الفصل 2079: "يد خفية؟"
الفصل 2079: يد خفية؟
أمال إيوس رأسه وضاقت عيناه، مدركاً أن هذا الصمت لم يكن فارغاً، بل بدا وكأنه ينصت.
تابع قائلاً: "لقد شعرتُ بك عندما سقط 'هوندون'. استطاعت ذكريات ذلك الحدث أن تعبر الزمن وتصل إليّ هنا في الحاضر. ذلك البرد القارس الذي لم يكن برداً. ومع ذلك، أنت لا تحب الإعلان عن نفسك، لكن الجميع يهمسون باسمك، من 'المهندسين المعماريين' إلى 'أخنوخ' نفسه، وكأنهم يخشون نطق الاسم عالياً، لكني لا أخشى… أيها النهاية".
انتظر إيوس، لكن لم يأتِ رد، ومع ذلك شعر بتغير طفيف في الحضور فوقه، لكنه لم يقترب؛ بل أصبح ببساطة أكثر "حضوراً"، وكأن مفهوم المسافة قد توقف فجأة عن السريان.
لم يعد كائناً يرى المسافة كما يراها الفانون والخالدون الأدنى، لكن الطريقة التي كانت تتحرك بها "النهاية" ظلت غريبة بعض الشيء على حواسه.
زفر إيوس. كان هناك وقت كانت فيه هذه الفجوة الواضحة في مستويات الحياة تثير حماسه، لأنه رأها تحدياً ليصبح أقوى. أما الآن، فلم تنطفئ تلك النار، لكنها صُقلت بثقل المسؤولية.
لم يكن بوسعه أن يتهاون، لأنه لم يكن يتعامل مع حياته الخاصة فحسب، بل مع حياة الجميع… حتى حياة أعدائه.
قال: "أعرف لماذا أنت هنا. يمكنني أن أشعر بهم في الظلام، كل وكلائك، يجمعون القوة مثل بخيل يكنز العملات المعدنية. لقد تذوقوا جميعاً قوتك وهم الآن جائعون للمزيد. لقد شعرتَ بميلان نقطة الارتكاز، ووفقاً لجميع المقاييس، أنت تفوز، ومع ذلك، أجدك هنا معي، تراقب لترى في أي اتجاه سيسقط كل شيء".
مر تموج عبر الحضور اللامادي مع تعمق السكون. بدا الأمر وكأن هذه القوة تختبره، وكأن "النهاية" قد اعترفت بالواقع دون الحاجة لتأكيده.
بسط إيوس ذراعيه، محيطاً بعوالم الأصل أدناه.
قال بهدوء: "إذاً انظر. انظر إلى تحديَّ. عشرة آلاف ضوء هش ضد الظلام اللامتناهي الذي تمثله، لكننا لن ننطفئ، مهما جلبتم من ظلام ضدنا".
ثم من قلب الصمت، خُيل لإيوس أنه سمع ضحكة مكتومة، لكنه قد يكون مخطئاً؛ ومع ذلك، لم يهم الأمر. خفض ذراعيه وتحدث بحزم:
"اجلب ما شئت من قوة ضد ملكوتي. لن أتوسل، ولن أساوم. سأحرس هذا المكان عبر الخيانات، وعبر عمليات التطهير، وعبر موت الوجود كله. إذا جئت لتنهيه، فافعل. لكن اعلم هذا: العوالم أدناه ليست ملكاً لك لتطالب بها. ليس بعد. ليس طالما أنا أتنفس".
تمدد الصمت لفترة طويلة، وأصبح أعمق بشكل مستحيل، وشعر إيوس بفم ضخم يحلق على بعد بوصات فقط من وجهه.
ثم، وبشكل غير معقول، لامس شعورٌ عقلَ إيوس. لم تكن كلمات أو صوراً، بل مجرد فهم مفاجئ لم يكن تهديداً ولا وعداً.
كان أقرب وصف يمكنه التعبير به هو أنه "تقييم لقيمته".
لم يبدُ أن هذه القوة تعتبره عدواً أو فريسة، بل بدا وكأنه "متغير" في معادلة أقدم من أي وجود. في هذه اللحظة، لمح إيوس ما كان عليه الحال في عقل كيان بهذه القوة، ولم يعرف إن كان قد أحب ذلك؛ ومع ذلك، كان الشيء الوحيد الذي استطاع استنتاجه في تلك اللحظة الوجيزة التي رأى فيها عقل "النهاية" هو أن هذه القوة لا يمكن المساومة معها بمعناها الحقيقي.
إنها تتبع مجموعة القواعد الخاصة بها والتي لا يمكن زعزعتها.
جعل هذا إيوس يفكر أيضاً في نقطة معينة تركت قشعريرة في قلبه. قوة كهذه لا يمكن أن تُفسد من قِبل سامٍ معذب دون أن يكون هناك شيء ما قد وُضع في مكانه ليحدث ذلك.
بدا الأمر وكأن شخصاً ما أو شيئاً ما قد فهم قوة "النهاية"، وضمن وضع جميع المكونات الصحيحة في مكانها لكي تكتسب "النهاية" وعياً ذاتياً.
بدت هذه الفكرة جنونا لدرجة أن إيوس أراد مسحها من عقله، لكنه منع نفسه من القيام بذلك بقوة إرادته. إذا كانت "النهاية" عبارة عن برنامج من المفترض أن يتفعل في نقطة معينة في المستقبل البعيد، عندما تنفد قوة "الأصل"، وكان أحدهم يعرف كل لغات "النهاية" وتعقيداتها، فمن الممكن أن تُفسد "النهاية"… مثل فيروس وُضع في نظامها.
أو ربما، كانت هذه مجرد مصادفة… لقد كانت هناك "وجودات" عديدة في الماضي، وربما كان ذلك "الوجود" بالتحديد هو الشرارة المناسبة لهذا التحول.
مرت تلك اللحظة الوجيزة التي كان فيها داخل عقل "النهاية"، ووجد إيوس نفسه في شك. هل يمكن أن تكون "النهاية" قد أصبحت ما هي عليه بسبب الصدفة، أم أن هناك يداً خفية أخرى في كل هذا؟ من الذي كان بإمكانه معرفة كل شيء عن قوة "النهاية"، وعرف كل الأزرار الصحيحة التي يجب الضغط عليها لتصبح ما أصبحت عليه؟.
إذا كان هناك أي إجابة لهذا السؤال، فلا يمكن العثور عليها إلا في الماضي، ولكن باستثناء "لومين"، لم يعرف إيوس أحداً كان بإمكانه النجاة من تلك "الواقعات" السابقة.
في تلك اللحظة، تجاوزته قوة "النهاية". بدا الأمر وكأن "النهاية" لم تأتِ هنا للبحث عن إيوس، بل عن شيء أكثر… شيء أعمق.
مر حضورها عبر جميع عوالم الأصل، وكاد إيوس ينهار وهو يمنع ذلك الحضور من إصابة ملكوته، ليس لأنه أراد ذلك، بل لأنه مثل الشمس، لا يمكن إخفاء إشعاعها وحرارتها.
قام هذا الحضور بوزن وقياس ودراسة كل شيء داخل عوالم الأصل، ثم… ودون كلمة واحدة، انسحب الحضور.
تضائل حضور "النهاية" حتى بدأت "الأورورا" المحيطة بإيوس في التحرك مرة أخرى، وبدأت الألوان تنزف عائدة إلى الحركة، وبدا الفراغ وكأنه يتذكر كيف يكون "خاوياً" بدلاً من أن يكون "مطلقاً".
ظل إيوس واقفاً على المنصة، يحدق في المكان الذي كانت فيه "النهاية". ارتجفت يداه مرة واحدة، ثم استقرتا. بالنظر إلى عوالم الأصل أدناه، شعر وكأنها زفرت بارتياح، فابتسم إيوس.
نظر إيوس إلى راحتيه، ثم عاد بنظره إلى الظلام.
همس للغياب المتراجع: "أنت لم تنهِنا. ليس اليوم".
استدار وهبط، عائداً إلى عرشه الحجري، وجلس غارقاً في التفكير. لم يكن بإمكانه مجرد تجاهل هذا الافتراض.
هناك خطأ ما… هناك خطأ ما في هذا "الوجود" الملعون بأكمله، وشعر إيوس أنه يعرف الإجابة، لكنه كان ينظر إلى الموقف كله من زاوية واحدة بينما ينبغي له ألا يفعل.
"ما الذي يفوتني… تباً، ما الذي يفوتني؟"
الترجمة : كوكبة
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.