلب بقلبه الثابت كجذع شجرةٍ عتيقة….ناهيكِ عن مدى روعة سمعته بين الناس.”
لم يكن أمامي سوى أن أحدق وفمي مفتوحٍ في شين، الذي كاد يفقد عقله من شدة الغيرة وهو يواصل كلامه.
وعندما بدأ يتحدث عن آراء المحيطين به، وأنه رجلٌ محبٌ للوجاهة والمكانة، ولذلك ربما أُرسل إلى العاصمة من عائلة الدوق لوار تمهيدًا لترتيب زواجه، شعرتُ أنني سأجن، فرفعت يدي وأوقفته عن الكلام.
“وهذا شيءً لا تعرفه أنتَ أيضًا، أليس كذلك؟ السيد شارل هاورد على وشك أن يُعلن خطبته للمرأة التي وقع في حبها من النظرة الأولى.”
يبدو أنه لم يكن يعرف فعلًا. فالجانب الملكي ما زال يخفي هذا الأمر.
ثم بدأ وجه شين يتجمد بشكلٍ واضح.
“كان السيد هاورد قد طلب نصيحتي لأنه أراد أن يقدم هديةً للمرأة التي ستصبح خطيبته!”
وبصفتي قارئةً تناولت للتو قدرًا هائلًا من البطاطا الحلوة من شدة الاختناق من سوء الفهم، صرختُ وأنا أشعر بضيقٍ شديد في صدري،
“أتظن أن الدوق أرسل الابن الثاني لعائلة هاورد إلى المنزل المنفصل في سالتمور من دون أي سبب؟ أنا أتلقى من السيد هاورد دروسًا صغيرةً في إعداد الوريث!”
“…….”
“لم يمضِ سوى شهرٍ واحد منذ أن قابلتُ جلالة الملك وأخبرته أنني سأؤجل موعد زواجي، وأنني سأرفض جميع عروض الزواج! أتظن أنني قد أرتكب حماقةً تصل إلى حد خداع جلالة الملك؟!”
اكتملت جميع قطع الأحجية في لحظة.
هذا الرجل أساء الفهم وحده، وراح يضرب الطبول ويقرع الصنوج وحده، ثم غار وحسد شارل هاورد البريء، و ودعني في خياله آلاف المرات.
“سأُصاب بالجنون. يبدو أنكَ حتى بعد أن غادرتُ، أبقيتَ شخصًا يراقبني، أليس كذلك؟”
شرحتُ له الأمر بلطف، بينما أخذ وجه شين الشاحب أصلًا يزداد زرقةً أمام عيني.
“ومع ذلك، تشوش حكمكَ على الأمور، فأسأتَ الفهم وحدكَ.”
“ريتا. أنا.…!”
آه. بدت لي نفسي التي كانت قبل لحظاتٍ تتوسل بكل جدية إلى كائنٍ متعالٍ قد لا يكون موجودًا أصلًا، سخيفةً للغاية.
وشعرت بقلبي يبرد فجأةً على نحوٍ غريب، فقاطعته قبل أن يبدأ في تقديم أعذاره.
“في الروايات الرومانسية، عندما تبدأ القصة بسوء فهم أو وهم متبادل بين الطرفين، يسمون هذا النوع من القصص بـ”قصص سوء الفهم”. بما أنكَ عشتَ تجربةً كهذه الآن، فبإمكانكَ أن تكتب عنها بروحكَ كاملة.”
أشعر بالتعب فجأةً.
لكن هذا وحده لا يفسر طاقة السحر الأسود التي أشعر بها صادرةً عن شين.
“إذا كنتَ قد فعلتَ أي شيءٍ غريب آخر، فاعترف به الآن.”
“عبثتُ بالسجائر التي طلبتِ مني أن أتوقف عن تدخينها.”
“ليس هذا ما قصدته!”
ظلّ شين صامتًا للحظات، ثم أتى على ذكر اسمٍ لم أتوقعه.
“….هل وصلتكِ رسالةٌ من الآنسة الشابة فيفيان فورتي؟”
____________________
يا مجنونه فيفيان الا شين اصبري توني مستانسة ان ريتا مزينة سوء الفهم بنفسها لااااااااااااااااااااااع
اما شين كذا على طول خلاها تراسله؟ لايكون لعبت عليه؟ بس وش سحرته فيه😭؟ جنون ذا المؤلفة تكره الهدوء
المهم ريتا اخيراً قطعها الحوب لدرجة مستعدة تصير وريثة عشان شين🥰
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.