الفصل 2187: "كوكبة الوجود"
الفصل 2187: كوكبة الوجود
كان من المستحيل تقريباً على إيوس أن يحدد فعلاً ما إذا كانت خططه ستسير بالطريقة التي أرادها، خاصة وأنه يتعامل مع الوجود ومع شكله الحالي الذي تجاوز مستوى البعد التاسع.
لقد اكتشف أثناء الاندماج مع روحه أن الوجود عبارة عن فضاء ذو بُعد عاشر. لو لم تكن هناك تهديدات ضد الوجود، ولو امتلكت روحه كل الوقت اللازم للاندماج معه، لكان قد نما تلقائياً ليصبح وجوداً من البعد العاشر.
ومع ذلك، كان هناك خطأ ما في مستوى البعد العاشر للوجود، وذلك لأنه لم يكن مكتملاً. لم تكن هناك قاعدة أو قانون للبعد العاشر يقيد الوجود بالطريقة نفسها التي امتلك بها البعد الثالث "المكان" والبعد الرابع "الزمان". كان هناك جزء أساسي مفقود منه، وكأن جزءاً من الوجود قد انتُزع منه، ولكن رغم أن هذه كانت مأساة، إلا أنها منحت إيوس الفرصة للاندماج مع الوجود لأنه اشتبه في أن الوجود قد يمتلك القدرة على أن يكون أعظم من البعد العاشر الذي اختُزل إليه.
بالرغم من ذلك، ومع عدم اندماج روحه بشكل كامل مع الوجود ودخول جسده الآن في هذا المزيج، لم تكن هناك طريقة حقيقية للتنبؤ بما سيحدث بعد ذلك، ومع وجود أخنوخ خلفه، لم تكن هناك فرصة للتجربة والتقدم البطيء. كل ما كان سيحدث مجهولاً، وتحوله سيتحدد بكل ما أعده له حتى هذه اللحظة.
كانت روح الوجود لا نهائية، ومع ذلك كانت قادرة على التلاشي بسرعة داخل جسد إيوس، وهو دليل على خصائصها ذات الأبعاد الأعلى حيث يمكن احتواء اللانهائي ظاهرياً داخل المحدود. وبوجود روح الوجود داخل جسده، فُتح شيء عميق بداخله وفتح أيضاً شيئاً جديداً؛ لقد فُتحت إمكاناته.
إذا كان التحول ينطوي على التغيير، فإن إمكاناته هي الوقود لهذا التغيير، ولفترة طويلة، لم يكن هناك اتجاه تتوجه إليه تلك الإمكانات. كان على إيوس أن يكتشف ببطء كيفية المضي قدماً، ولم تفعّل تلك الإمكانات بالكامل إلا بعد اندماجه مع روحه.
أصبح هو اندماج الحقائق. ليست حقيقة واحدة، بل كلها. حقيقة لحمه، التي صُهرت في نيران مائة مليون سنة من الحرب. حقيقة روحه، التي كانت تنمو في قلب الوجود منذ ولادة أول بدائي. حقيقة إرادته، التي كانت تبحث عن الإجابات منذ ما قبل بداية حياته. وحقيقة أرض أصله، وأطفاله، وكل عمل قام به حتى هذه اللحظة.
أدت كل هذه الأمور إلى تغيير عميق في جوهر كيانه أرسل تموجات عبر كل الوجود، بل ووصلت إلى خارجه، وداخل جوهر كيانه، شعر إيوس بأرض أصله تتحول، مفسحة المجال لجوهر من سيكون عليه. فكر في الأمر للحظة، واختار أن يكون جوهره شجرة.
بالنسبة له، مثلت الشجرة أشياء كثيرة، ومعظمها كان جيداً. من سلالته الأولى، إلى والدته، وتجارب حياته، ومن كان يرغب في أن يصبح في المستقبل… رأى إيوس أن جوهر كيانه هو شجرة. نمت الشجرة طويلة وأخرجت أغصاناً كثيرة، وأزهرت تلك الأغصان، ولأنه هو من هو، لم يكن ما أخرجته تلك الأغصان أزهاراً أو أوراقاً، بل عوالم، كل منها يشبه عوالم الأصل العشرة آلاف.
كان كل عالم حقيقة مختلفة، احتمالاً مختلفاً، خياراً مختلفاً. وفي أسفل الشجرة الضخمة كان هناك عرش مصنوع من الجذور. كان هذا العرش مألوفاً، فقد رآه من قبل، منذ زمن بعيد لدرجة أن ذكرياته بدت بعيدة جداً ويصعب الوصول إليها.
لقد كان "عرش الحقيقة"، ومع إنشائه، برز في الوجود أمام إيوس، وبدأ يمشي نحوه. انجذب "الأركاي" الخاصون به في عوالم الأصل نحو هذا العرش، واصطفوا على جانبيه، وجثوا جميعاً على ركبة واحدة، ورفعوا كلتا يديهم تبجيلا لفضله.
سار بجانبهم، فوقفوا على أقدامهم، وعند وصوله إلى العرش، جلس عليه، وفي الحال أُنشئ اتصال جديد آخر، مؤدياً إلى الخطوة التالية من التحول، وبدأ تاجه، تاج الأبعاد المكسورة، والواقعات المحطمة، وكل ما فُقد، يزهر.
لم يعد هناك مزيد من العيون أو مشاهد الجنون؛ ما برز من تاجه الجديد كان نجوماً. نجوم جديدة، ساطعة، وقوية، وأطلقت هذه النجوم الكثير من الضوء لدرجة أن حتى البدائيين الذين يشاهدون هذا التحول اضطروا لتظليل أعينهم لأن هناك احتمالاً كبيراً بأن يصابوا بالعمى.
لم يكن من المفترض للفاني أن ينظر إلى وجه سامٍ، وبالنسبة للبدائيين، لم يكن من المفترض لهم أن ينظروا إلى وجه إيوس. ومع ذلك، خفت هذا الضوء المعمي ببطء، ليس لأنه لا يستطيع أن يصبح أكثر سطوعاً؛ بل كان بإمكانه أن يصبح أكثر سطوعاً لو رأى إيوس ذلك ضرورياً، لكن إيوس لم يكن أبداً ممن ينأون بأنفسهم عن أطفالهم، وإذا كان ضوؤه ساطعاً جداً، فسينتهي به الأمر وحيداً، وستكون هذه المعركة عنه هو، وليست عنهم.
كل نجمة في تاجه هء حياة عيشت في عوالم الأصل وعبر كل الوجود، ولأن الذاكرة الحقيقية للوجود امتدت إلى البداية ذاتها، إلى الوجود الأول، فقد مثلت كل نجمة كل الحياة التي عاشت منذ الوجود الأول على الإطلاق. أغمض إيوس عينيه ليقدر هذه التغييرات، حيث كانت كل نجمة حباً اعتُز به، وأملاً جرى الحلم به، وجوهر كل روح.
ومعاً، شكلوا كوكبة لم توجد من قبل. كوكبة الوجود. ساد صمت عظيم على كل الوجود مع اكتمال الاندماج. كان صمت واقع يحبس أنفاسه، يراقب ليرى ما سيخرج من حطام كل ما عرفه. جلس إيوس على عرش الحقيقة الخاص به، ولفترة طويلة، لم يحدث شيء.
ثم فتح عينيه.
الترجمة : كوكبة
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.