الفصل 116
لم يصب ميهين باليأس عندما رأى المقال. ببرود وهدوء، بدأ بكتابة شكوى قضائية أولاً.
‘لقد حلّ هذا اليوم في نهاية المطاف.’
كان قد استعدّ نفسيًّا شيئًا فشيئًا منذ أن بدأ فالير يناديه بـ “يا عزيزتي ” في أيّ مكان وزمان. ورغم أنّ ذلك لم يجعله بمنأى عن الصّدمة، إلا أنّه على الأقل لم يرتكب حماقة نسيان عمله بسبب الارتباك.
ففي مثل هذه الأمور، أهمّ شيء هو مدى سرعة وكفاءة الاستجابة.
‘لن أسامح.’
شكوى قُدّمت بعزيمة راسخة على استرداد حقّه. وبفضل علاقات ميهين التي بناها بجدّ، وسلطة هالبيرن، عالجتها المحكمة بسرعة فائقة.
في اليوم التّالي، عندما رأى فالير الشّكوى التي أرسلتها المحكمة ووضعت على مكتبه، انفجر ضاحكًا لفترة طويلة.
“آهاهاها.”
“هل الأمر مضحك؟ أهو مضحك حقًّا؟”
نظر ميهين إلى فالير الذي كان يضحك بصوت عالٍ وكأنّ العالم سينتهي، وشدّ قبضته بقوّة.
“آه، سأجنّ. حقًّا…”
مسح فالير دموع الضّحك التي سالت من شدّة المرح، وقال بنبرة تدلّ على التّذمّر:
“عزيزتي، أنت قاسٍ جدًّا. هل علاقتنا جافّة إلى هذا الحدّ؟”
“إنّها أبعد من أن تكون جافّة، إنّها في الواقع علاقة بعيدة جدّ جدًّا.”
“إي.”
“إي ماذا؟ على الأقلّ لسنا في وضع يسمح لي بسماع كلمة ‘ عزيزتي ‘. ألم أقل لك لا تنادني بهذا القرف؟”
“فوه-!”
ضحك فالير مرّة أخرى. وبينما كان ميهين يفكّر بجدّيّة، ‘أأقتل هذا اللّعين أم لا؟’، أعاد فالير الشّكوى إلى ميهين.
“افعل ما تشاء. تعويضات الضّرر؟ سأضعها بين يديك بأيّ قدر تريده.”
“…”
“على أيّ حال، نصف ثروتي هو لك، أليس كذلك؟”
لا، هذا اللّعين.
اندفع ميهين نحو فالير وهو يمسك بقلمه، بينما كان فالير يتفادى ضرباته ويضحك بسعادة.
أمّا عن قادة وخدم عائلة هالبيرن الذين شهدوا هذا المشهد غير المعقول…
“إنّهما يتشاجران كزوجي مرّة أخرى.”
“يا لهما من منسجمين.”
“شجار كقطع الماء بالسّيف.”
هزّوا رؤوسهم وكأنّ هذا الضّجيج أصبح مألوفًا الآن.
لقد أصبح قصر هالبيرن بكامله متواطئًا في هذا الأمر.
“لسنا كذلك!”
كتم ميهين غضبه الذي كان يغلي في صدره.
“ذلك اللّعين…”
في تلك اللّحظة، تدخلت أريلين، الوحيدة التي تقف في صفّ ميهين، وربتت بيديها الصّغيرتين على ظهر ميهين.
“أمي.”
“أريل!”
“في رأيي، ابي يصبح أكثر حماسًا لأنّ ميهين يتفاعل معه بشكل جيّد جدًّا.”
“إذًا…”
“ولكن حتّى لو تجاهلته، فسيظلّ يناديك بـ ‘ عزيزتي ‘.”
“…”
الإجابة محسومة، ولا مفرّ لك!
لأنّ فالير سيفعل ما يحلو له في كلّ الأحوال.
جزّ ميهين على أسنانه.
“هل الاغتيال هو الحلّ الوحيد؟”
ولكن الخصم هو فالير.
شخص لا يضاهى في القوّة البدنيّة أينما ذهب.
في النّهاية، لم يزد ميهين إلا غيظًا.
“آوه!”
فرّغ ميهين هذا التّوتّر في الصّحيفة والصّحفيّ المسؤول.
***
لم يمضِ وقت طويل حتّى اضطرّ رئيس الصّحيفة والصّحفيّ، اللّذان ابتهجا بزيادة المبيعات بفضل فضيحة هالبيرن، إلى دفع تعويضات خياليّة.
ومع انتشار أخبار هذه الدّعاوى القضائيّة الواسعة، اختفت الشّائعات التي بدأت تظهر في الشّوارع تمامًا.
ورغم أنّ البعض لم يتمكّنوا من استيعاب الأمر وواصلوا الثّرثرة، إلّا أنّهم صمتوا تمامًا بمجرّد وصول الشّكاوى القضائيّة إليهم.
لقد حفظ ميهين كرامته بمئات الشّكاوى.
كانت المعركة القانونيّة غير المسبوقة بين دوق هالبيرن ووكيله تسير نحو الزّوال بسبب لا مبالاة الدّوق وفقدان وكيله للحماس.
يقال إنّ دوق سبيروم مدّ يده لمساعدة ميهين، ولكن ميهين رفع دعوى قضائيّة ضدّ دوق سبيروم أيضًا بعد أن أطلق هذا الأخير مزاعم لا أساس لها من الصّحّة قائلاً: ‘هل لهذا السبب لم تستجب لنداءاتي ؟!’.
بصراحة، ماذا يمكنني أن أقول عن هذا؟
“إنّها فوضى عارمة.”
في النّهاية، أصبح الموقف ممتعًا ومسليًّا للمتفرّجين فقط.
وبينما كان ميهين يكافح، بدا أنّ أبي لم يكن يهتمّ بأيّ شيء.
بل على العكس.
“لقد سقط الملصق.”
يبدو أنّ هذا الرّجل أصبح مهووسًا بشيء آخر.
“ضعه لي، يا ابنتي.”
“مرّة أخرى؟”
منذ أن وضعت له الملصق لأوّل مرّة، كان أبي يركض إليّ ويقدّم لي خدّه كلّما فقد الملصق قوّته اللّاصقة وسقط.
لم أكن أعلم حقًّا أنّ تداعيات هذا الملصق ستكون بهذا الحجم. فبفضل أبي، وفي غضون أيّام قليلة فقط، كانت موضة جديدة تجتاح مجتمع العاصمة الرّاقي.
“ألا يمكننا التّوقّف عن وضع الملصقات الآن؟”
نظر إليّ أبي بنظرات حزينة وعينين غائرتين. أوه.
“أين الملصق الذي سقط؟”
“لقد جمعته.”
“لم ترمِه؟ لماذا؟”
ابتسم أبي بسحر دون أن يجيب.
لماذا يجمعها بحقّ خالق الجحيم…؟
بما أنّني لم أجد مفرًّا، وضعت له ملصق <ابذل المزيد من الجهد!> على خدّه بمرارة، فضحك أبي بسعادة.
لا، كلّ الآخرين يضعون ملصقات جميلة ومزخرفة، فلماذا يصرّ أبي على هذا الملصق تحديدًا؟
“ألا تفضّل وضع ملصق آخر؟”
“أنا أحبّ هذا.”
بسبب هوس الملصقات غير المتوقّع، لم تكن فرقة رعاية فقط هي من غطّت وجوهها بالملصقات التي حصلت عليها منّي، بل كان خدم القصر يضعون أيضًا شيئًا ما على خدودهم.
المثير للدهشة أنّ الفئة التي شهدت شعبيّة جارفة لهذه الملصقات هي طبقة
الطبقة المتوسطة الثريّة، ويقال إنّها تنتشر كموضة أكبر بسبب ميزة الزّينة الفاخرة بتكلفة زهيدة.
أمّا من لم يتمكّنوا من الحصول على ملصقات، فقد استعاضوا عن ذلك برسم صور على خدودهم، ممّا جعل رسم الوجه موضة رائجة أيضًا…
“أريليل! هذا ليس عدلًا!”
وبفضل ذلك، تعرّضت لتوبيخ شديد من التّوأم اللّذين جاءا لزيارتي أثناء مرضي.
“لماذا لم تخبرينا بفكرة عمل تجاريّ رائعة كهذه أوّلًا؟!”
“هذا ليس عدلًا، أريليل! كان بإمكاننا القيام بذلك! لقد سرقها والدك منّا مجدّدًا!”
لم أكن أعلم أنّ شيئًا كهذا سيصبح موضة أصلاً.
“آه، أشعر بالغيرة. كان بإمكاننا البدء قبل خطوة واحدة!”
“لقد سرقها والدك!”
يبدو أنّ الموضة التي ظننت أنّها لن تدوم سوى لفترة قصيرة في العاصمة بدأت تنتشر حتّى بين عامّة النّاس، وهناك مؤشّرات على انتقالها إلى مدن أخرى أيضًا.
لماذا بحقّ…؟
حاولت فهم الأمر، لكنّني عجزت. أذواق هؤلاء البشر في هذا العالم لا تتماشى أبدًا مع ذوقي.
“علينا البدء بأعمالنا التّجاريّة.”
“هذا صحيح.”
وبعد أن سأل التّوأم عن صحّتي لمدّة 10 دقائق فقط، وتأكّدا من أنّني بخير، بدأوا بالنّحيب فورًا.
الآن، بينما تحطّم سلسلة نواتج التّنّين أرقامًا قياسيّة جديدة في مزادات “دوميل” التّاريخيّة.
عرفت أيضًا خبرًا لم أكن أريد معرفته، وهو أنّ التّوأم، اللّذين اشتريا نواتج التّنّين منّي، يحاولان بدء “أعمال تجاريّة جديدة” باستخدام أمنية حصلا عليها من دوق سبيروم.
“لذا، أريليل، عليكِ تحمّل المسؤوليّة ومساعدتنا.”
“في ماذا؟”
“في أعمالنا التّجاريّة!”
“سألتك، في ماذا؟”
بماذا عليّ أن أساعدهم، بحقّ خالق الجحيم!
رغم أسئلتي المتكرّرة، لم يقم التّوأم سوى بالإصرار على أنّني يجب أن أساعدهم.
من قام بطرد هذين التّوأم المزعجين هو بيسيون.
لقد طردهما بيسيون بحزم، بعد أن جاء لزيارتي وأحضر معه هدية عبارة عن صندوق موسيقى على شكل قفص طيور أصدرته “برج السحر” حديثًا.
“أنتما، مزعجان. اخرجا.”
لكن، هل هناك من يعرف لماذا ينبعث لحن “سوبر ماريو” من صندوق الموسيقى هذا؟
“أوه؟ ألم تصنعه البرج كجزء من البحث عن بطل لحدث ما؟”
“قيل إنّهم يبحثون عن شخص يعرف هذه الأغنية.”
ارتجفت.
‘يجب عليّ… أن أكون أكثر حذرًا.’
إنّ هوس “برج السحر” يرهقني.
انسوني. انسوني أرجوكم.
“أريلين.”
“نـ، نعم؟”
توتّرت تلقائيًّا لأنّ فيسيون، الذي كان يناديني دائمًا بـ “أريل”، ناداني باسمي بجدّيّة لسبب ما.
“هل تناولت وجباتك الثّلاث في وقتها؟”
“ربّما؟”
“هل نمتِ في وقتك؟”
“ربّما…؟”
“لماذا تمرضين مجدّدًا؟ لا تمرضي إلّا بإذني. هل ستمرضين مجدّدًا بمحض إرادتك؟”
وهل هذا بيدي؟
شعرت بالذهول، لكنني التزمت الصّمت بعد رؤية عيني بيسيون المليئتين بالدّموع.
شعرت أنّ هناك شيئًا ليس على ما يرام.
“أريلين.”
لماذا يناديني هكذا؟
وما الذي يخطّط للقيام به الآن؟
“لقد توصّل ‘مؤتمر أريلين الصّحّيّ السادس’ إلى نتيجة.”
“ما هي؟”
“يبدو أنّ أريلين بحاجة إلى المزيد من العضلات.”
“ماذا؟”
“إذا انهار قلبك، يمكنك التّمسّك به باستخدام عضلاتك!”
ماذا؟ ماذا تعني بهذا؟
“أليس لدى أريلين أعراض اكتئاب أيضًا؟”
أخرج بيسيون خطّة تمرين جديدة.
إذًا.
إذا أردت شرح وجهة نظر بيسيون…
“شيء جيّد لتحسين الاكتئاب؟”
“الرّياضة.”
“شيء جيّد لتحسين الحيوية المفقودة؟”
“الرّياضة.”
“شيء جيّد لتحسين اللّامبالاة؟”
“الرّياضة.”
“شيء جيّد لتحسين القدرات البدنيّة؟”
“الرّياضة.”
“شيء جيّد لتحسين الأرق؟”
“الرّياضة.”
“شيء جيّد لتصحيح القوام؟”
“الرّياضة.”
“شيء جيّد لإطالة العمر؟”
“الرّياضة.”
ابتسم بيسيون إشراقًا.
“لنمارس الرّياضة يا أريل!”
“هاه.”
يا لهذا العالم المعتوه المهووس بالرّياضة.
إلى أين تريدون توسيع هذا الكون؟
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.