الفصل 53: الوليمة (8)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
{سكررت! سكررت!}
انتزع جين الأوراق من يد بوفار ومزّقها إلى أربع قطع. كانت الكومة السميكة تتفتت بسهولة كما لو كانت قطعة قماش رقيقة.
“يبدو أن حضرة الضيف بحاجة إلى تأديب.”
“هاه…؟”
اتسعت عينا بوفار وهو يحدّق في جين بذهول، غير مستوعب سبب ردة فعله.
وتلك النظرة الغبية المليئة بالدهشة على وجهه لم تزد جين إلا غضبًا.
“لا يكفي أنه تفوّه باسم الأخت الكبرى باستهتار، بل يريد أن يصبح زوجها أيضًا؟”
لو لم يكونوا داخل قاعة الوليمة، لاقتلع جين لسان هذا الضيف من فمه على الفور.
لقد لمّح بوفار بكلماته إلى إهانة للونا رونكاندل، بل أساء إلى عائلة رونكاندل كلها. لا يجرؤ أحد على التفوّه بهذا الشكل عنهم، إلا إن كان من العائلة الإمبراطورية الفرمونتية.
وبالطبع، لم يكن بوفار يضمر نية الإساءة. المشكلة أنّه كان بليدًا، بطيء الفهم على نحوٍ ميؤوس منه.
“هاها، ما لك تتصرف هكذا يا صهري… أقصد، أيها السيّد النبيل؟”
خرجت من فمه كلمة “صهري” مرة أخرى عن غير قصد، وكاد جين يسدد لكمة مباشرة إلى وجهه في تلك اللحظة. لكنه أغلق عينيه، وكتم غضبه، ثم رفع يده ونادى فرسان الحراسة.
“اسحبوه إلى الساحة.”
“أمرك، أيها السيّد الشاب.”
كلنغ! كلنغ!
أمسك فارسان من حرس القاعة بكتفي بوفار. ومع ذلك، ظل بوفار غير مستوعب سبب غضب جين عليه.
“هل أزعجه مزاحي؟ هل يعقل أنه يهينني لمجرد هذا السبب التافه؟ هذا الوغد المتغطرس!”
كان في حالة من الصدمة، لا أكثر.
فشخصٌ لم يتلقَّ أي تربية أو ثقافة، لولا قدرته على “التحوّل”، لكان قُتل منذ زمن على يد بلطجي في أحد الأزقة.
تجمعت الأنظار نحو الضجة. امتلأت عيون الحاضرين بالفضول، وهم يراقبون الرجل الذي سيصبح خصم جين الأول في مبارزات الوليمة (إذ إن معظمهم لم يكن يعلم بشأن قتاله السابق مع سيرس).
“أرجوك لا تتصرف هكذا، أيها السيّد الشاب! كل ما في الأمر أنني عبّرت عن حبي! لكل إنسان في هذا العالم حق التعبير عن الحب بحرية!”
واصل بوفار صراخه وهو يُسحب، لكن جين لم يرد عليه بكلمة. ليس لأن لسانه عجز عن الرد على هذا التافه.
“آآه، أيها السيّد جين! من يفعل هذا بضيوفه؟! أطلق سراحي!”
اقتربوا تدريجيًّا من ساحة المبارزة، وشعر بوفار وكأنهم يجرّونه إلى الذبح.
“تبا! كان على أتباع زيڤل أن يقتلوه قبل خمس سنوات!”
قبل خمس سنوات، كان جين قد غادر قلعة العاصفة، حينها تنكّر مجموعة من أتباع زيڤل كفرسان حراسة، وحاولوا اغتياله.
أما من مكّنهم من هذا التنكّر المحكم، فكان بوفار غاستون. رغم أنه من جماعة كينزيلو، إلا أنه كثيرًا ما كان يقدّم يد العون لأتباع زيڤل.
وبفعل طبيعته، كان مستعدًّا لمساعدة أي طرف يسعى لنشر الفوضى في العالم… طالما أنه لن يتعرض للخطر بنفسه.
“لا يعقل أنه يعلم بأني من سهّل مهمة أولئك القتلة، فلماذا يغضب هكذا؟ كل ما قلته أن أخته جميلة!”
في الحقيقة، لم يكن أحد في هذا العالم يعرف أن بوفار هو من قدّم الدعم لهجوم الاغتيال قبل خمس سنوات. فقد وصله أن أتباع زيڤل الذين استعانوا به فشلوا وماتوا.
“المبارزة ستكون بالأيدي العارية.”
قال جين بصوت بارد قبل دخوله الساحة. لم يرد بوفار، فقبض الفرسان على رأسه وأجبروه على الإيماء بالموافقة.
“بوفار؟!”
عاد فيشوكل يڤليانو من جولته في الحديقة مع مارجِيلا، وتصادف وصوله مع هذه الفوضى. وحين رأى بوفار، شحب وجهه من الدهشة.
“ما الذي يجري يا أخي الأكبر؟ واو! مبارزة! يبدو أن السيد بوفار سيبارز السيّد جين!”
“ذلك الأحمق اللعين…!”
لقد تسبّب بالمشاكل في غيابهم القصير.
كان فيشوكل على يقين من أن بوفار حاول التقرّب من جين ليتوسط له عند لونا، متحدثًا عن الحب والزواج بتفاهة. وقد أقسم فيشوكل، أنه بعد نجاح خطتهم الكبرى في كينزيلو، سيمزق ذلك الخنزير تمزيقًا.
“هاه… فلنلحق بهم إلى الساحة، مارجِيلا.”
“أمرك، أخي الأكبر! لطالما رغبت في رؤية السيد بوفار يقاتل.”
ولم يكن الأخوان الوحيدين الذين توجهوا إلى الساحة، فحتى سيرس كانت تتابع ما يحدث من بعيد، وهي تحمل موراكان بين ذراعيها.
“كنت أنوي طلب مبارزة أخرى لاحقًا… لكن ما هذا؟ لماذا يقاتل هذا الرجل بإرادته؟”
انزعاجها كان مبررًا. فحتى إن لم تكن واثقة من قدرتها على هزيمته، إلا أنها أرادت مواصلة التحدي حتى نهاية الوليمة.
“أوه! لم أظنّ أنني سأقابل وريثة القصر الخفيّ شخصيًّا! مشاركتي في هذه الوليمة كانت قرارًا صائبًا. لا شك أنكِ الآنسة سيرس إندورما. يشرّفني اللقاء بك، أنا برادين زيـ—”
“اغرب عن وجهي.”
“آه… حاضر.”
حاول برادين التودد إليها بلا طائل، ثم تبعها إلى المدرج بوجه شاحبٍ يملؤه الأسى.
“بالمناسبة، يجدر بك الحذر من تلك القطة. خدشت وجهي ذات مرة، قطة مشاغبة بحق، هاها.”
تجاهلته سيرس تمامًا وهو يواصل حديثه العابر، ثم دخلت المدرج المخصص للمشاهدين. وحتى لو علمت أنه النجم الصاعد في عائلة زيڤل، لما اختلف سلوكها.
كانت الساحة تعج بالحيوية والحماسة، على عكس مبارزة الليلة الماضية بين جين وسيرس.
المبارزات لا تتوقف، والهتافات والصيحات تملأ المكان.
عادةً، يجب إبلاغ منظم الساحة بنية المبارزة، والانتظار حتى يحين الدور. لكن جين لم يكن بحاجة لتلك الإجراءات. فبمجرد ظهوره، عمّ الصمت.
اقترب أحد فرسان الحراسة من المنظّم، وهمس له بتفاصيل المبارزة.
“المبارز القادم هو نجم الوليمة المتألق! النجم الصاعد من عائلة رونكاندل، السيّد الشاب جين، سيخوض مبارزة!”
وووووووووووه~~~!
ضجّت المدرجات بالهتاف والجنون، بينما بدأ جين بتسخين جسده، ثم صعد إلى الحلبة الدائرية. التفت إلى خصمه وقال:
“انهض.”
لم يكن معظم الحاضرين يعرفون من هو بوفار.
لكن رغم غموض اسمه، لم يجرؤ أحد على السخرية منه، إذ إنهم اعتقدوا أن من يحظى بشرف الحضور إلى ولائم عائلة رونكاندل، لا بد أن يكون قويًا.
“هل هو ناسك يتدرّب في عزلة؟”
“سمعت أنه حضر بصفته مرافقًا لعائلة يڤليانو، لكن يبدو أنّه شخصٌ ذو شأن.”
في هذه المرحلة، لم يعد بإمكان بوفار التراجع عن المبارزة. بدأ الغضب والانزعاج يغليان في صدره.
فهو قد أمضى الطريق إلى الساحة محاولًا تبرير موقفه، لكن الفتى الوقح تجاهله تمامًا وأهانه على الملأ. حان الوقت الآن ليُظهر بوفار قدراته الحقيقية.
“جيّد! أقبل التحدي. حاول ألا تندم على قرارك!”
صعد بوفار إلى الحلبة ووقف في مواجهة جين.
“أيها السيّد جين رونكاندل، اسمح لي أن أقدّم نفسي رسميًّا قبل المبارزة. أنا بوـ”
“صمتًا. لا تهمني أسماء عديمي القيمة. فلنبدأ.”
وقبل أن يُعلن الحكم عن بدء النزال، انطلق جين مندفعًا نحو خصمه. استنتج الحاضرون أن بوفار لا بد أن ارتكب جرمًا عظيمًا حتى يتصرف جين بهذا الشكل.
“كيه!”
فوجئ بوفار بالهجوم المباغت، فتلقى لكمة على خده جعلته يتراجع خطوتين. ومع الألم، تفجّرت الشتائم من فمه دون وعي.
لكن بوفار لم يكن غبيًّا. فرغم أنه غير معروف على نطاق واسع، إلا أنه مقاتل فئة النجوم الستة.
“هاه!”
سوش!
انطلقت قبضته بسرعة مدهشة، لا يتوقعها أحد من رجل ممتلئ مثله. ورغم أن ضربته بدت بسيطة وغير معقدة، إلا أن يده كانت مكسوة بهالة حادّة مخترقة.
هجوم مضاد شرس. لكن جين تفاداه بهدوء.
للوهلة الأولى، بدت هالة بوفار أكثر قوة وتدميرًا من هالة جين. شعر بعض المتفرجين بخيبة أمل، لأن بوفار بدا “أضعف من المتوقع”، لكنهم واصلوا المشاهدة بحماس، فقد كان في الواقع أقوى من جين.
“يبدو أن السيّد الشاب اختار خصمًا أقوى منه.”
“وذلك البدين يبدو أن تخصصه القتال بالأيدي. لقد أخطأ الشاب حين وضع سيفه جانبًا. قد يُهزَم ويُهان بهذه الطريقة.”
كما لاحظ الجمهور، فإن بوفار بارع في القتال اليدوي. ولو كانت هذه الساحة في مدينة عادية وسط مبارزين متوسطين، لكان جذب أنظار الجميع بسهولة.
أما جين، فهو فارس يستخدم السيف. لذا لم يكن بوفار يتمتع بهالة أقوى فحسب، بل كان أيضًا أكثر مهارة في هذا النوع من القتال. ولذلك، لم يكن غريبًا أن يتوقع الناس هزيمة جين.
بوووف!
ضربة خطافية من بوفار أصابت جين في الفك مباشرة. شعر جين بضعف في ركبتيه، وارتسمت ابتسامة خبيثة على وجه بوفار.
“أتجرؤ على لمس العظيم بوفار بهذه المهارات التافهة؟ سأحولك إلى كومة لحم تتوسل الرحمة، أيها الوقح.”
لكن تلك الابتسامة لم تدم طويلًا.
“كه!”
كان من المفترض أن يسقط جين أرضًا على وجهه، لكنه بدلًا من ذلك، انقضّ على بوفار بذراع مشدودة ونظرة يملؤها القتل.
“ضربته في الفك مباشرة، فكيف ما زال واعيًا؟!”
رأى بنفسه كيف فقد جين توازنه…
لكن ذلك لم يكن إلا تمثيلًا. أجساد الرونكاندل المباركة لا تنهار من مجرد ضربة إلى الفك. ولو كان لبوفار خبرة سابقة في قتال أحدهم، لما تهاون بعد إصابته لجين.
بوووف!
ضربة كف من جين أصابت وجه بوفار مباشرة، فدوّى صوت الارتطام في الساحة. تهشم أنف بوفار وتشوه، وسال الدم من ذقنه.
لكن لم يكن هناك وقت للأنين. فأسلوب عائلة رونكاندل في القتال، هو أن تقلّ الشفقة كلما سقط الخصم أكثر.
بووم! ثوووم! بام! كرااك!
ضربة أخرى لأنفه المكسور، ثم لخده الأيسر، وضلعه الأيمن، ثم إلى منتصف بطنه. قبضتا جين المغلفتان بالهالة انهالتا على بوفار بلا رحمة.
ولم يكن ذلك نهاية الأمر. إذ بدأ جين يستخدم ركلاته أيضًا. وخلال ثوانٍ معدودة، صار بوفار مغطّى بدمائه، يُرمى هنا وهناك فوق المنصة كخرقة بالية ملوثة بالدم.
“يبدو أن الأمر قد انتهى.”
“جعل خصمه يستهين به، ثم باغته بهجوم شرس، وواصل الضرب بلا توقف مستهدفًا أماكن مختلفة ليربك دفاعه. إنها أنجع استراتيجية ضد خصمٍ أقوى.”
رغم أن الجمهور لم يشهد سيف جين في هذا القتال، إلا أن المعركة كانت أكثر من مشوّقة. بل إنّ الأهم من ذلك، أنهم تعرفوا على أسلوب جين في القتال.
“فهمت الآن… السيّد جين ليس من النوع الذي تعميه الغطرسة في القتال. ما إن يُدرك أن خصمه أقوى، حتى يستخدم كل حيلة واستراتيجية ممكنة.”
ليس نادرًا أن يفوز مقاتل من فئة الخمس نجوم د على آخر من فئة الستة نجوم. لكن من النادر أن يُسحق الستة نجوم بهذا الشكل الفاضح.
لقد كانت مذبحة من طرف واحد. أول ضربة ناجحة لبوفار كانت أيضًا الأخيرة. ومن بعدها، صار كيس ملاكمة بشريًا يتلقى الضرب كاللحم المفروم.
“أعتقد أن الوقت قد حان لأتوقف… يا لي من شخص عاطفي أحيانًا.”
في الحقيقة، كان جين يتصرّف بضبط نفس. فلو كان المبارز أحد أفراد عائلة رونكاندل الآخرين، لكانوا قطعوا رأس بوفار في اللحظة التي تفوّه فيها بكلمة “صهري”، حتى ولو كانوا في قلب قاعة الوليمة.
“فيوووه…”
هز جين يديه ليتخلص من الدماء، وأخذ نفسًا عميقًا. كان بوفار فاقدًا الوعي على الأرض، يرتجف، والدموع تنساب على وجهه المهشم.
استدار جين مغادرًا الساحة، لكن صوت فتاة من الجمهور أوقفه.
“أخي فيشوكل! لا أستوعب سبب تصرفات السيّد جين. ألم تُحسم المبارزة بالفعل؟ كيف له أن يضرب رجلاً فاقد الوعي بهذا الشكل الوحشي؟!”
“ما… مارجِيلا؟”
تجمّد فيشوكل في مكانه وهو يحدّق بشقيقته الصغرى مذهولًا.
“لقد بالغ السيّد جين كثيرًا. لقد تنمّر على رجل أضعف منه. أليس الرجل الملقى هناك صديقنا؟ هل ستقف مكتوف الأيدي، يا أخي؟ لقد خيّبت أملي كثيرًا.”
بوفار غاستون. ذلك الرجل المقيت لم يكن أضعف من جين… ولا صديقهم بأي حال.
أراد فيشوكل أن يردّ بهذه الكلمات، لكنه لم يستطع… فقد وقعت كلمات شقيقته في قلبه كالصاعقة:
“لقد خيّبت أملي كثيرًا.”
“…هل تطلبين مني أن أبارز السيّد جين؟”
“نعم. أتمنى أن تلقّنه درسًا، يا أخي. بالطبع… بطريقة نبيلة وشريفة، لا كالسلوك البغيض الذي أظهره السيّد جين قبل قليل.”
“آه، يا لها من شابة صاخبة!”
“فيشوكل! يجب أن تُلبي طلب أختك. هاها، يبدو أننا على موعد مع قتال مشوّق.”
وفي النهاية، نزل فيشوكل إلى الحلبة، تحت ضغط شقيقته وتوقعات الجمهور…
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.