الفصل 108
كانت الغرفة مظلمة لخلوها من النوافذ، فبدت الأبواب الثلاثة الضخمة وهي تنشر أضواءً مختلفة كأنها مشهد غامض ومخيف في آن واحد.
وعلى كل باب، طفت كلمات قصيرة بلغات مختلفة.
هل كُتبت بالسحر؟
المشكلة كانت…
“…… لماذا أستطيع قراءتها جميعًا؟”
حدقتُ في الأبواب بـ ارتياب.
كُتب عليها: [الأحمق]، [سيئ الحظ]، و[الإيجاب]، لذا كان من الصعب عليَّ التظاهر بعدم معرفة الإجابة.
بقلبٍ يملؤه الترقب، فتحتُ باب ‘الإيجاب’، لتظهر أمامي ثلاثة أبواب أخرى داخل تلك الغرفة.
هذه المرة أيضًا، وبنفس الطريقة، طفت حروف منسابة بالسحر، لكن الجمل أصبحت أطول.
[مَن يفتح هذا الباب هو غبيُّ العالم.]
[مَن يفتح هذا الباب سيُصاب بالصلع.]
[أمامك، توجد بركة.]
“صلع؟ كيف يضعون لعنة شريرة كهذه؟”
هل كان ذلك مجرد خيال، أم أن المانا المنبعثة من تلك الجمل كانت مزعجة بطريقة ما؟
“لكن حقًا، لماذا أستطيع قراءة هذا؟”
بالتفكير في الأمر، منذ أن استعدتُ ذكريات حياتي السابقة، لم أواجه أي صعوبة في قراءة أي شيء.
حتى جلبُ الكتب من المكتبة وقراءتها بنهم كان لأنني لم أشعر بأي عائق في القراءة…
‘أوه، بالحديث عن ذلك، أنا لم أتعلم القراءة والكتابة بشكل منفصل في هذه الحياة، أليس كذلك؟’
هل خضعتُ حقًا لـ ‘تحديث لغوي’ مفاجئ؟
بشعور من عدم الارتياح، فتحتُ باب ‘البركة’. لم تكن هناك بركة حقيقية، لكنني انتقلت إلى الغرفة التالية.
رغم أنني كنتُ أرغب في الإخفاق بسرعة، إلا أن اللعنات المكتوبة على الأبواب كانت تزداد صراحة وخبثًا وسخرية، لدرجة أن يدي لم تجرؤ على لمسها.
‘أعرف هذه الحروف. إنها لغة سوفير.’
كلما طالت الجمل، زادت صعوبة اللغات المستخدمة.
بدأت تظهر لغة حكام القديمة التي تُعد أساس السحر المقدس، وصولاً إلى لغة ‘سيلون’ التي تشكل أساس الدوائر السحرية.
لكنني، حتى تلك اللغات، استطعتُ قراءتها بسهولة.
“همم.”
أعتقد أنه يجب عليَّ الإخفاق عند هذا الحد.
بينما كنتُ أحدق في جمل اللعنات وأفكر أيُّها سيكون أهون، سُمع صوت…
طقطقة.
التفتُّ دون وعي نحو مصدر الصوت، فرأيتُ شعرًا ورديًا زاهيًا.
“أوه.”
“إيه.”
إنها كلوي.
ماذا تفعل هنا؟
لأنني لم أتوقع مقابلة أحد هنا، وقفتُ أرمش بعينيَّ بذهول، فكانت كلوي هي مَن بادرت بإلقاء التحية.
“مرحبًا؟”
“مرحبًا.”
يا لها من اجتماعية.
أمام ابتسامتها المشرقة، وجدتُ نفسي أبتسمُ معها قبل أن أجفل.
بسبب الألفة الداخلية التي اكتسبتها من الرواية، أشعر بالود نحوها، لكنني في الوقت ذاته أشعر بالارتباك… هل هذا بسبب نقصي؟
‘لو كانت كلوي في مكاني، لتصرفت دون أي تردد.’
لأنها ‘بطلة مشرقة’.
كنتُ أغبطها على شخصيتها المشرقة واللبقة، وعلى تصرفاتها التي لا تشوبها شائبة أو ظلال.
طوال حياتي لم أحسد أحدًا أو أشعر بالدونية أمام غيري، ولكن…
لسبب غريب، كلما وقفتُ بجانب كلوي، شعرتُ بالانكماش.
“لقد التقينا في القصر الإمبراطوري في المرة الماضية، صح؟”
“أجل. أعتقد ذلك.”
“أنا كلوي.”
“آريلين.”
أجل، كانت هذه النقطة تحديدًا، قدرتها على الاقتراب بسلاسة وسرعة.
إنه نفس الشعور الذي شعرتُ به تجاه بيسيون.
“لقد فوجئتُ حقًا! لقد دخلتُ لأن معلمي ألحَّ عليَّ لأجرب، ولم أتوقع أنني سأقابل أحدًا هنا!”
لماذا تتصرف هذه الفتاة بكل هذا الود معي ونحن لم نلتقِ سوى مرتين؟ هل هذه طبيعتها؟
كانت تنتمي لنوع من البشر يختلف تمامًا عني، أنا التي أحتاج لثلاثة لقاءات قبل أن أتمكن من بدء التحية.
أودُّ أن أكون مثلها.
‘لو كانت لدي مثل هذه الشخصية، هل كنتُ سأحظى بحب أمي…؟’
ابتسمتُ بوهن لفكرة خطرت ببالي عابرًا.
لقد كان افتراضًا بلا معنى الآن، لكن جزءًا ناقصًا بداخلي كان يضطرب كصدى بعيد.
لا بأس. فميهين أحبني حتى وأنا بهذا الشكل.
“لقد أتيتُ مع أصدقائي.”
“آه، فهمت!”
ابتسمت كلوي برقة.
كانت ابتسامة تجعل العالم يبدو أكثر إشراقًا.
“وصولنا إلى هنا يعني أننا نستطيع الشعور بالمانا! ربما نتمكن من أن نصبح ساحرتين.”
“ربما.”
كان شعورًا غريبًا أن أواجه شخصيتي المثالية التي أعرف أنني لن أتمكن من بلوغها حتى لو وُلدتُ من جديد.
هل كنتُ أريد أن أكون مثل هذا الشخص؟
“هل أنتِ ساحرة؟”
“أجل، أجل. التقيتُ بمعلمي في شتاء العام الماضي، وأنا الآن في فترة التدريب.”
راحت كلوي تحكي لي قصة لقائها بمعلمها بطريقة ممتعة، رغم أنني لم أسألها.
هل يحق لي حقًا الاستماع لمثل هذه القصص؟
بينما كنتُ أشعر بالتساؤل، كانت هذه هي المرة الأولى التي أتحدث فيها مع كلوي عن قرب، فاستسلمتُ لمشاعر غريبة.
لقد كان إعجابًا بعيد المنال شعرتُ به لأول مرة.
تذكرتُ كم مرة تمنيتُ فيها، وأنا أقرأ عنها في الرواية، لو كانت لدي شخصية كهذه.
‘لكن…’
أنا أعرف الآن.
أعرف تلك اللحظات التي كنتُ أختنق فيها للموت لأطابق مواصفات أمي المثالية، وأعرف لذة اللحظة التي يتم فيها قبولي كما أنا تمامًا.
“آه، أنا آسفة! هل كان كلامي مملاً؟ لقد تحمستُ كثيرًا لأنني لم أتوقع لقاء صديقة هنا.”
“لا بأس.”
“حقًا؟ آريلين، أنتِ لطيفة جدًا.”
قالت كلوي بحياء وهي تخفي وجنتيها المحمرتين.
“بما أن لقاءنا هذا صدفة عظيمة، سأخبركِ بسر واحد.”
“سر؟”
“يقولون إن مَن يجد ‘الغرفة السرية’ هنا سيحصل على كنز عظيم، كما سيحصل على فرصة ليصبح تلميذًا للساحر العظيم!”
“لهذا دخلتِ؟”
“أجل. قال معلمي إن فرصة كهذه قد تأتي مرة كل ألف عام، لذا أرسلني.”
وقفنا معًا بشكل طبيعي أمام الأبواب. سألت كلوي:
“أي باب ستختارين؟”
“أنا محتارة.”
بين أن أُخفق أو أستمر.
“إذن، هل يمكنني الاختيار أولاً؟”
“ماذا لو تبعتُكِ وقلدتُ اختياركِ؟”
سألتها بـ استغراب، فضحكت كلوي بصفاء.
“بمجرد أن يُفتح الباب ويُغلق، يتغير للأبواب الأخرى. لا تقلقي بشأن ذلك!”
“فهمت. إذن اختاري أولاً.”
“سأختار هذا! أشعر بمانا عظيمة تنبعث منه.”
فتحت كلوي الباب دون تردد.
“أراكِ لاحقًا!”
كما قالت كلوي، بمجرد إغلاق الباب تغيرت الجملة المكتوبة.
[لتقدسنا بالحقيقة.]
“همم…”
بالنظر إلى ذكر ‘الحقيقة’ وما شابه، يبدو أن هذا هو الخيار الصحيح.
“لكن هذا يثير فضولي.”
استدرتُ فجأة.
في زاوية الغرفة، كان هناك باب صغير يكاد لا يُلحظ.
باب كان يختفي إذا لم تدقق النظر، لكنه ظل عالقًا في عيني.
ولما لا يكون كذلك؟
“يقول [أنقذني]، تُرى ماذا عليَّ أن أنقذ؟”
لم يكن له مقبض، لكن بمجرد أن وضعتُ يدي عليه، فُتح الباب وكأنه كان ينتظرني، فابتلعتُ ريقي.
دخلتُ والريبة تملؤني.
وهناك، ضيقتُ عينيَّ أمام مساحة جديدة تمامًا تختلف عن كل ما رأيته حتى الآن.
“أوه؟ هذا المكان يشبه…”
***
ردهة الطابق الأول في برج السحر.
كان الأطفال متجمعين في انتظار شخص واحد.
“متى ستخرج آريل؟”
قال بيسيون وهو ينهي مشروبه الجديد. كان مشروبًا يُباع في برج السحر بطعم يشبه انفجار النجوم داخل الفم.
“حقًا، لقد تأخرت آريل.”
“هل تملك موهبة سحرية بشكل غير متوقع؟”
أما التوأمان اللذان انضما مؤخرًا، فقد دخلا وخرجا بسرعة البرق بعد إخفاقهما.
وكانت كلمات مكتوبة بلغة القارة تطفو فوق رؤوس جميع مَن أخفقوا.
فوق رأس بيسيون كُتب [مغفل]، وفوق رأس آرون [غبي]، وفوق رؤوس التوأمين [أبله] و[أحمق]، كانت الكلمات تلمض وتومض كأنها تأثيرات خاصة.
تذمر سيل بضيق:
“تبًا، إلى متى ستظل هذه الكلمات تلاحقنا؟”
هز بيسيون كتفيه:
“يقولون إنها تختفي بمجرد الخروج من برج السحر. وضعوها لتمييز مَن أخفقوا، لأن الكثيرين يرفضون الاعتراف بالخسارة ويطالبون بإعادة المحاولة.”
“هذا مزعج.”
بمجرد خروج آريلين، سأتخلص من هذه الكلمات المنحوسة فورًا.
بينما كان سيل يحدق في الكلمات الطافية فوق رأسه…
قررررررررر.
فجأة، اهتز مبنى برج السحر.
“أوه؟”
هل هو زلزال؟
في اللحظة التي تجمد فيها الجميع وحبسوا أنفاسهم…
تاراران تانتاران تان تان!
عزف مبهج سُمع من مكان ما جعل الجميع يفتحون عيونهم بذهول.
وفي الوقت ذاته، ضجَّ برج السحر فجأة بالصخب.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.