الفصل 229
“ما الذي تنوي فعله؟”
كان وجه دوق كاستراين مختلفًا تمامًا عما كان عليه قبل قليل.
عندما كان يتعامل مع تيتانيا، كان يبدو حتمًا وكأنه جد طيب القلب.
لو رآه أحد، لقال إن ذلك الرجل الذي عاش طوال حياته بوجه بارد وصلب كقطعة صخر، يمكنه أيضًا أن يعيش كجد يضحك ببساطة وهو يرى دلال أحفاده.
حتى مع رايموند، الذي عامله طوال حياته كـ وريث سيخلفه في واجباته وعائلته التي استمرت طوال حياته بدلاً من كونه ابنًا…….
حتى لو عامله بصارمة، لم يتصرف ببرود عن عمد. إذ لم يكن يخلو من الشفقة نحو الابن الذي تقبل واجباته دون شكوى واحدة حتى عندما كان صغيرًا جدًا.
عندما يموت المرء ويعود إلى الحياة، فإنه يتغير حتمًا، وكانت هذه المقولة الشائعة تنطبق على دوق كاستراين نفسه أيضًا.
زالت هيبته الحادة التي كانت كأنه يمشي على حد السيف كما في السابق، ولم يعد يضطرب حتى لو حدث شيء لا يعجبه.
أبناء عائلة كاستراين أيضًا شعروا بهذا التغير لدى أبيهم بشدة، وظنوا أنه ليس أمرًا سيئًا.
نعم، هكذا ظنوا.
“لا أفكر إلا في أنه من الحسن أن استرد والدي صحته.”
كان رايموند يبتسم.
كان ذلك عبر تقاطيع وجهه المعاكسة تمامًا لتعابير دوق كاستراين الصلبة. شعر أسود فاحم، وبشرة شاحبة، ولون ذهبي يلمع بشراسة بين نظرات عينيه اللتين ضقتا بسبب الابتسام.
“سألتك ما الذي تنوي فعله بالحقيقة.”
“هل أخبرك الكاهن الأعلى بالأمر بالفعل يا والدي؟ لكن لا عجب، فقد كان شخصًا عميق الإيمان بشكل خفي.”
“…ذلك الصديق إيليا هو الكاهن الأعلى. لقد كرس حياته كلها لإنقاذ الناس. ومع ذلك تنتقص من شخص كهذا.”
“بما أنك تسألني، فسأخبرك، نعم. أنا أنوي إحضار الجسد الأصلي لحاكم تشيرنوبوغ.”
“ماذا؟”
انذهل دوق كاستراين.
“إذا كان بمقدور الوحش أن يرتدي جسد إنسان ويصعد إلى الأرض، فقد يكون حاكم قادرًا على ذلك أيضًا، أليس كذلك؟ فهتى لو قتلنا الوهم وقمنا بتقييده، فلن تختفي هذه المعركة المملة ولا الوحوش على أي حال.”
“نحن نجد صعوبةً في قتل وحش واحد! ما هذا، هل تنوي سحب العالم السفلي بكماله إلى الأرض؟!”
“لا تسألني كيف أنوي إحضار ذلك الجسد الأصلي بالدقيقة.”
حدج دوق كاستراين في رايموند.
“بالإضافة إلى ذلك، لم أكن أعلم أنك ستسلم ذلك للاميرة تيتانيا. عادةً…. كنت أظن أنك ستحتفظ به حتى تموت.”
كانت نبرة رايموند غريبةً. وكأنه شاهد دوق كاستراين من قبل وهو يموت وهو يمسك بذلك الشيء أمام عينيه.
ومع رغم كل شيء، فقد غادرت تيتانيا فور انتهاء الاجتماع المنفرد مع الدوق وهي مسحوبة بيد بيبي بلا وعي، وهذا يعني أنه في هذه الفترة القصيرة قد تأكد مما أعطاها الدوق.
أو أنه كان يتوقع الغرض من ذلك الشيء؟
سحب دوق كاستراين أنفاسه دون أن يشعر.
في السابق، نعم.
كان دوق كاستراين يفتخر بأنه الأقوى في الإمبراطورية. حتى وهو مصاب.
لكن الأمر لم يكن كذلك الآن.
كان يعلم أن الابن الأكبر الذي كان يظن أنه يمكن الاعتماد عليه أكثر من أي شخص آخر، قد فقد الكلام منذ لحظة ما وبدأ يتصرف وكأنه جن في مكان ما، وأنه يختفي في بعض الأحيان دون كشف مكانه.
ومع ذلك، فقد وثق به.
لأنه لم يكن لديه خيار سوى الوثوق به.
ولكن، عندما يراه يبتسم بوجه جاف جدًا نحوه، كان يشعر بشعور مشؤوم.
‘هل “هذا” هو ابني الذي كنت أعرفه؟’
“…كانت أمك تعتقد أن قوة الظلام قد لا تستخدم للشر فقط. لذلك، معك ومع إخوتك…….”
“نعم. ربما تظهر طريقة جديدة لاحقًا، في يوم ما……. تمامًا كما لم يتوقع أي شخص ممن كانوا في ذلك المكان عندما تم تأسيس هيكل الحاجز الشمالي في عهد الإمبراطور الأول أن هذه الطريقة ستواجه مشكلةً.”
لم تحدث ثورة لتسقط الإمبراطورية أو لتؤسس عائلة إمبراطورية جديدة.
فمن كان يعلم أن العائلة الإمبراطورية التي استمرت لأجيال ستصاب بالخراب وتهمل الحاجز الشمالي الذي يعد حبل نجاتهم.
حسنًا، حتى لو كان أتباع تشيرنوبوغ قد تسللوا بشكل خفي هنا وهناك لتزوير الشائعات وتأجيجها، فإن الناس في الأصل، والجماهير، يميلون إلى تصديق ما يريدون تصديقه.
كان الوضع في الإمبراطورية مفزعًا.
أعداء الأمير بريان كانوا يقتلون.
بالتحديد، أولئك الذين أدركوا الخلل.
هل كان ذلك لأنهم تأكدوا من غياب تيتانيا؟ أم لأنها حتى لو لم يكن الأمر كذلك فقد تظاهرت بالموت رسميًا، فلن تستطيع الظهور أمام الإمبراطور لتقول إن بريان مخلوق دنس ملوث بالطاقة الشريرة؟
حتى الآن كانوا يلزمون الحذر، لكنهم بدأوا يشعرون بأنه لا داعي للصبر بعد الآن. كان الإمبراطور يدعم بريان بشكل صريح وفي الوقت نفسه ينتهز الفرصة للتخلص من إيدريان.
ربما قريبًا.
وبمجرد أن ينفجر الأمر مرةً واحدةً، فإن الأمور ستتغير كثيرًا.
تذكر رايموند ذلك وضحك بصوت منخفض. كان صوتًا منخفضًا ومظلمًا كأنه قادم من الجحيم.
“لم يكن ينبغي اختيار طريقة غبية كهذه منذ البداية.”
“…رايموند، أنت.”
“لقد جعل الإمبراطور المرأة التي كُنت أحبها جدًا أضحية وهي على قيد الحياة. ثم اتخذ امرأةً أخرى إمبراطورةً وجعل ذريته تزدهر حقًا. القضية الكبرى من أجل الإمبراطورية؟ التضحية؟”
لا تجعلني أضحك.
القديسة التي أحبت الإمبراطور بصدق، والتي اختارها حاكم النور مع الإمبراطور، لم يبق لها في التاريخ سوى اسم واحد بكد، وأصبحت المركز الأساسي للحاجز. ولم يبق من أثرها سوى <شارة غلوريانا>.
أما الإمبراطور، فحسنًا. وفقًا للقصص الشعبية، يقال إنه كانت هناك امرأة يشتاق إليها طوال حياته.
تلك القصص الشعبية التافهة.
“تلك الأمور التافهة، لا معنى لها على الإطلاق، أليس كذلك؟”
على غير عادة رايموند، كان الغضب يتصاعد في ذلك الصوت.
كان من الأفضل أن يموت هو نفسه.
عندما يفكر رايموند في الإمبراطور الأول الذي ألقى بحبيبته في الوحل واتخذ امرأةً أخرى إمبراطورةً وأنجب منها عدة أطفال وبقي كحاكم عظيم، كان يشعر بالغضب يتصاعد لدرجة أنه يريد كسر عنقه.
إذا كانت ثمينةً إلى هذا الحد، كان ينبغي أن يموت هو بدلاً منها.
ومع ذلك، هل كان يتوقع أن الأطفال الذين أنجبهم سيحمون الحاجز بإخلاص في المستقبل ولن يحسدوا أو يغاروا من أتباعه وسيحفظون قوة حاكم ؟ وأن نور الإمبراطورية لن ينطفئ إلى الأبد بعد عشرات أو مئات السنين؟
إنه غرور شديد.
وتلك الثغرة في ذلك الغرور، بدأت تكبر شيئًا فشيئًا مع مرور السنين كما تتدحرج كرة الثلج على أرض ثلجية، حتى أصبحت في النهاية انهيارًا ثلجيًا يضرب الإمبراطورية نفسها.
وكلما فكر رايموند في تيتانيا التي ستلقي بجسدها دون تردد تحت ذلك الكوم من الثلج، كانت عيناه تظلمان.
رايموند يعرف مشهد سقوط شيء ثمين أمام عينيه.
كان مشهدًا يبدو أنه لن يتبلد أبدًا حتى لو مر به عشرات أو مئات المرات.
رأى أيضًا النظرة التي تخلت عن الحب، والحسرة، وكل شيء وهي تموت. في المشاهد التي تتكرر مرات ومرات، كلما أمسك بمعصم المرأة النحيف، كان نفسه ينقطع معها.
عاش هكذا من أجل حماية الجميع، وحماية عائلته. وظن أن هذا هو الشيء الوحيد…… الذي ينبغي عليه فعله، وبما أنه العمل المسند إليه، كان يجب عليه أن ينجزه على الأقل.
ولكن في النهاية الأخيرة، وبسبب طفرة واحدة من تعابير ذلك الوجه الساخر للمرأة الصغيرة، بدأ يشعر أنه لا يهم حتى لو مشى مرةً أخرى في الطريق المليء بالدماء الذي سار فيه.
حتى لو غرق جسده كاملاً في ذلك الماء القذر المليء بالرائحة الكريهة والمختنقة وغرق وهو حي…….
إذا استقرت أرض صلبة فوق ذلك الماء القذر وجاء الربيع الجديد وداست تلك المرأة بقدميها الحافيتين على البراعم الجديدة، فلن يهمه حتى لو لم يستطع الخروج من ذلك الماء القذر طوال حياته حتى كعظام بيضاء.
لذلك كان رايموند ينظر إلى تيتانيا، التي جاءت بقدميها إلى عائلة كاستراين وهي تبتسم بشكل غير متقن قليلاً، وهو يتراجع خطوةً إلى الوراء وكأنه يثبت المشهد في عينيه.
لن يكشف عن هذه المشاعر كما هي أبدًا.
تيتانيا حتمًا، بعد أن أخذت الحاجز في يدها، ابتعدت عن عائلة كاستراين لبضع سنوات بموقف مختلف عن السابق، وتظاهرت بالموت واختفت بإصرار، لكنه لم يكن يعلم إلى أي حد تتذكر الماضي.
كله؟ حسنًا. إذا كان كله…….
“…لن يكون هناك أي ضرر يلحق بالإميرة تيتانيا.”
كان من الطبيعي أن يحذر دوق كاستراين من رايموند.
بل كان ذلك أفضل. وكان من الحسن أيضًا أنه كان شخصًا لن يتردد في قتل رايموند إذا تحول إلى وحش، حتى لو كان ابنه المبارك.
حسنًا، ريسيانثوس أيضًا لن يتردد. وربما تيتانيا…….
هل ستبكي؟
هل ستبكي هكذا مرةً أخرى بسببي هذه المرة؟
‘أنا، أنا، أحب رايموند، أكثر من أي شيء في العالم…….’
في السابق، عندما كان يتذكر ذلك المشهد، كان يشعر وكأن شخصًا ما يطعن صدره بإبرة. الآن كان الأمر مشابهًا، لكنه كان مختلفًا قليلاً.
‘أيّ شخص… أنا…’
تذكر مظهرها وهي تنكمش بجسدها كله وتبكي. كانت قطرات الدموع تتساقط قطرةً قطرةً على الرمل.
أراد أن يعانقها. أراد أن يعزيها.
أراد أن يقول لها إنه سينقذها هي بالذات، وأنه مهما حدث للعالم، فإنه هو وحده سيتذكرها.
لكنه لا يستطيع فعل ذلك.
لذلك ارتدى رايموند جلد التمساح وأسقط دموعًا كاذبةً ومخادعةً. هو نفسه كان يعتقد أنها خداع كاف.
الآن، حسنًا. بدأ يفكر هكذا.
حتى لو خسرته، هل ستبكي تيتانيا هكذا وكأنها خسرت العالم؟
…حسنًا، هذا أمر لا يمكن معرفته.
فمن وجهة نظر تيتانيا التي استعادت كل ذاكرتها، سيكون رايموند مجرد رجل بارد القلب استخدم تيتانيا كوسيلة مرات ومرات فقط لإنقاذ عائلته.
على أي حال، لم يكن بمقدوره تغيير البداية.
لا يمكن العودة إلى الوقت الذي التقى فيه الخطيب والخطيبة الصغيران والأبرياء للمرة الأولى ليتمسكا بأيديهما بقلوب نقية ويتواعدا على المستقبل.
ولكن، حسنًا. مهما كان الماء القذر الذي سيبتلعه ويرتشفه مثيرًا للغثيان، فإذا كان يحتوي على بضع قطرات من دموع تيتانيا، فقد كان أمرًا يمكن تحمله بشكل كاف. بل كان يبدو وكأنه صفقة رابحة أيضًا.
“إذن ماذا عنك؟”
تعجب رايموند غريزيًا. كما هو متوقع من أبيه. إنه يدرك الجوهر في كل مكان.
بوجه تعلقت عليه ابتسامة شبه ممحوة، نظر رايموند إلى أبيه قبل أن يستدير. نظر إلى العجوز الذي تشوه وجهه وكأنه يواجه عدوًا لا يمكن العثور على نقطة ضعف له.
“حسنًا، أنا أعتقد أنها صفقة رابحة بالنسبة لي.”
صرير، طق.
تردد صدى صوت إغلاق الباب لفترة طويلة بشكل خاص.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.