الفصل 92
92
“إلى أين ستذهب ثيل؟!”
“…إلى أرضِ اللافجر…”
“أين؟!”
وسّعت أوليفيا عينيها الكبيرتين بدهشة. نظر إليها ألفيوس بابتسامة هادئة ثم أجاب:
“اهدئي! تكلمي بهدوء قليلاً… سيصمّ أذني بهذا الصوت العالي!”
“هل فقدتم صوابكم؟! كيف ترسلونها فجأةً إلى ذلك المكان؟!”
ضربت أوليفيا الطاولة بقوة! ونهضت. هزّ ألفيوس رأسه مرارًا وتكرارًا أمام طبع حفيدته العنيف، وقال
“لم أرسلها أنا، هي التي أرادت الذهاب…”
“آه، حقًا؟”
تحولت أوليفيا فجأةً إلى حمل وديع بمجرد سماعها أن ثيل هي من أرادت ذلك، وجلست ترمش بعينيها براءة.
“إذا كانت طفلتنا الصغيرة تريد ذلك، فليس هناك مفر!”
“فقط شرط واحد…”
تمتم ألفيوس بصوت متعب.
لكن أوليفيا استمرت بلا اكتراث:
“إذن، هذان الوغدان، بيردي ولوديان، أخفيا الأمر عني! لكي يذهبا ويتركوني!”
“إنهما أبناء عمكِ.”
“مستحيل! متى المغادرة؟ بالطبع يجب أن أرافقهم كوارثة عائلة فولفغانغ!”
“افعلِي ما تشائين.”
كان الحديث معها مثل القراءة لأذني ذئبٍ أصم. فهي لا تستمع إلى ما أقوله على الإطلاق، لماذا يُتعب نفسه بالمزيد من الشرح؟
نظر ألفيوس إلى حفيدته الصغيرة بتعبير مستسلم.
صحيح أنها تبدو ناضجة بجانب ثيل…
‘همم؟ هل حقًا تبدو ناضجة؟’
بصراحة حتى بوجودها بجانبها لا تبدو… لكن على أي حال!
رغم أنها تبدو أكبر سنًا نسبيًا بجانب ثيل، تظل أوليفيا طفلةً في الحادية عشرة.
بالطبع سيسمح لها بالذهاب.
فهم بحاجة لمن يحمي ثيل. والفرسان وحدهم لا يكفون.
رغم صغر سن بيردي ولوديان وأوليفيا، لا يوجد من يُضاهيهم في القدرات باستثناء زعماء العائلات.
‘لكن إرسال الثلاثة جميعًا أمرًا يقلقني…’
هؤلاء الأطفال هم ورثة العائلات والفرع المباشر الذي سيقود العائلة في المستقبل.
في الظروف العادية، لكانوا قد تربوا كالورود في أحضان عائلاتهم حتى يكبروا. لم يكن ليُسمح لهم بالذهاب إلى مكان خطير…
ولي العهد، ورثة أستريان، ووريثة فولفغانغ…
لا يمكنه التخلص من الشعور بأن أطفالًا يحملون أسماءً عظيمة قد تحركوا فجأة…
“جدّي! متى نغادر؟”
“جدكِ يفكر الآن!”
انفجر ألفيوس أخيرًا بسبب إلحاحها. لكن بدل أن تخاف، أضحت عيناها أكثر حدة:
“بماذا تفكر؟ بالتأكيد أفكار غريبة كالعادة! مثل هل من الحكمة إرسال الأطفال وحدهم؟”
“……”
“ليس لديك خيار آخر! بما أنك قررت إرسالهم، فقل ببساطة: حظًا موفقًا!”
“…أنتِ محقة.”
لو كان سيشكك، كان عليه فعل ذلك قبل إخبار أوليفيا.
أومأ ألفيوس موافقًا:
“سنعود أولًا إلى أراضي أستريان للاستعداد. لا يمكننا المغادرة فورًا.”
“لماذا؟ لم لا نذهب الآن؟”
“أتظنين الأمر بهذه البساطة؟”
“وما المانع؟ يا إلهي!”
كتم ألفيوس رغبته في الصراخ عليها، وتمتم بيدٍ على جبينه:
“…انتهى حديثنا، اذهبي والعبِي الآن…”
“حسنًا! لكن جدي، هل يمكنني البقاء في أستريان حتى المغادرة؟”
“هل أخبرتِ والدتك؟”
“آه، متى كنتُ أفعل ذلك؟”
أظهرت أوليفيا لسانها ببراءة وخرجت تركض من الغرفة.
ضحك ألفيوس وحيدًا وهو يشاهدها تبتعد
‘يبدو أن عليّ إخبار إتيان أيضًا…’
لا أعلم كم ستثور غاضبة.
ربما من الأفضل أن أطلب من كاسوس أن يبلغها بالأمر…
ازدادت هموم ألفيوس عمقًا.
***
“حقًا ستذهبين معنا؟”
سأل لوديان بعينين تقولان “قولي أنها كذبة”. تجاهلها بيردي بامتعاض.
“بالطبع! من سيرافق ثيل إن لم أكن أنا؟ ماذا لو تعرضت للأذى وأنتم وحدكم؟”
“ثيل أكثر أمانًا بدونكِ.”
لكن أوليفيا لم تكن تبدو وكأنها تسمع شيئًا
“ثيل، أنتِ من أرادت الذهاب، أليس كذلك؟”
“نعم… قلتُ إنه شيء يجب عليّ فعله…”
أجابت ثيل بحذر.
“في الأساس، ما حدث كان لأن جدي حاول حمايتي.. إذا كان هناك شيء يمكنني فعله، فبالطبع يجب أن أفعله!”
“أحسنتِ! هذه العزيمة رائعة، حقًا أنتِ أختي!”
“ومن قال إنكِ أختها؟”
“لكن ثيل، تذكري جيدًا.”
تجاهلت أوليفيا كلام روديان ببراعة، وابتسمت بلطف بينما أمسكت بيد ثيل بحنان، ومررت أصابعها برقة على ظهر يدها الناعمة.
نظرت إليها بعينين ورديتين مفعمتين بالحب. رفعت ثيل رأسها لمواجهة نظرة أوليفيا.
“حتى لو فشلتِ، لا تسمحي للإحباط بأن يتملككِ، فهمتِ؟ مهما بلغتِ قوة قدراتكِ الضوئية، فأنتِ ما زلتِ في السابعة.. هناك أشياء كثيرة في هذا العالم لا يمكنكِ تحقيقها بعد..”
تابعت أوليفيا حديثها بهدوء:
“الآخرون يضعون توقعات كبيرة عليكِ. لكنكِ لستِ ملزمةً بتلبية كل تلك التوقعات. بالطبع سيكون رائعًا لو نجحتِ، لكن حتى لو لم تنجحي..”
“تقصدين ألا أشعر بالإحباط؟”
“بالضبط!”
ابتسمت ثيل ابتسامة عريضة أمام كلمات أوليفيا الدافئة المشجعة.
“حسنًا! حتى لو لم أنجح، لن أشعر بالإحباط!”
“أحسنتِ! وإذا تجرأ أحدهم وأنتقدكِ، سأقذف به إلى أقاصي الأرض!”
هذه المرة، لم يقاطعها بيردي ولا لوديان، بينما كانت ثيل وأوليفيا تتبادلان الحديث بحماس.
بغض النظر عن رأي الآخرين في أوليفيا، إلا أنها كانت أختًا رائعة لثيل.
ثيل الآن كانت بحاجة ماسة لشخص يقول لها مثل هذه الكلمات.
“وإذا لم يكفيه القذف إلى أقاصي الأرض، سأدفنه رأسًا على عقب في.. أووف!”
“كفى! هذا يكفي!”
“لا تعرفين الحدود!”
قام بيردي ولوديان بإغلاق فم أوليفيا في نفس اللحظة. ضحكت أوليفيا من خلف أيديهما، ثم فجأةً.. قضمت يد لوديان!
“آآه!”
“ثيل، تعالي هنا!”
انطلقت أوليفيا بعد أن تحررت، وفتحت ذراعيها. هرعت ثيل دون تردد إلى أحضانها.
“أنا فخورة جدًا بكِ.”
“أختي..”
“لماذا يضع الجميع كل هذه التوقعات عليكِ؟ طفلتنا بالكاد تبلغ السابعة! وقدراتها لم تتكشف إلا منذ أقل من عام. حتى سيندر نستيان، لم يكن ليستطيع بناء قلعة ثلجية في سن الثانية لو طُلب منه ذلك.!”
تمتمت أوليفيا وهي تربت على رأس ثيل المستدير. أغمضت ثيل عينيها وفتحتهما وهي غارقة في حضن أوليفيا.
“في المرة القادمة التي أراه فيها، سأسأله إذا كان يستطيع بناء قلعة ثلجية في الثانية من عمره! ما الفرق بين ما طلبه منكِ وذاك؟”
تمتمت أوليفيا مستاءة. بينما كانت ثيل تبتسم برقة أثناء الاستماع إليها.
‘أختي تعتقد أنني لن أستطيع، لهذا تقول هذا الكلام..’
في الحقيقة، كلام أوليفيا كان صحيحًا. ثيل كانت مجرد طفلة في السابعة، وقدراتها لم تظهر إلا منذ أقل من عام.
حتى لو كانت الأسطورة قابلة للتحقيق، فذلك سيكون بعد أن تكبر ثيل أكثر.
لكن..
‘لماذا أشعر.. أنني أستطيع تحقيق ذلك؟’
هل هي ثقة بدون أساس؟ لأنني محاطة بحب عائلة أستريان، وهم يرفعون معنوياتي دائمًا؟
أغلقت ثيل عينيها برهة ثم فتحتهما.
‘لا..’
ليس هذا..
إنه مجرد.. إدراك داخلي. أعرف أنني أستطيع تحقيق ذلك.
مثلما كنت أعرف تمامًا أن بيردي لن يؤذيني عندما كان خارجًا عن السيطرة، ومثلما كنت متأكدة أن إياندروس لن يضرني عندما ركضت نحوه.
لأنني لا أشعر بالقلق أو الخوف، استطعت الوقوف بثقة أمام الإمبراطور.
إذا كان هناك شيء يجب عليّ فعله..
فأنا سأفعله بالتأكيد.
إنه شعور يصعب وصفه.. كأن صوتًا حنونًا جدًا يهمس في أذني منذ وقت طويل..
‘لا يوجد أحد غيري يستطيع تحقيق هذا..’
همست ثيل بهدوء.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن شخصًا ما في مكان بعيد جدًا، أكثر الناس حنانًا ودفئًا، يراقبها ويبتسم.
ترجمه :يوميكو
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.