مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 119نحو 4 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 119

119

الفصل 119

 

“هل أنتِ متأكّدة حقًّا أنّكِ لن تندمي؟”

 

قالها باركاس بصوتٍ مشدود، كأنّ شيئًا ثقيلًا يُطبَق على صدره.

 

ما إن لمح في وجهي أقلّ تردّد، حتى خفتُ أن يتراجع فجأة، فهززتُ رأسي بسرعة.

 

ظلّ يحدّق في عينيّ طويلًا، نظرة ثابتة كأنّه يحاول أن يفهم ما أخفيه. ثم، وبعد صمتٍ امتدّ كخيط مشدود، وضع يده حول خصري وساعدني على الوقوف. 

 

تمسّكتُ بطرف ثوبه من غير تفكير.

 

تدحرج زرّان من ثيابه على الأرض بصوت “طق طق”، فتبعتُهما بعينيّ قبل أن أشعر بملمس السرير خلفي.

 

رفعتُ نظري إليه، قلقة.

 

جلس باركاس أمامي، وأخذ يرتّب ياقة قميصه التي انفرطت قليلاً. بدا عليه التوتر، كأنّ كلّ حركة منه محسوبة.

 

لمعت ألسنة النار في المدفأة، فانعكست ظلال دافئة على وجهه القويّ، وجعلته يبدو أكثر بشرية ممّا اعتدته. خفق قلبي بقوة رويدًا رويدًا.

 

خفضتُ بصري، فاقترب ولمس وجنتيّ بيديه برفق، يرفع رأسي إليه كمن يريدني أن أواجه قراري بوضوح.

 

“لا يزال هناك وقت. إن أردتِ أن أخرج الآن، سأفعل.”

 

كان صوته يخفي شيئًا يشبه الخوف … أو ربّما التوتر.

 

شدّدتُ قبضتي على ثوبه وقلتُ بصوت خافت: “لن أتراجع.”

 

رجوته في أعماقي ألا يسأل أكثر … لكن الكلمات بقيت حبيسة حلقي.

 

وضع يده على مؤخرة عنقي، فانتفضتُ رغمًا عني من شدّة التوتّر. كان ينظر إليّ مترقّبًا، يحاول أن يتأكد من أنّني ما زلتُ ثابتة على موقفي.

 

ثمّ مدّ يده نحو الزرّ الأعلى في فستاني، يلمسه فقط دون أن يفتحه، وكأنّه يمنحني فرصة ثانية للرفض.

 

انحبس نفسي.

 

رأى توتّري، فسحب يده ببطء شديد، وسمعتُه يهمس: “لا بأس. لن أفعل شيئًا يزعجكِ.”

 

رفعتُ رأسي قليلاً.

 

كان في عينيه انعكاس نارٍ وقلق، وكأنّه يخشى أن يخطو خطوة واحدة في الاتجاه الخطأ.

 

قلتُ متردّدة: “هل … هل يمكنك إطفاء الأضواء؟”

 

بقي ساكنًا لحظة، ثمّ وقف مطيعًا وأطفأ الشموع المنتشرة في الغرفة.

 

غمر الظلام المكان.

 

لكنّي لم أشعر بالراحة بعد. أشرتُ نحو المدفأة.

 

“وتلك أيضًا…”

 

تقدّم إلى المدفأة وأغلق غطاءها، فانطفأ وهجها الأخير.

 

حلّ صمتٌ ثقيل، وفجأة صار الظلام كثيفًا للغاية.

 

تنفّستُ بعمق، محاوِلة جمع أعصابي.

 

“الآن … اقترب.”

 

لكن لم يصلني أيّ صوتٍ يدلّ على تحرّكه.

 

تردّدتُ لحظات، ثم ناديتُ متوترة: “باركاس؟ أنت هنا؟”

 

زاد الظلام ثِقَلاً، كأنّه يبتلع صوتي.

 

وحين بدأتُ أشعر بالقلق الحقيقي، هبط أحد جانبي السرير فجأة.

 

مددتُ يدي مذعورة نحو الظِلّ الذي ظهر أخيرًا.

 

لم يعد لديّ ترف الحفاظ على مظهري الهادئ.

أحطتُ عنقه بذراعيّ، فقط لأتأكد أنّه ليس بعيدًا.

 

“أرجوك … ابقَ هنا.”

 

بعد أن هدأت رجفتي، همستُ بصوت متعب.

 

أنزلني باركاس برفق على الفراش، وكان صامتًا كليًّا، كأنّ الظلام كبَح كلّ الكلمات التي قد يقولها.

 

رفعتُ نظري إليه، ولم أرَ إلا ظلّه.

 

لامست يده الساخنة جبيني البارد. فارتعدتُ من فرق الحرارة وحده.

 

حين أمسك بطرف فستاني، انتفضتُ بسرعة وخفتُ من أن يسحبه.

 

قلتُ بصوت مرتعش: “لا… لا تلمس ملابسي. دعها كما هي.”

 

توقّف مباشرة، دون جدال، كأنّ كلمتي وحدها كانت كافية.

 

“…أتريدين أن أكون قريبًا، فقط هكذا؟”

 

كانت نبرته منخفضة، خالية من أيّ سوء فهم، فقط سؤال صريح.

 

همستُ: “نعم. هذا كلّ شيء.”

 

سحب يده بعيدًا، ثم مددتُ ذراعيّ نحوه.

 

اقترب ببطء، يستمع لأنفاسي، ويحرص ألا يربكني.

 

حين لامس جبينه جبيني، شعرتُ بدفء هادئ يتسلل إلى صدري.

 

شدّدتُ على كتفيه: “عانقني هكذا … لا أكثر.”

 

التفّت ذراعاه حولي بحنان لم أتوقعه منه يومًا.

شعرتُ بقلبه يخفق قرب أذني، ثابتًا ومطمئنًا.

 

لم يكن الأمر مؤلمًا ولا مقلقًا؛ كان أشبه بمساحة آمنة وسط عاصفة.

 

أغمضتُ عينيّ، فلامستُ بيدي كتفيه وأحسستُ بتوتر عضلاته، كأنّه يقاتل رغبة في التراجع خشية إيذائي.

 

تمسّكتُ به أكثر، فخفّف من توتره تدريجيًّا، وبدأتُ أشعر بأنفاسه المسترخية تتزامن مع أنفاسي.

 

بقي على هذا الشكل طويلًا، يحتويني بصمت.

 

ومع الوقت، أصبح قربه يبدّد كلّ الخوف الذي التهمني في البداية.

 

كان حضوره ثابتًا، لا يطلب شيئًا، ولا يدفعني لشيء، فقط يحميني بذراعيه.

 

لم تُسمع في الغرفة سوى همساتٍ مقطوعة وأنفاسٍ دافئة، ثمّ صمتٌ مطمئن خفيف … ذلك النوع من الصمت الذي لا يحدث إلّا بعد ليلة تتغيّر فيها أشياء كثيرة من دون أن يُقال شيء صريح.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.