مساحة للحكاية، ووقت لك← السجل البدائي
الفصل 2175: "الإنشاء ضد النهاية"نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 2175: "الإنشاء ضد النهاية"

الفصل 2175: الإنشاء في مواجهة النهاية

عشرة آلاف من عوالم الأصل

تمزق الصدع بصوت لم يتردد صداه عبر المكان فحسب، بل عبر الزمان أيضاً. كان أخنوخ يشبه طفلاً هائلاً لم يولد بعد، أكبر بمئة مرة من أمه، وهذا الوصف لم يكن بعيداً عن الحقيقة لأنه بطرق عديدة كان أخنوخ أكبر من الوجود نفسه، وكان يشق طريقه داخله عنوة.

صوت هذا الفعل الصادم كان أقل الأشياء ضرراً مما يفعله بالوجود، ولم يستغرق الأمر طويلاً حتى وصل الصدع إلى مستوى لا يمكن إصلاحه. دوت صرخة عبر الوجود عند هذا التمزق، حيث تحولت الندبة السوداء، التي كانت جرحاً في نسيج الوجود، إلى باب، وعبر ذلك الباب، اقتحم أخنوخ طريقه.

لم يكن شكله هو ما توقعه البدائيون، فقد رأوا يديه اللتين كانتا شاسعتين بما يكفي لسحق عوالم الأصل بأكملها بحركة واحدة. رأوا أيضاً ملامح وجهه، الأملس والخالي من التفاصيل، مع مجرات حلزونية من النهاية بدلاً من العينين، ومع ذلك لم يكن هذا كل ما في أخنوخ، وحتى الآن، ومع انكشافه الكامل، لم يستطع معظمهم رؤيته بالكامل، وحده إيوس، روح الوجود، استطاع رؤيته.

ومع ذلك، اتفق الجميع هنا على شيء واحد: هيئة أخنوخ… كانت خاطئة. كان شيئاً لا ينبغي السماح بوجوده أبداً.

كان أخنوخ مميزاً، على عكس المضيئين الآخرين، الذين كانت قوة لومينا لديهم قادرة على قمع التأثير الفاسد لسلالتهم إلى حد ما؛ أما أخنوخ فلم يولد بهذا الفلتر. منذ لحظة ولادته، كان العائق الميتافيزيقي والروحي الذي يملكه جميع المضيئين مفقوداً من جسده، ولذلك كان لديه وصول غير منقطع إلى السلالة وصوت العظيم. لا عجب أنه رغم قوته، فقد أخنوخ عقله وحطم خطط العظيم. لقد كان من الصعب حقاً توجيه الجنون.

منحته العصور الكونية الخمسة والستون مليوناً التي قضاها في نطاق النهاية فرصة للتعافي من جنونه إلى حد ما، لكن لوثة النهاية حرفت شكله كمضيء إلى شيء هرطقي لم يسبق له مثيل. في البداية، وبمساعدة لحم المسخ الذي تركه ورائه، صنع أخنوخ جسداً مثالياً للمضيء، لكنه لم يصمد طويلاً تحت سم النهاية المتدفق في عروقه، ومثل المسخ، بدأ هو أيضاً في التحول.

كان جسد أخنوخ الآن كاتدرائية من المعاناة. كل طرف انضغط وتحول إلى عظام وجودات ميتة، وأصبح جذعه قفصاً من الخطوط الزمنية المندمجة التي ثنيت وحطمت حتى صرخت بترددات حطمت عقول الخالدين الأدنى. وصلت هذه الصرخات إلى نهاية الزمن، ولو كان فيوري، أو سيرسي، أو الإرتقاء الهادئ هنا، للاحظوا أن هذه الصرخات كانت تشبه بشكل مخيف صوت الحشرات التي تلتهم كل شيء في نهاية الزمن.

لم يعد لديه جلد، بل مجرد غشاء مسلوخ من الواقعات التي التهمها، ممدد برقة فوق شكل لا يملك الحق في الحركة، أو التنفس، أو الوجود. ووجهه، حيث ينبغي أن يكون وجهه، لم يكن هناك سوى غياب. كان فراغاً من البورسلين الأملس حيث ينبغي أن تكون الملامح، لكن الغياب كان جائعاً، وحيثما نظر، ذبلت الحياة.

كان أخنوخ جميلاً ذات يوم، لقد رأى إيوس ذكرياته، وكان من الصعب العثور على مضيء آخر أجمل منه، ولكن بعد كل هذا الوقت، استُهلك ذلك الجمال بواسطة شيء أقدم بكثير وأكثر ترويعاً. كان ذلك اليقين في قلب أخنوخ بأنه الشيء الوحيد المهم. الشيء الوحيد الذي يجب أن يهم أبداً. لم يرف أخنوخ حتى للمضيئين كأنداد له، ولولا الرغبة في إبقائهم جاهلين في البداية، لآمن أخنوخ حقاً بأنه قد أباد جميع المضيئين.

اتخذ الشكل الضخم لأخنوخ خطوة للأمام، ونظر للأعلى ورأى الضخامة اللامتناهية للوجود، واستنشق نفساً عميقاً، ولحظة واحدة، توقف التوسع اللانهائي للوجود وكأن ضغط أنفاس أخنوخ كان يكبح جماحه. ثم التفتت نظرته الدوامية نحو روح الوجود.

"أنت صنعتهم،" قال أخنوخ، وكان صوته مثل واقعين يطحنان بعضهما البعض والنفس الأخير لمليار من البدائيين المحتضرين. "نظرت إلى الفراغ ورأيت إمكانات. نظرت إلى اللا شيء وقررت أنه يجب أن يكون شيئاً. وظننت…" التوى وجهه عديم الملامح، متصدعاً بأنماط تنطق بالعذاب بلغات أقدم من الوجود، "…ظننت أنك تستحق."

بدأ يمشي نحو شكل النور، ومع كل خطوة، كان الفراغ من حوله يموت. ارتفعت أصداء مئة وجود ميت من حوله، ليس كأوسمة، بل كعوالم سحقها، وحضارات فككها، وحيوات أنهاها قبل أن تصبح شيئاً لا يستطيع السيطرة عليه.

"كنت أنا الأول،" تابع أخنوخ. "كنت أنا الوحيد. نظرت إلى الفراغ، وجعلته شيئاً؛ نفخت الحياة في الغبار وأسميتها عملا، صغت الضوء من الظلمة وأسميته جمالاً. وماذا فعلت مخلوقاتي؟ نمت وتغيرت. أصبحت شيئاً لم أصنعه، شيئاً لم أصرح به، وفي نموها، سرقت كل شيء مني."

بدى أن الهالة المحضة الصادرة من أخنوخ قد جمدت كل الوجود، وحتى روح الوجود لم تستطع الحركة تحت هذا الثقل اللامتناهي. كان هناك شيء شيطاني حقاً يحدث لجسد أخنوخ في هذه اللحظة. إن جسد المسخ الذي استولى عليه صُنع ليتطور ويتكيف بلا نهاية مع أي ضغط يُمارس عليه. والآن مع وجود الإرادة الكاملة والجنون لأخنوخ داخل هذا الغلاف، كان على جسده أن يتطور باستمرار لمواكبة تكيفه المتزايد مع النهاية، وإلا سينهار ويتحول إلى غبار. هذا يعني أن أخنوخ كان يزداد قوة مع كل لحظة تمر، وبدت هذه القوة بلا سقف.

مد يده، وانغلق كفه، وهو مخلب من عظام مضغوطة وجوهر مسروق، حول شكل النور.

"أتظن أنني أكرهك لأنك تهددني؟ لأنك قد تبطل ما بنيته؟" لم ينتظر أخنوخ رداً وهو يضحك. "لا. أنا أكرهك لأنك تجرؤ. تجرؤ على صنع ما صنعته أنا… تجرؤ على تسمية نفسك مبتكرا بينما لست سوى لص! لقد سرقت مني، سرقت نوري، ناري، غايتي… واستخدمتها لصنع شيء أكرهه."

لقد أُطلقت روح الوجود قبل أوانها، لكن لم يكن هناك مفر من ذلك، كان على إيوس القيام بحركة قبل أن ينهار كل شيء من حوله. لو كان لديه مليار سنة أو ثلاثة مليارات سنة، كما فاوض في البداية، بدلاً من مئة مليون سنة، لكان الاندماج بين روحه والوجود مكتملاً، ولكن في الوقت الحالي، كان لا يزال هناك جزء كبير من هذا الاندماج لم يكتمل بعد. ومع ذلك، كانت مئة مليون سنة كافية لتراكم القوة، ونبضت روح الوجود، دافعة ضد قبضة أخنوخ، وللحظة، توازنت القوتان.

الترجمة : كوكبة

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.