الفصل 127
“لقد وعدتني بذلك!”
عند كلمات ثيل، أومأ إيان برأسه. عندها تركته ثيل يرحل مطمئنة.
عاد إيان مع فرسانه الذين اصطحبهم إلى القصر الإمبراطوري. وما إن غادر إياندروس حتى دخل طبيب الأستريان الخاص إلى الغرفة التي كان الأطفال مجتمعين فيها.
“السيد بيردي، والسيد لوديان، والسيدة أوليفيا، والسيدة ثيل. أهنئكم جميعًا على عودتكم سالمين.”
انحنى طبيب الأستريان احترامًا. فأشار له ألفيوس بيده وكأنه يقول: لا داعي للكلام، ابدأ فورًا. فتبدت علامات الاستفهام على وجوه الأطفال.
“فجأة هكذا؟”
“نحن لم نصب بأذى، فلماذا ينادون الطبيب؟”
“جدي، ألا ترى أننا بخير تمامًا؟”
“آه! تشرفنا بلقائك!”
كانت ثيل وحدها من بادرت بتحية الطبيب الذي دخل فجأة. تجاهل الطبيب تذمر الأطفال وبدأ بفحص حالة لوديان الذي كان أقربهم إليه.
“لكننا أخبرناك أننا لم نتعرض لأي إصابة!”
“وأنا أعلم ذلك. لكنكم عدتم من سفر طويل، ومن الضروري الاطمئنان على حالتكم.”
وما إن أنهى ألفيوس كلامه حتى فُتح الباب فجأة ودخلت الخادمات وهن يحملن أنواعًا شتى من الأدوية المقوية.
التفت لوديان إلى ألفيوس، لكن الجد أدار رأسه جانبًا متجاهلًا.
“جدي…….”
“قلت إنه لا بد من الاطمئنان على حالتكم!”
“ألا ترى أن هذا مبالغ فيه؟”
لكن ألفيوس تجاهل اعتراض لوديان كليًا. وفحص الطبيب الأطفال واحدًا تلو الآخر بدقة، ثم أعلن أنه لا توجد أية مشكلات.
“أنتم الأربعة تعانون فقط من بعض الإرهاق المتراكم، لكن مع قسط جيد من الراحة ستتعافون سريعًا. الأفضل أن تمكثوا في القصر وتستريحوا لبضعة أيام.”
ثم أوصى أن يتناول كل منهم كأسًا من الدواء المقوّي، قبل أن يغادر الغرفة بهدوء.
أغمضت ثيل عينيها لتمنع نفسها من بصق الدواء المر، وابتلعته دفعة واحدة.
أما أوليفيا فقد بصقت الدواء كله عائدةً في الكأس بعد أن ابتلعته.
حينها تحدث كاسوس الذي كان يراقب الموقف بصمت:
“من الأفضل ألّا نصطحب ثيل إلى الاجتماع القادم، يا والدي.”
عند كلام كاسوس، رفعت ثيل رأسها نحوه. في تلك اللحظة، وضعت إحدى الخادمات قطعة حلوى صغيرة في فمها، فانتفخت وجنتاها وهي تمصها وتنظر إلى والدها.
“الاجتماع…… تقصد ذاك الذي اجتمعنا فيه جميعًا في القصر الإمبراطوري المرة الماضية؟”
“نعم.”
فلأن ثيل قد أتمّت مهمتها بسلام وعادت، صار لزامًا مناقشة مسألة مقر إقامتها مرة أخرى. وكان كاسوس يعني أنه لا ينوي اصطحابها إلى ذلك المجلس.
أمالت ثيل رأسها متسائلة:
“ولِمَ لا؟ هل أكون عائقًا بوجودي هناك؟”
رفعها ألفيوس بخفة إلى حضنه، فألقت نظراتها البريئة عليه.
“ليس الأمر كذلك يا ثيل. لكن ما سيُناقش من الآن وصاعدًا مسائل تخص الكبار. لقد أنجزتِ دورك على أكمل وجه، وما تبقى فواجبي أنا ووالدك.”
“لكن…… ألن يسبب غيابي عن الاجتماع مشكلة؟”
سألت بحذر وهي تستحضر في ذهنها تهديدات سيندر العنيفة. فقد حاول سيندر بكل السبل أن يبعدها عن الأستريان. فهل سيُستغل غيابها هذه المرة أيضًا؟
“اطمئني، لن يحدث شيء بسبب غيابك. سنقول إنك مرهقة من السفر الطويل وغير قادرة على الحركة. وهم ليسوا بلا ضمير إلى هذا الحد ليطالبوا بحضور طفلة مريضة.”
عند كلمات كاسوس، ارتسمت الطمأنينة على وجه ثيل.
لكن فجأة—
بوم!
“هاه؟”
“ما هذا؟”
“أه؟”
“……كيينغ؟”
في لحظة واحدة، تحولت ثيل التي كانت في حضن ألفيوس إلى نَمِرة صغيرة.
ولولا أن ألفيوس كان يحتضنها جيدًا لكانت سقطت أرضًا.
رفعت ثيل كفها الصغير بدهشة، فرأت الوسادة الوردية الناعمة الشبيهة بالهلام أسفل مخلبها.
‘لماذا ثانية الآن؟’
لم تبذل أي مجهود هذه المرة، بل إنها ابتلعت حتى الدواء الذي وصفه الطبيب. فلماذا تحولت مجددًا؟ تساءلت وهي تميل برأسها.
“يبدو أنك كنت متعبة جدًا.”
أخذها كاسوس من حضن ألفيوس، فمدّت مخلبها تضغط به على صدره وتأن.
“كيييينغ…….”
“لقد أرهقتِ جسدك أكثر مما تظنين، وحين ارتخت أعصابك انطلقت القوة الكامنة فكان هذا التحول.”
مسح كاسوس برفق على ظهر صغيرته البيضاء. فأومأت برأسها وهي تفكر: ‘الحمد لله أن هذا لم يحدث وأنا مع إيان…….’
***
“ثيل، تعالي!”
“كيااااه!”
قفزت ثيل بين ذراعي لوديان، فاحتضنها بحنان وجلس بها على السرير.
“هل كنتِ ترتاحين جيدًا؟”
هزّت ثيل رأسها بحماس ردًا على كلام لوديان.
وما إن شاع خبر أنّ ثيل تحوّلت إلى هيئة سوين بسبب الإرهاق الذي أنهك جسدها، حتى عمّ القلق أرجاء القصر، وصار جميع الخدم يبدون انشغالهم بأمرها.
فقد كانوا يخشون أن تسقط الصغيرة أثناء سيرها، حتى تمنّى كثير منهم أن يحملوها أو يرفعوها على ظهورهم ليُوصلوها حيث تريد. أما ليا فقد راحت تجلب طعام ثيل إلى سريرها مباشرة.
وكانت ثيل تجزم في نفسها أنه لا يوجد على أراضي الأستريان بأسرها من هو ‘مستريح أكثر منها’ في تلك الأيام.
“ما زال يبدو عليها شيء من الوهن… يا بيردي، أليس كذلك في نظرك أيضًا؟”
“أجل، أرى مثل ذلك. دعها تتمدد من جديد.”
“كيااانغ؟”
أمسكها أخواها وأعاداها إلى السرير، ثم غطّياها باللحاف الوثير.
لكن ثيل التي ضجرت قليلًا من الاستلقاء حاولت أن ترفرف بأطرافها الأمامية.
‘أنا بخير تمامًا!’
ففي أي لحظة تستطيع أن تنهي التحوّل وتستعيد هيئتها البشرية. غير أن سبب امتناعها عن ذلك كان بسيطًا للغاية:
‘الهيئة الحيوانية أريح بكثير….’
فقد كان من المريح أن تُحتضن بها، ومن المريح أن تلتف بجسدها الصغير فوق الفراش. بل وحتى حرّ قصرها لم يكن مشكلة، إذ إن غرفة ثيل كانت مليئة بقطع أثرية غريبة كان بيردي قد ‘انتزعها من سيندر’، مما جعل الجو فيها منعشًا على الدوام.
وضع بيردي الصينية التي كان يحملها على الطاولة الصغيرة بجانب السرير، ثم ربت على ركبته ودعاها:
“هلمّي يا ثيل.”
فركضت بخفة وجلست على ركبتيه.
أخذ بيردي ملعقة صغيرة وملأها بقطعة من كعكة الكريمة البيضاء المنفوشة الحلوة، ثم قرّبها إلى فم ثيل.
ففتحت فمها “واانغ” والتهمت الملعقة، وراحت تلعق الكريمة بلسانها.
وبينما كان بيردي يطعمها بإخلاص، كان لوديان يمسح بقايا الكريمة العالقة عند فمها برفق.
“ألم يكن ذلك اليوم؟”
سأل بيردي، بعد أن رفع رأسه فجأة وهو يواصل إطعامها كأن الأمر عادي. عندها قطّب لوديان حاجبيه.
“ماذا تقصد؟ عليك أن تذكر الفاعل في كلامك. لديك عادة سيئة في حذف الفاعل دومًا….”
“أعني يوم ذهاب أبي والجد إلى القصر الإمبراطوري.”
“آه، نعم، إنه اليوم.”
أجاب لوديان بهدوء. فأومأ بيردي بدوره ببرود مماثل. أما من لم تستطع أن تبقى هادئة فكانت ثيل وحدها.
إذ أخذ ذيلها ينتفخ قلقًا، ويرفرف يمنة ويسرة بلا توقف.
‘ماذا لو حدث أمر سيّئ لأنني لم أذهب؟’
فقد يُثير سيندر الشبهات على كاسوس وألفيوس. ورغم أنهما لم يسمحا له يومًا أن يتغلب عليهما أو يظفرا منهما بثغرة، إلا أنهما كانا يضعفان بشدة حينما يتعلّق الأمر بها، ولهذا لم تستطع طرد القلق من نفسها.
عندها التقط بيردي قطعة صغيرة من الفراولة الموضوعة فوق الكعكة، وأدخلها في فمها وهو يقول:
“لا تقلقي. فأنتِ مريضة، وقد اعتُبر غيابك أمرًا طبيعيًا. ثم إنهم، مهما بلغوا من وقاحة، فلن يتجرؤوا على الاعتراض على طفلة لم تستطع الحضور لأنها مريضة.”
تناولت ثيل قطعة الفراولة، وأومأت برأسها موافقة.
***
“هذا الاجتماع قد عُقد ليُبتّ في مصير ‘ثيل أستريان’. ومع ذلك… لا تحضر المعنيّة بالأمر؟ أيُّ عُرفٍ هذا؟”
قال سيندر بنبرة متعنتة حادة، فنظر إليه ألفيوس وكاسوس نظرة ملؤها السأم والضجر.
لقد نسيا للحظة أن سيندر نيستيان إنما هو حقًا ‘وقح، عديم الخجل، لا يعرف للفضيلة سبيلًا’.
غير أنّ الأمر لم يكن مشكلة كبرى.
“لا يوجد أي سبب يفرض حضور ثيل هنا. لقد أدّت واجبها بإخلاص، وبهذا انتهى دورها. فلماذا يُصرّ النيستيان على جرّها مجددًا إلى هذه الساحة؟”
ذلك أن الإمبراطور نفسه سبق الأستريان بالكلام، فوقف حاجزًا في وجه النيستيان.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.