الفصل 2081: "الكمين (2)"
الفصل 2081: الكمين (2)
من المعرفة الكامنة في دماء والدهم، علم البدائيون القدامى أنه كائن أقدم من الوجود الحالي، ولذا علموا بوجود وجودات سابقة. ومع ذلك، ومع معرفتهم بطول عمر الوجود الواحد، اعتقد البدائيون القدامى أنه ربما لم يكن هناك سوى بضع عشرات من الوجودات، وإذا أطلقوا العنان لخيالهم، فقد يقولون مئة على الأكثر.
لم يكن هذا افتراضاً خاطئاً، لأن العمر الافتراضي للوجود تقنياً يساوي عمر البدائي، وهذا كان يقترب من اللانهائية الحقيقية، ووحدهم البدائيون يمكنهم استيعاب الزمن بهذا المقياس.
ولذا، بينما كشف الموت عن استهلاكه لأصول حالات موت سابقة، شعروا بالدهشة ولكن ليس بالذعر. ورغم أن قوة الأصل يمكن اعتبارها متساوية، إلا أن الأمر لم يكن كذلك تقنياً، حيث يعتمد الكثير على الفرد الذي يقف ورائها وفهمه لأصله.
ومع وضع ذلك في الاعتبار، حتى لو لم يتغير شيء، كانت هناك بعض قوى الأصل التي تعلو فوق غيرها من حيث القابلية للاستخدام والتطبيق، وتعد قوة أصل الموت واحدة من أقوى القوى، تعادل قوى الروح، والزمن، والفوضى.
قوبلت ادعاءات الوحش بالتهام حالات الموت بتوجس مشروع؛ ومع ذلك، وبمعرفتهم بأنه لا يمكن أن يكون هناك هذا القدر الكبير من الوجودات في الماضي، لم يرَ البدائيون القدامى الوحش كتهديد كبير، بل مجرد عائق مؤقت.
بالتأكيد، كان محظوظاً وفي الوضع المناسب لقتل أستيراوث، لكن ذلك لن يحدث إلا مرة واحدة، وسرعان ما سيصل الموت إلى حدوده، بينما سيستمر البدائيون في الازدياد قوة كلما التهموا المزيد من قوة الأصل.
لقد تجاهلوا الموت من قبل لأن جيوشه التي لا تنتهي من الموتى ستساعدهم ضد عوالم أصل إيوس؛ ومع ذلك، منذ أن بدأ البدائيون القدامى في دمج كل قوى الأصل المشتتة في أجسادهم وبدأوا يزدادون قوة، بدأت الحاجة إلى الموت تتضائل.
مع الوحوش التي يمكنهم إنشاؤها، لم تكن هناك حاجة لحشد آخر لا ينتهي، ومع قوتهم المتنامية المصقولة من مراقبة الوحش، لم يرَ البدائيون القدامى أي حاجة لأي مقاتل رفيع المستوى بجانبهم في المعارك النهائية.
علاوة على ذلك، إذا استولوا على أصل الموت، فستكون جميع نطاقاته وجيوشه تحت إمرتهم. بهذا المعنى، لم تكن هناك حاجة فعلاً لبقاء هذا الكيان، ووجوده لم يضف سوى عامل غير ضروري إلى المزيج.
لقد تجاوز الموت الغرض منه، وحان الوقت لتقليمه، وهو قرار جماعي اتخذه الجميع، ومع ذلك، برؤية الحالة الحالية للموت، لم يسعهم إلا الوقوف مصدومين.
كم عدد حالات الموت التي استهلكها؟ لم يستطيعوا تحديد ذلك، لكنهم علموا أن الأمر لم يكن مجرد مئات، بل آلاف. كيف يمكن أن يكون هناك هذا القدر من حالات الموت في تاريخ الوجودات… ما مدى قدم أول حياة ولدت، وكم من الأسرار لا تزال باقية في الظلام؟.
علموا أنه لولا ذكر بدائي الفوضى لمهاجمة الموت، سوف يكونون قد ارتكبوا خطأً فادحاً، لأنهم كانوا سيركزون على إيوس، متجاهلين الكارثة التي تختمر خلفهم، ولم يكونوا قد بدأوا حتى في وضع الكارثة وأخنوخ في الحسبان.
همست نيكسارا لأشقائها المذهولين: "الوحش يزداد سمنة، لكن هذا يعني فقط صيداً أوفر للجميع. لننهي أمره الآن ونلتهم كل حصاده".
بعد زوال التوجس، لم يبقَ سوى الجشع في عيون البدائيين القدامى. لقد اعتقدوا دائماً أن غنيمة بهذا الحجم لا يمكن أن تأتي إلا من السجل البدائي، لكن وحش الراحة النهائية قد التهم من الأصول ما يكفي ليقويهم بشكل كبير.
لم تتراجع نيكسارا؛ وتكثف غطاؤها حتى انعدم خطر تسرب حضورهم، ثم حلقوا فوق الهيئة العملاقة للوحش، الذي كان وعيه مدفوناً في الحجاب وراء الوجود، وهو يستهلك حالات موت أخرى.
بدأ البدائيون القدامى في شحن هجماتهم، وبينما فعلوا ذلك، انتظروا الفرصة المثالية للضرب.
جائت هذه الفرصة بعد ثلاثة وخمسين ألف عام.
كان الوحش قد التهم للتو حالة موت قوية وأصبح على وشك دمجها في نواته. في البداية، عندما بدأ الوحش هذه العملية، كان يسحب إرادته من الحجاب وراء الوجود ويركز على استيعاب هذه القوة، ولكن بسبب الألفة والقوة المتنامية، وأيضاً بسبب التسرع، كان الوحش يبحث بالفعل عن موت جديد في الماضي، بينما ترك جسده يستوعب القوة التي جمعها للتو بشكل طبيعي.
عادة ما تكون هناك مقاومة طفيفة في الماضي، ولكن مع قوة الموت المتنامية، لم يحتج إلى الكفاح لاستيعاب هذه القوة الجديدة؛ كان جسده يفعل ذلك تلقائياً بالفعل.
ولذا، بينما كان مشغولاً بالبحث عبر الماضي، ونواته الضخمة مفتوحة، كروية مثل نجم لكنها أكبر من عنقود من الواقعات، بدأت نواة الموت الضخمة في استيعاب صيدها الجديد.
كانت نواة الكائن البدائي هي أعماق وجوده، وهي الجزء الأهم فيه، مثل دماغ وقلب الفاني مجتمعين. عادةً، للوصول إلى نواة بدائي، يجب أن يكون منهكاً وكل دفاعاته محطمة، ومع ذلك، لم يحتاج البدائيون حتى لقتال الموت بينما كانت نواته معروضة أمامهم علانية.
بدا الأمر وكأنه مزحة، كما لو أن كل ما يحتاجونه يسقط في مكانه بشكل مثالي.
صُدم البدائيون بما رأوه، ورغم أن هذه هي اللحظة المثالية للضرب، إلا أنهم لم يفعلوا.
كما ترون، بينما هم يكافحون لاستيعاب قوة الأصل المشتتة في أجسادهم، كان الموت قد أتقن العملية بالفعل، وبينما وقفوا يراقبون، تعمق فهمهم لهذه العملية، ولو أمكن، لما رغبوا في الهجوم لفترة من الوقت، والاكتفاء بتعلم كيف كان جسد الموت يدمج قوة أصله في كُلٍ واحد.
كان هذا ذا فائدة كبيرة لهم، ولكن شيئاً ما في عيني نيكسارا ومض، ولم تنتظر البقية لمواصلة التعلم في صمت؛ كانت هي أول من هاجم، تاركة الآخرين مذهولين.
انفجر جسدها للأمام، وانفرد جناحها الهجين مثل منجل من الفراغ الموشى بالفجر. صدمت نواة الوحش ودفعت خيوط روحها عميقاً، مثل الخطافات في عصب مكشوف.
تحطم وجد الوحش بصرخة لم تكن صوتاً، بل موجة من التفكيك بأثر رجعي، وانمحت المناطق المجاورة من الوجود، وفُكت الأرواح إلى الوراء عبر ميتاتها، بينما وصلت نيكسارا لعمق نواته عبر الرابط الذي يملكه الموت مع الأرواح وانتزعت ذلك الفرع من قوته.
شربت نيكسارا بنهم، وانتفخت عروقها السوداء بالنهائية المسروقة، مما جعل صرخات الوحش تزداد قوة بينما سحب إرادته من الحجاب وعاد إلى هيئته، وعندما رأى ما يحدث، ارتد الوحش، وضربت لوامسه مثل سياط النسيان.
لم يجد البدائيون الآخرون أمام هجوم نيكسارا غير المتوقع تصرفا غير الكز على أسنانهم والهجوم أيضاً، لكن اللحظة قد فاتت، وأصبح الموت مدركاً. زيلوس، الذي كان يغوص للأسفل قبل بقية أشقائه، ضُرب بأحد لوامس الموت في منتصف سقوطه.
الترجمة : كوكبة
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.