الفصل 2123: "الحرب عند فجر النهاية (6)"
الفصل 2123: الحرب عند فجر النهاية (6)
منذ أكثر من مئة مليون سنة، عندما قاتل المسخ الذي يحمل شظية من وعي أخنوخ ضد إيوس، فرَّ ليختبئ من أعدائه، عالماً أنه في ظل الحالة الراهنة للوجود، سيكون من المستحيل تقريباً على أخنوخ الحصول على جسد مناسب لوعيه إذا ما عاد.
لطالما كان جسد إيوس هو هدفه. فبعد التدمير الأحمق لهوندون، احتاج أخنوخ إلى وعاء مناسب لوعيه، وكان هذا المسخ هو المفتاح.
خلال معركته السابقة، كان اتجاه تطور المسخ هو مقاومة قوى خصومه، حيث ازداد قوة وسرعة لمقاومة سرعة وقوة إيوس؛ ومع ذلك، بعد هروبه، تغير اتجاه تطوره… ليصبح الوعاء المثالي لأخنوخ.
دون الوصول إلى الهيئة الأسمى لإيوس، توجب على أخنوخ بناء هيئته الخاصة من الصفر، وكان من الجيد أنه تمكن من الاستحواذ على جزء من بنية إيوس الفريدة من خلال شرب دم روان. لم يكن يملك الوصول إلى الأصل، وحتى لو ملكه، فلن يكون بمقدور أخنوخ فعل شيء حيال ذلك لأن المادة الأساسية التي كان يستخدمها لن تكون قادرة على محاكاة البنية المعقدة لهيئة إيوس.
ومع ذلك، لم يهم أنه لم يضع يده على نموذج جسد إيوس، إذ كان لا يزال يملك ميزة إنشاء جسد بلا نقاط ضعف، وبإمكانه دفع أجزاء منه إلى مستويات قد تحطم الإمكانات المستقبلية للجسد، لكن هذا لم يهم، لأن هذا الجسد ولد لهذه الحرب وحدها، ولم تكن سلامته في المستقبل محسوبة في هذا الموقف.
هبط وعي أخنوخ فوق غلافه، وارتفعت هيئته الجديدة كجبل من الأوبسيديان الحي، معرقة بنور ذهبي نابض ومظللة بفضة البعد العاشر.
كان شكله يتغير باستمرار، في لحظة يظهر كعملاق بشري بأجنحة من ضوء النجوم، وفي اللحظة التالية كتلة متلوية من المجسات والعيون التي تخترق الأبعاد، ثم كفترس رشيق بمخالب يمكنها تمزيق الواقع.
تموج جلده بحراشف من درع تكيفي، وتلتف عضلاته بإمكانات لانهائية. لقد صنع هذا الجسد ليتطور ضد أي تهديد، ويمتص أي قوة، ويصبح أي شيء مطلوب للنجاة.
وعند الضرورة، يمكن دفع هذه السلسلة التي تقيد إمكانات هذا الجسد إلى مستويات أعلى في مواجهة الظروف المجهولة.
حلق وعي أخنوخ أمامه، مشبهاً سحابة مضيئة قزمت الوعاء، ومع ذلك شعر بالانجذاب إليه مثل فراشة إلى لهب.
فكر أخنوخ، وصوته رنين هز جدران الوجود نفسها: "وعائي… مسخ، نعم. لكنه من صنعي. ستكون أنت المفتاح لكسر اللعنة التي صغتها."
أكد لنفسه أن الأمر تم تماماً كما صممه. مصاغ من جوهر روان المتمرس في القتال، ومشبّع بإرادة "المضيئ" التي لا تنكسر، ومصقول بقوة "النهاية" ونور البعد العاشر.
هذا المستودع المثالي لإرادته كان قادراً حتى على حمل إرادة "اليد العظمى" للحظة دون أن يتحطم.
شاعراً بإحساس من عدم الصبر علم أنه لا ينبع منه، بدأ أخنوخ اندماجه، وبدأ الوجود كله يرتجف.
في اللحظة التي بدأ فيها الاندماج، شعرت به كل قوة عظمى داخل الوجود، لكنهم كانوا مقيدين للغاية في معاركهم بحيث لم يتمكنوا من مقاطعة هذا الاندماج بسهولة.
ومع ذلك، لم يكن هذا هو الخطر الوحيد عليه؛ ففي أرجاء الوجود كانت هناك الترتيبات التي وضعها إيوس والبدائيون القدامى، واستطاع أخنوخ بالفعل الشعور بها وهي تهرع نحو موقعه مثل الذباب الذي يشم رائحة العفن من جثة.
أرسلت موجة واحدة من وعيه أبعاداً متوازية متعددة لتحيط بموقعه، وعاد ليركز على اندماجه بينما غرقت الترتيبات المرسلة ضده في واقع موازٍ لا ينتهي، وحتى لو لم يوقفهم هذا للأبد، لم يتبقَ شيء يمكنه إيقاف اندماجه.
تدفق وعي أخنوخ ببطء داخل الوعاء. ومن منظور بصري، لوحظ أن الخيوط الذهبية لوعيه كانت تتسرب إلى جلد الأوبسيديان.
تحرك الوعاء، وانفتحت العيون، الآلاف منها، تتوهج بنور النهاية وجوهر شيء أعمق. ثم لمس وعيه ذلك الجزء منه الذي تركه داخل الوعاء، واشتعل الاندماج بزئير أرسل نوراً غريباً تموج عبر الوجود كله، مما جعل كل الأشياء تقف ساكنة بينما بدأ خوف نسيه الجميع في العودة.
ذلك الخوف غير العقلاني في قلب الجميع والذي لم يجدوا له تفسيراً، مهما بلغت معرفتهم أو تقدم بهم العمر… في هذا اليوم، عرف الجميع في الوجود أن مخاوفهم لم تكن غير عقلانية، وفي أعماق كيانهم، أدركوا نور مبتكرهم… وهذا النور كان يصرخ بأنه يكرههم.
سطع النور وخبا في الوقت نفسه بينما اندمجت إرادته القديمة مع إمكانات المسخ اللانهائية، ولأول مرة منذ زمن طويل، بدأ أخنوخ يبتسم ابتسامة عريضة بينما اخترقه الألم.
لقد كان يلد نفسه، وكان يشعر بألم جسدي ووجودي في آن واحد، بينما انضغط جوهره المشتت في هيئة مادية.
برزت عضلات الوعاء، متكيفة ومتطورة لاحتواء عظمته. ومن ظهره، نبتت أجنحة هائلة مكسوة بريش من ضوء النجوم والظلال، رفرفت مرة واحدة مرسلة موجات صدمة جعلت الوجود يرتجف.
تعمق اندماج أخنوخ. غمر وعيه لب الوعاء بينما بدأ قلب المسخ ينبض بإيقاع تصميمه الأصلي، الذي كان التمثيل المثالي لنموذج أخنوخ الأساسي كواحد من "المضيئين".
اندلع تطوره بينما تصلب جلده ليصبح عروقاً من ألماس لا ينكسر، وتضاعفت العيون لترى عبر كل بُعد، وامتدت المخالب لتمزق لوحة الوجود نفسها. شعر بآخر بقايا وعي المسخ تتلاشى، تاركة خلفها إياه فقط، أخنوخ، وأطلق الجسد الأسمى زئيراً أخيراً من التحدي قبل أن تتلاشى إرادته.
فجأة، انكمش جسد المسخ الشاسع، مخلفاً وراءه رجلاً بأجنحة بيضاء مجيدة تحترق بلهب أزرق. كان له شعر أبيض طويل، وكانت عيناه أشد درجات اللون الأزرق بريقاً في الوجود.
بقدميه الحافيتين، سار أخنوخ على لوحة الوجود مرة أخرى.
"ابكوا، فكل ما تعرفونه قد ضاع الآن… لقد عاد الصانع."
الترجمة : كوكبة
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.