الفصل 259
الفصلُ 259
********
تحدثَ باركاسْ بلهجةٍ غيرِ مباليةٍ وهوَ يعتدلُ في وقفتِهِ بعدَ أنْ أفلتَ ذراعَ لوكاسْ.
“لقد تحسنتْ مهاراتُكَ كثيرًا في هذهِ الأثناءِ.”
“هذا يشبهُ توجيهَ ضربةٍ ثمَّ التربيتَ للمواساةِ.”
تذمرَ لوكاسْ وهوَ يدلكُ مفصلَ كتفِهِ.
أنهضَ باركاسْ شقيقَهُ الصغيرَ، ثمَّ أومأَ برأسِهِ نحوِ الكاهنِ الذي كانَ ينتظرُ خارجَ ساحةِ النزالِ.
“عالجْ هذا الفتى.”
“ألا يجبُ أنْ تتلقى العلاجَ أنتَ أيضًا يا أخي؟”
قالَ لوكاسْ وهوَ يلمحُ جانبَ فمِهِ.
أخذَ باركاسْ سيفَ التونكا منْ الفارسِ التابعِ وعلّقَهُ على كتفِهِ، ثمَّ مسحَ أثرَ الدمِ المتخثرِ على طرفِ شفتِهِ بإبهامِهِ وأجابَ كأنهُ أمرٌ لا يستحقُ الاهتمامَ.
“تلقي سحرِ الشفاءِ لأجلِ شيءٍ كهذا هوَ إسرافٌ. لا تشغلْ بالَكَ بهِ.”
يبدو أنَّ تلكَ الكلماتِ قد خدشتْ كبرياءَهُ، فجعدَ لوكاسْ أرنبةَ أنفِهِ، ثمَّ نقرَ بلسانِهِ هازئًا، وقفزَ فجأةً منْ فوقِ السياجِ.
وبعدَ ذلكَ، دفعَ بخفةٍ الكاهنَ الذي اقتربَ ليعالجَهُ، وسارَ مسرعًا عبرَ الجنودِ.
بينما كانتْ تتطلعُ إلى ذلكَ المشهدِ بشرودٍ، شعرتْ بنظرةٍ باردةٍ.
التفتتْ تاليا دونَ وعيٍ، فتصلبَ كتفاها رعبًا عندما تلاقتْ عيناها بالعينينِ الزرقاوينِ اللتينِ تنظرانِ إليها منْ الأسفلِ.
سقطَ قلبُها هابطًا، كأنَّ تلكَ النظراتِ قد أدركتْ كلَ شيءٍ عنْ مراقبتِها للموقفِ بقلقٍ منْ هذا المكانِ.
تراجعتْ تاليا بخطواتٍ مترددةٍ دونَ وعيٍ، وعندما رأتْ أنهُ يخطو خطوةً نحوَها، استدارتْ على عجلٍ.
“لقد شاهدتُ بما فيهِ الكفايةُ. لنذهبْ إلى مكانٍ آخرَ الآنَ.”
وبعدَ ذلكَ، أمسكتْ بكمِ تيورانْ بيدٍ واحدةٍ، ونقلتْ خطواتِها على طولِ السلالمِ الحجريةِ المحيطةِ بساحةِ التدريبِ.
ولمْ تلتفتْ إلى الوراءِ خلسةً إلا بعدَ أنْ ابتعدتْ مسافةً ما عنْ ساحةِ النزالِ، فرأتْ ظهرَهُ وهوَ يغادرُ ساحةِ النزالِ متوجهًا نحوَ المبنى الرئيسيِ لساحةِ التدريبِ.
يبدو أنَّ رغبتَهُ في ملاحقتِها قد تبددتْ تمامًا بسببِ تهربِها الواضحِ.
تغيرَ لونُ وجهِها بسبِ شعورٍ لمْ تعرفْ إنْ كانَ راحةً أمْ خيبةَ أملٍ.
لاحظتْ تيورانْ حالَتَها، ففتحتْ فمَها بحذرٍ وقالتْ.
“لديَ مرهمٌ فعالٌ للجروحِ. ما رأيُكِ في الذهابِ وإعطائِهِ للدوقِ الأكبرِ؟”
أخرجتْ منْ داخلِ جيبِ ردائِها حاويةً صغيرةً مصنوعةً منْ عظامِ الحيواناتِ ومدتْها نحوِها.
نظرتْ تاليا إلى الأسفلِ نحوها وهيَ تعضُ شفتَها، ثمَّ أدارتْ رأسَها فجأةً وأجابتْ بجفاءٍ.
“اذهبي أنتِ وسلميهِ لهُ. سأعودُ إلى غرفتي لأرتاحَ الآنَ.”
“……إذنْ سأخبرُهُ أنَّ سموَّكِ منْ أرسلَهُ.”
“لا تفعلي شيئًا عديمَ الفائدةِ!”
برزَ الشوكُ فجأةً في صوتِ تاليا.
حدقتْ بتيورانْ بنظراتٍ مليئةٍ بالاستياءِ.
“إذا نطقتِ بكلمةٍ واحدةٍ عني لذلكَ الرجلِ، فلنْ أسامحَكِ.”
“……أنا آسفةٌ إنْ كانَ هذا تطفلًا تجاوزَ حدودي.”
فضلتْ الأخرى خفضَ عينيها وانحنتْ برأسِها بأدبٍ.
شعرتْ بذنبٍ طفيفٍ لرؤيةِ ذلكَ الموقفِ، لكنَّ تاليا أطبقتْ شفتيها عنْ عمدٍ واستدارتْ ببرودٍ.
“اذهبي وسلمي المرهمَ. سأذهبُ لأستنشقَ بعضَ الهواءِ النقيِ بمفردي قبلَ الذهابِ.”
وبعدَ ذلكَ، وقبلَ أنْ تتمكنَ تيورانْ منْ الإجابةِ بأيِ شيءٍ، خطتْ خطواتِها نحوَ بوابةِ القلعةِ الداخليةِ.
وما إنْ عبرتْ المدخلَ المقوسَ حتى ملأَ بصرَها مشهدُ الحديقةِ المشرقةِ حيثُ تتكسرُ أشعةُ شمسِ الصيفِ القويةِ إلى أجزاءٍ صغيرةٍ.
بينما كانتْ تعبرُ ببطءٍ منْ بينِها، بدأَ كانْ، الذي كانَ مستلقيًا بهدوءٍ كدميةٍ، في التخبطِ فجأةً.
يبدو أنهُ سئمَ منْ كونِهِ محاصرًا بينَ ذراعيها.
أنزلتْ كانْ أمامَ ممرِ المشاةِ.
“هلْ تريدُ السيرَ على أقدامِكَ الأربعةِ منْ هنا؟”
انتصبَ أذنا الذئبِ كأنما يستجيبُ لصوتِها، واستدارَ على الفورِ راكضًا بسرعةٍ نحوِ حوضِ زهورِ القطيفةِ الكثيفةِ.
تفاجأتْ تاليا منْ تصرفِهِ المفاجئِ، وفي اللحظةِ التي حاولتْ فيها حملَ الذئبِ مرةً أخرى، اقتربَ كانْ وهوَ يهرولُ بعدَ أنْ قضمَ ساقَ زهرةِ القطيفةِ واقتطفَ حفنةً منْ الزهورِ.
بدتْ على وجهِ تاليا ابتسامةٌ مشرقةٌ بسببِ مظهرِ كانْ اللطيفِ وهوَ يهزُ ذيلَهُ يمنةً ويسرةً ممسكًا بباقةِ الزهورِ الصفراءِ الزاهيةِ في فمِهِ.
“هلْ تعطيني إياها؟”
أنزلَ الذئبُ الزهورَ عندَ قدميها كأنهُ يجيبُ على سؤالِها.
التقطتْ تاليا باقةَ زهورِ القطيفةِ التي سُحقتْ سيقانُها.
هلْ تذكرَ ما تحدثتْ بهِ عنْ هذهِ الزهرةِ في المرةِ السابقةِ؟
قد يكونُ مجردَ مصادفةٍ، لكنَّ قلبَها تأثرَ كأنَّ الذئبَ قد فهمَ مشاعرَها.
“شكرًا لكَ.”
عندما قبلتْ جبهةَ الذئبِ تعبيرًا عنْ امتنانِها، اهتزَ ذيلُ الذئبِ بسرعةٍ أكبرَ.
ضحكتْ تاليا وهيَ تنظرُ إلى ذلكَ المظهرِ، ثمَّ رفعتْ كانْ عاليًا وقبلتْ وجهَهُ الناعمَ مرارًا وتكرارًا.
كانتْ تستطيعُ دائمًا أنْ تكونَ صادقةً معَ كانْ.
ولكنْ لماذا كانَ هذا الأمرُ صعبًا للغايةِ معَ الآخرينَ؟
نظرتْ منْ فوقِ كتفِها نحوَ بوابةِ القلعةِ الداخليةِ المتصلةِ بساحةِ التدريبِ.
ثارتْ آلامٌ حادةٌ في صدرِها عندما تذكرتْ العينينِ الهادئتينِ اللتينِ كانتا تنظرانِ إليها.
هلْ سيأتي يومٌ أستطيعُ فيهِ إظهارَ مشاعري لهُ بصدقٍ ذاتَ يومٍ؟
استسلمتْ للأفكارِ العقيمةِ، ثمَّ سرعانَ ما أطلقتْ ضحكةً مريرةً واستدارتْ للمغادرةِ.
* * *
في النهايةِ، لمْ تحضرْ تاليا مأدبةَ الوداعِ.
في المقامِ الأولِ، لمْ تكنْ تملكُ الشجاعةَ لمواجهةِ باركاسْ، ولكنْ معَ حلولِ المساءِ، اشتدَ الألمُ في ساقِها لدرجةِ أنها لمْ تتمكنْ منْ مغادرةِ الفراشِ على الإطلاقِ.
بعدَ أنْ تقلبتْ حتى وقتٍ متأخرٍ منْ الليلِ، انتهى بها الأمرُ بتناولِ مسكنِ الآلامِ الذي صنعتْهُ ماريسينْ، ونامتْ كأنها غائبةٌ عنْ الوعيِ.
عندما استعادتْ وعيَها مرةً أخرى، كانَ الفجرُ قد بزغَ بالفعلِ خارجَ النافذةِ.
نظرتْ تاليا إلى السماءِ بوجهٍ مذهولٍ، ثمَّ نهضتْ على عجلٍ واقتربتْ منْ النافذةِ.
استطاعتْ أنْ ترى العشراتِ منْ المحاربينَ الفرسانِ المستعدينَ للمغادرةِ وهمَ يصطفونَ أمامَ بوابةِ القلعةِ.
حدقتْ تاليا بنظراتٍ ثاقبةٍ في مظهرِ باركاسْ الواقفِ أمامَهمْ، ولفّتْ فجأةً شالًا رقيقًا حولَ كتفيها.
وبعدَ ذلكَ، حبستْ كانْ الذي كانَ يحاولُ لحاقَها داخلَ الغرفةِ، وركضتْ بخطواتٍ عرجاءَ عبرَ الرواقِ المظلمِ.
وما إنْ صعدتْ إلى برجِ القلعةِ عبرَ الممرِ المتصلِ بالطابقِ الثاني للقلعةِ الخارجيةِ، حتى عصفتْ الرياحُ العاتيةُ بجسدِها بضراوةٍ.
لمْ تهتمْ تاليا بالرياحِ التي كانتْ تعبثُ بشعرِها بجنونٍ، واقتربتْ منْ سورِ القلعةِ.
وعندئذٍ، ظهرَ مظهرُهُ بوضوحٍ أكبرَ منْ خلالِ الفتحةِ.
راقبتْ تاليا ما كانَ يوجهُهُ منْ تعليماتٍ لمساعدِهِ، ناسيةً حتى كيفَ تتنفسُ.
بدا باركاسْ الواقفُ في ضوءِ الفجرِ الشاحبِ جميلًا بشكلٍ ساحقٍ.
تدفقَ الفجرُ المائلُ إلى الزرقةِ على طولِ خطِ فكِهِ الحادِ، وكتفيهِ العريضينِ، وظهرهِ الرحبِ.
على الرغمِ منْ أنهُ كانَ يرتدي درعًا شرقيًا خشنَ الشكلِ، إلا أنهُ بدا نبيلًا وأنيقًا للغايةِ.
بينما كانتْ تطبعُ ذلكَ المظهرَ المهيبَ في أعماقِ شبكيةِ عينِها، رفعَ رأسَهُ كأنهُ شعرَ بنظراتِها.
حاولتْ تاليا إخفاءَ جسدِها بشكلٍ انعكاسيٍ، لكنها غيرتْ رأيَها سرعانَ ما واجهتْ نظراتِهِ مباشرةً.
كانَ في عيني باركاسْ ضوءٌ غريبٌ لمْ تستطعْ فهمَهُ.
بينما كانتْ تحاولُ استيعابَ حقيقةِ تلكَ العاطفةِ، سحبَ نظراتِهِ وقفزَ فجأةً ليعتليَ سرجَ الحصانِ.
تلى ذلكَ دويُ صوتِ البوقِ المرتفعِ الذي يعلنُ عنْ انطلاقِ الدوقِ الأكبرِ، وفُتحتْ بوابةُ القلعةِ على مصراعيها.
نظرتْ تاليا بشرودٍ وهوَ يبتعدُ في الفجرِ الأزرقِ.
“انتبه لـنفسِكَ يا باركاسْ.”
“يجبُ أنْ تعودَ سالِمًا بالتأكيدِ.”
ترددَ صدى الكلماتِ التي لمْ تستطعْ إيصالَها في النهايةِ بشكلٍ فارغٍ في مهبِ الرياحِ.
بعدَ رحيلِهِ، لمْ تستطعْ الخروجَ منْ حالةِ الاكتئابِ لفترةٍ منْ الوقتِ.
حتى وجودُ كانْ لمْ يستطعْ ملءَ الفجوةِ التي نشأتْ في صدرِها تمامًا.
وحدهُ بريقُ عينيِهِ اللتينِ كانتا تنظرانِ إليها وظهرُهُ المبتعدُ كانا يلوحانِ في ذهنِها.
شعرتْ بالاشمئزازِ منْ نفسِها لأنها خافتْ كالحمقاءِ ولمْ تنطقْ بكلمةٍ واحدةٍ، وشعرتْ بالاستياءِ منهُ أيضًا لأنهُ لمْ يقتربْ منها في النهايةِ.
كانتْ تعلمُ أنهُ شعورٌ غيرُ عادلٍ.
أليستْ هيَ منْ دفعتْهُ بعيدًا أولًا؟
بأيِ وجهٍ تتمنى أنْ يقتربَ منها أولًا، وهيَ التي صبتْ كلماتٍ قاسيةً على باركاسْ الذي اعتنى بها بتفانٍ؟
ربما لنْ تعودَ العلاقةُ بينَهمْ إلى سابقِ عهدِها أبدًا.
“سموَّكِ، ألا تودينَ الخروجَ خارجَ القلعةِ اليومَ؟”
بينما كانتْ تجلسُ على سريرِ كوخِ تيورانْ وتقلبُ صفحاتِ الكتابِ بشرودٍ، تحدثتْ تيورانْ فجأةً.
نظرتْ إليها تاليا بتعبيرٍ متفاجئٍ، ثمَّ هزتْ كتفيها بتعبيرٍ فاترٍ.
“هلْ نسيتِ أنني في حالةٍ لا أستطيعُ فيها الحراكَ دونَ إذنٍ منْ باركاسْ؟”
“إنَّ التجولَ في المدينةِ المحصنةِ برفقةِ حرّاسٍ هوَ أمرٌ سيوافقُ عليهِ الدوقُ الأكبرُ بكلِ سرورٍ. سموَّكِ هيَ سيدةُ هذا الشرقِ، وليستْ سجينةً.”
قالتْ تيورانْ بنبرةٍ صارمةٍ على غيرِ عادتِها.
عقدتْ تاليا ما بينَ حاجبيها وحدقتْ فيها بنظراتٍ حادةٍ.
“لا أعتقدُ أنَّ باركاسْ يعاملُني كسجينةٍ. كلُ ما في الأمرِ أنَّ ذلكَ الرجلَ يحاولُ حمايتي فقطْ.”
“……أنا آسفةٌ إنْ كنتُ قد تسببتُ في إزعاجِكِ.”
طأطأتْ برأسِها على الفورِ.
نظرتْ تاليا إليها بنظراتٍ غيرِ راضيةٍ، ثمَّ أغلقتْ الكتابَ وأنزلتْ ساقيها أسفلَ السريرِ.
“لماذا تقدمينَ مثلَ هذا الاقتراحِ فجأةً؟”
“لقد حانَ الوقتُ الذي سيُقامُ فيهِ مهرجانُ الخريفِ قريبًا. وبما أنَّ الفعالياتِ المتنوعةِ قد بدأتْ في الشوارعِ، فقد فكرتُ في أنَّ سموَّكِ قد تتمكنينَ منْ تغييرِ مزاجِكِ…….”
**********
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
حساب الانستا : Maxi_mine06
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.