الفصل 2067: "الجيل الرابع (3)"
الفصل 2067: الجيل الرابع (3)
بالنسبة لكائن رفيع الأبعاد مثل إيوس، لم يكن الزمن مفهوماً مجرداً؛ بل طريقاً، ولم يكن يتطلب سوى القدر المناسب من القوة للسير فيه. ولو أراد، لاستطاع إرسال تجسيد لنفسه إلى الماضي، ولكن نظراً لثقل وجوده، لم يكن بمقدوره تغيير المستقبل بهذه الطريقة؛ إذ سيكون ذلك مكلفاً للغاية وشبه مستحيل.
لو استطاع أي شخص مراقبة نهر الزمن، لرأى أن إيوس وكيانات معينة يشبهون جبالاً ضخمة في بركة ضحلة، والزمن يتدفق حولهم بعجز، بينما البدائيون يشبهون تلالاً صغيرة، والجميع سواهم، حتى من يُسمون بالخالدين، ينجرفون ببطء مع هذا النهر.
أيضاً، لو عاد إيوس بالزمن، لرأى شيئاً غريباً: بعض أطفاله مفقودون، مثل "أندار"، وحتى والدته قد اختفت، ولم يتبقَ سوى فراغ.
حدث هذا لأن القوة التي قتلتهم جاءت من كائن رفيع الأبعاد وصلت قدراته عبر كل الأبعاد ومسحتهم من الوجود.
فقط في بُعد "الذاكرة" الخاص به، حُفظت شظايا منهم حية، ولولا حفظ إيوس لهذه الشظايا، لما تذكر أحد حتى أسمائهم. كانت هذه هي المأساة الخفية التي تسبب فيها البدائيون القدامى وأمثالهم.
قد يبدو إيوس وكأنه يجلس باسترخاء على عرشه الحجري هذا، لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك؛ فقد كان يفعل أشياء أخرى كثيرة، وكان أحد محاور تركيزه هو دخول بُعد الذاكرة وتتبع كل أسماء الموتى، وكتابتها في أسس الوجود، لكي لا يُنسوا أبداً.
لقد أظهر لـ "إيفا" لمحة من هذا عندما أخذها عبر الليمبو، لكن ذلك لم يكن سوى طرف جبل الجليد.
كان إيوس يجمع أسماء الساقطين إلى أبعد مدى تصله قوته، لكن هناك الكثير غيرهم، ولم يعرف إن كان من الممكن جمعهم جميعاً، لكنه لم ينوِ التوقف.
ثم رأى العظمة من أحلام سيرسي.
كانت هذه العظمة مثيرة للاهتمام لأنها المرة الأولى التي يرى فيها إيوس شمولية حياة بكل هذا التفصيل الذي فتنَه وهزه من الأعماق، وقلب كل مفاهيمه عن الإنشاء والروح.
لطالما اعتقد إيوس أنه يفهم شمولية الروح وكيفية اندماجها مع الوجود، لكنه كان مخطئاً؛ فقد فهم الروح حتى نقطة "الأصل"، ولكن ليس كيف ترتبط بـ "النهاية".
كان من السهل رؤية "النهاية" كقوة دمار خبيثة، ولكن هذا لأنها أصبحت فاسدة، لا تزال "النهاية" جزء من الوجود تماماً مثل "الأصل"، ورغم أن غرضها الأساسي هو الاعتلال وتبديد كل الأشياء، إلا أنها لا تزال تخدم غرضاً ما.
علم إيوس بـ "أصل الروح"، لكنه لم يتسائل يوماً عما يحدث عندما يُدمر أصل الروح تماماً… هل يختفي كلياً، أم يصبح شيئاً آخر؟
أجابت هذه العظمة على السؤال الذي لم يفكر في طرحه.
عندما تقتل كائنات قوية بمستوى البدائيين أي شخص، تكون قوتهم فوق الأصل عظيمة لدرجة أنها تعبر كل الأبعاد المعروفة وتمحو كل شيء يخص هدفهم، بما في ذلك أصل روحهم.
ولهذا السبب استطاع إيوس قتل أربعة بدائيين ولم يستطع حتى "القدامى" تحت إمرتهم تذكر أسيادهم السابقين.
أظهرت له هذه العظمة الجانب الآخر من تلك المعادلة، كاشفةً أن جزءاً من الروح، من كل روح، كان مرتبطاً بـ "النهاية" لأن كل شيء له نقطة نهاية، حتى الوجودات، وفي التدمير الكامل للأصل يجري استيعاب نقطة النهاية هذه بالكامل.
كان الأمر كما لو أن "النهاية" و"الأصل" وجهان لعملة واحدة، وهذا هو المنتهى الطبيعي لكل الأشياء.
ومع ذلك، علم إيوس أن "النهاية" تغش. من الطبيعي أن تعود الروح إلى "النهاية" إذا استُؤصلت عند "الأصل"، ولكن الآن بعد أن بدأت "النهاية" تضغط لاستئصال كل أشكال الحياة، انكسر التوازن بين "الأصل" و"النهاية".
كانت هذه هي الصدمة الكبرى الأولى التي أظهرتها له هذه العظمة، وجائت الثانية مما رآه يحيط بالعظام… لقد رأى نفسه، لا، بل رأى تعبيراً عن نفسه، مرصعاً في هذه العظام.
ارتبك إيوس في البداية؛ كان الأمر يشبه عالم آثار فانٍ ينقب عن أحفورة عمرها مليون عام ليكتشف أنها تخص والده.
لم يستغرق الأمر سوى لحظة ليجمع إيوس كل الحقائق المتناثرة ويدرك أن هذه اللمسة جائت من تجسيده المفقود.
كشف له هذا أن تجسيده لم يكن تائهاً في مكان خارج الليمبو فحسب، بل كان أيضاً في زمن أبعد في الماضي.
كان عمره يزداد بما يتجاوز السنين التي عاشها بكثير، وفي الآونة الأخيرة، بدأ يتسارع إلى رقم جنوني. استنتج إيوس أن تيار الزمن الذي يتواجد فيه تجسيده يُدفع نحو الحاضر.
علم أيضاً أن التجسيد لا يجب أن يكون وحيداً، وأدرك أن أعدائه لا يأتون فقط من كل أركان الوجود، بل يأتون أيضاً من الماضي، وخطرت بباله تسمية… أخنوخ.
لقد قاتل إيوس "تجسيد" أخنوخ المشوه، وذلك المخلوق، حتى بدون وعي أخنوخ الكامل، كان خصماً مهولاً حقاً، وبعد كل هذا الوقت، من يدري إلى أي مدى قد تطور هذا الكائن.
بالطبع، علم إيوس أن هذا التطور يعتمد على عوامل خارجية، كما أنه يحرق عمر هذا المخلوق، وهذا فقط لأنه لم يكن مكتملاً، وتسائل عما إذا كان وعي أخنوخ كافياً لإكمال هذا المسخ.
أعداء يأتون من كل الجوانب، وسيقابلهم جميعاً دون تراجع؛ أقسم إيوس للسماء والأرض، فارتعدتا لأنهما لم تطبقا حمل كارما كلماته.
لم يعرف إيوس ما الذي يفعله تجسيده، لكن الرسالة التي أرسلها إليه عبر العظام كانت كاشفة للبصيرة، ومن خلالها، فكر في خطة جريئة.
إذا كانت "النهاية" تغش، فإن إيوس مستعد لفعل الشيء نفسه. باستخدام آثار التكرير التي وجدها على هذه العظام، وربطها بذاكرة الساقطين، أنشأ إيوس حلقة تدوير للساقطين من جميع أنحاء الليمبو، مجرداً إياهم من لمسة "النهاية" التي دُمجت في أصلهم وسحبهم إلى عوالم الأصل العشرة آلاف.
لكي ينجح هذا، احتاج إلى قوة "أوروبوروس الأصل" وإرادة كل أشكال الحياة المتنامية داخل عوالم الأصل.
الترجمة : كوكبة
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.