الفصل 38: ماميت الخارجة عن القانون (3)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“يبدو أن ساحرًا رفيع المقام يضمر حقدًا لأحد النزلاء المقيمين في البئر المُقمر، سيدتي.”
“سأذهب للعثور على هذا الساحر. أما أنت، فابقَ هنا واحمِ سيدتي.”
تحدث الرجلان الواقفان إلى جانب الفتاة واحدًا تلو الآخر.
غير أنها اكتفت بالقهقهة بازدراء، ثم ردّت بنبرة ساخرة:
“هل تظنانني عاجزة لا تقوى على حماية نفسها؟ هناك ستة من حرسنا داخل النزل بالفعل. بعبارة أخرى، قد يكون هذا الهجوم الإرهابي موجّهًا ضد القصر الخفي. ريو، اذهب وابحث عن الساحر. هيتين، تعال معي لنتفقد الحراس في الداخل.”
انحنى ريو وهيتين احترامًا لها.
كانت تلك الفتاة التي أصدرت الأوامر تُدعى سيريس إندورما.
إنها ابنة تالاريس إندورما، سيدة القصر الخفي.
“نستطيع القضاء على أمثال ألكارو متى شئنا. لذا، لا تهدروا وقتكم عليه. أولويتكم الآن هي التأكد من سلامة حراسنا.”
“أمركِ، سيدتي.”
قفز ريو في الهواء متجهًا لتعقب الساحر، بينما دخلت سيريس وهيتين النزل.
بوووم!
ضربت الصاعقة الثالثة البئر المُقمر. وهذه المرة، دُمر طابق كامل، وانفجر ملوك ماميت بالصراخ والغضب.
حتى سيريس وهيتين توقّفا في مكانهما. فحين شهدا قوة الصاعقة من قرب، أدركا أنها تفوق ما تصوّرا.
“اللعنة! من هذا الوغد؟!”
“مينكا، أيها الأحمق! ألم تقل إنك قتلت بعض سحرة عشيرة زيفل مؤخرًا؟ هل عادوا لينتقموا؟!”
“كنت أكذب! لم يحدث شيء!”
هرب الزبائن من النزل يتجادلون ويتهم بعضهم بعضًا.
لكن لم يكن جميعهم على هذه الحال؛ فبعضهم ــ وهم ملوك ماميت ــ بدأوا في الاستعداد للقتال، بينما راح آخرون يبحثون عن مصدر التعاويذ السحرية.
وفجأة، سقطت الصاعقة الرابعة على النزل.
كانت هذه الضربة أقوى بكثير من سابقاتها، إذ ضخ جين كل طاقته الروحية في التعويذة، مما أدى أيضًا إلى محو جميع آثار الطاقة المظلمة من الغرفة.
بووووم! كرااااش!
شقت الصاعقة الهواء وسقطت في منتصف النزل، فقسمته إلى نصفين، وأصبح المبنى آيلًا للسقوط من الجانبين.
“آااه!”
“كيه!”
فرّ المزيد من النزلاء، وجوههم مغطاة بالسخام والرماد، وهرعوا إلى البهو.
كل هذه الفوضى وقعت خلال ثلاثين ثانية فقط، ولم يكن أحد قد اكتشف هوية المعتدي بعد.
“… يبدو أن الهجمات توقفت.”
“نعم، سيدتي.”
دخلت سيريس وهيتين ما تبقّى من النزل، وفي تلك اللحظة، سقط جين من الطابق الثاني.
طع!
“أووه…!”
لم يكن السقوط من الطابق الثاني مؤلمًا جدًا، لكنه أسقط الصاعقة الأخيرة بالقرب من غرفته.
[ملاحظة: (في كوريا، يُحتسب الطابق الأول هو الأرضي، فلا وجود لما يُسمى بـ”الطابق الأرضي/صفر”. لذا لم يكن السقوط من ارتفاع كبير.)]
(ذلك الهجوم الأخير كان أقرب لمستوى تعويذة نجم سابع… لعل السبب أنني غرست فيها كل طاقة الغرفة الروحية.)
لولا قلادة اورغال التي يحملها حول عنقه، لكان أصيب بجراح قاتلة. أما الآن، فقد نجا بثيابه المحترقة وعروقه المتورمة فقط.
أخذ الفتى يتفحّص المكان من حوله محاولًا التصرف بطبيعية.
كان عليه أن يتحقق إن كان ألكارو ما يزال حيًا. لم يرَ هدفه بعد، لكنه لمح الحراس يتراكضون باضطراب.
ما زال الدخان يغمر البهو. فإن نجا ألكارو من الصواعق المهلكة، فعلى جين أن يعثر عليه الآن ويقضي عليه. هذه فرصته الوحيدة.
مدّ جين يده نحو خنجره، لكنه تجمّد في مكانه.
رفع رأسه فإذا بفتاة مجهولة تحدّق به من أعلى.
“أوه؟ لم أتوقع أن أرى فتىً في مثل عمري هنا في ماميت. هل أنت بخير؟ من الأفضل أن تغادر المكان إلى بر الأمان حالًا.”
“سيدتي، رجالنا متجمعون هناك. جميعهم بخير وسالمون.”
“هذا مطمئن. اطلب منهم أن يتجمعوا حالًا. وإذا كانوا لا يزالون يحمون ألكارو، فأمرهم بقتله فورًا.”
“أمركِ.”
“وبمجرّد أن يعثر ريو على الساحر، اقبضوا عليه مع رجالنا. فبما أن جميع التعويذات متشابهة، لا بد أن منفّذها شخص واحد.”
“كما تشائين.”
في تلك اللحظة، أدرك جين الحقيقة من حديثهم:
(إنها ابنة سيدة القصر الخفي! ومن نبرتها، يبدو أنها جاءت إلى هنا خصيصًا لتصفية ألكارو.)
لقاء لم يكن في الحسبان.
لكن جين رآه نعمة لا نقمة.
(بحسب ما قالت، حتى إن نجا ألكارو، فهم سيقتلونه. فلا حاجة لأن أتأكد من موته بنفسي. ثم إن ابنة سيدة القصر الخفي تظن أن هجومًا سحريًا هو السبب ولا تشك بي إطلاقًا.)
ابتداءً من هذه اللحظة، ستكون هي صاحبة الكلمة العليا في النزل.
حتى ملوك ماميت، على مكانتهم في المدينة، لا يُقارَنون بنفوذها.
(الأرجح أنها ستظن أن هذا الهجوم موجّه ضد القصر الخفي. لذا كل ما عليّ فعله هو التظاهر بالخوف ثم الفرار من هنا.)
لم تكن هي وحدها من يعتقد أن هجومًا سحريًا هو السبب. بل حتى بقية النزلاء ظنوا الأمر كذلك.
وبالتالي، كانت احتمالات الاشتباه بجين ضئيلة جدًا.
لكن ثمّة مشكلة واحدة:
(إن رأت ابنة سيدة القصر الخفي وجهي، فقد يتسبب ذلك بتعقيدات في المستقبل.)
لا يهم إن رأى وجهه قادة ماميت أو صعاليكها. فلن يلتقوا به مجددًا، وحتى إن أصبح الأمر مصدر إزعاج، يمكنه إسكاتهم لاحقًا.
أما ابنة سيدة القصر الخفي… فشأنها مختلف تمامًا.
فجين لا بد أن يلتقي بها يومًا ما طالما بقي في حديقة السيوف.
“سيدتي!”
“هل الجميع بخير؟ أين ألكارو؟”
“آه، في الحقيقة… لا أعذار لنا. لقد لقي ألكارو حتفه في الهجوم قبل قليل. فشلنا في حمايته.”
“حقًا؟ هذا ممتاز. لا داعي للخجل. لقد صبرتُم على حماقته بما فيه الكفاية. في الأصل، أتيت إلى هنا للتخلص منه.”
وبينما كانت الفتاة تتحدث مع رجالها، مدّ جين يده إلى الرماد وغطّى به وجهه. لم يكن ذلك كافيًا، لكنه أفضل من لا شيء.
شنننغ!
سحبت سيريس سيفًا أبيض نقيًّا ورفعته عاليًا:
“ابتداءً من الآن، سيتولّى القصر الخفي السيطرة على هذا النزل! أنا سيريس إندورما، ابنة سيدة القصر الخفي تالاريس إندورما، وقائدة سيوف القصر السبع. كل من يعارض سيُعد عدوًا للقصر الخفي.”
“هيتين، أبلغ رجالنا بتطويق المنطقة بمحيط خمسمئة متر. لا تدع أحدًا يتحرك إلى أن يعثر ريو على الساحر. هل هذا واضح؟”
“أمركِ، سيدتي.”
“آه، أيتها السيدة… قلتِ إنك ابنة سيدة القصر، أليس كذلك؟ لكن لا تنسي أن هذه الأرض هي ماميت. ونحن، ملوك ماميت، لا يسُرّنا أن تفرضي سيطرتك علينا وكأننا غير موجودين. ثم، أليس من المحتمل أننا هوجمنا بسبب القصر الخفي أساسًا؟”
كان المتحدث هو ذلك الملك الذي حدث جين هذا الصباح عن “اللياقة”. وما إن أنهى كلامه، حتى أومأ بقية الملوك موافقين.
“هيتين.”
“نعم؟”
“هاتِ لي رأسه.”
وما إن دوّت تلك الكلمات المفزعة، حتى اختفى هيتين من مكانه كأنما تلاشى في الهواء.
ظهر الحارس خلف المعترض من العدم، ووميض معدني خاطف انعكس في عيون الجميع.
أحضر هيتين رأس الرجل الميت — الذي ما زالت عيناه مفتوحتين — ووضعه بأدب عند قدمي سيريس.
قالت بنبرة باردة:
“لقد قلتُ إن كل من يعارض يُعدّ عدوًا، أليس كذلك؟ و”ملوك ماميت”؟ ألعبتم دور الملوك في هذا الخراب المسمّى مدينة حتى نسيتم من أنتم؟ أترون القصر الخفي مزحة، أنتم أيها ‘الملوك’؟”
خفض ملوك ماميت أنظارهم، وبعضهم سعل متظاهرًا بالحرج.
لم يكونوا ضعفاء، فلو اتّحدت قواهم، لربما استطاعوا الوقوف في وجه رجال سيريس. لكن لا أحد منهم أراد أن يكون القصر الخفي عدوه.
“أهم… لا نرغب في أن نكون خصومًا لكم أيضًا. لكن على الأقل، أظهروا لنا بعض الاحترام، وراعوا مكانتنا. فالرجل الذي قُتل… لم يكن كلامه خاطئًا تمامًا، أليس كذلك؟”
ردّت سيريس بحدة:
“إن تبيّن أن الهجوم استهدف حراس القصر الخفي، فسنُعوّضكم عن الأضرار. لكن، ماذا إن كان العكس؟ ماذا إن كان رجالنا مجرد ضحايا أبرياء لهجوم استهدف أحدكم؟”
عجز الملوك عن الرد.
“آه… حسنًا. افعلي ما شئتِ. لم نكن نعلم أن الحراس الذين كانوا يحمون ذلك المدمن تابعون للقصر الخفي. سنترك الأمر بين يديكِ. نحن أيضًا نرغب في العثور على الساحر وقتله، لذا أهدافنا متوافقة.”
“جيد. في الوقت الراهن، اجمعوا جميع الناجين هنا. أحد أفراد سيوف القصر السبعة يبحث الآن عن الساحر في الخارج، لكن لا يزال من المحتمل أن الجاني بينكم.”
“ذلك مستبعد. لا أحد منا ساحر.”
“لا أشكّ في ذلك. لكن من الممكن أن أحدكم قد أغضب هذا الساحر مؤخرًا. أمثالكم من الحثالة يتسببون بالمشاكل أينما ذهبوا، أليس كذلك؟ على أية حال، اجمعوا الجميع هنا.”
تنهد ملوك ماميت ثم نزلوا برفقة الناجين الآخرين إلى البهو. في تلك الأثناء، خفّضت سيريس بصرها نحو جين.
“لمَ لا تزال هنا تتسكع؟ ألم أقل لك قبل ثلاث دقائق أن تتوجه إلى الخارج؟”
لكن بخلاف لهجتها الصارمة مع ملوك ماميت، كان صوتها لطيفًا ودافئًا وهي تخاطب جين. أما هو، فقد انكمش على نفسه محاولًا إخفاء وجهه قدر المستطاع.
“لـ-لأنني كنت خائفًا… وأصبت ساقي أيضًا. أعتذر…”
ضحكت سيريس برقة:
“يا لك من فتى جبان رغم أنك تحمل سيفًا على خاصرتك. كم أنت ظريف. هيا، انطلق الآن، وانسَ كل ما رأيته اليوم. خذ هذا، ضعه على ساقك قبل أن تغادر.”
“شكرًا جزيلًا لكِ.”
ناولته سيريس مرهمًا ممزوجًا بطاقة شفاء سحرية. وحين همّ جين بأخذه بيديه المتسختين بالسخام، هزّت سيريس رأسها وابتسمت:
“انظر إلى يديك المتسختين. دعني أضعه بنفسي. ارفع بنطالك قليلًا. ثم، أليس من حسن حظك؟ لم تنجُ فحسب من هجوم إرهابي، بل أنا، سيريس إندورما، أضع المرهم على ساقك بنفسي. عليك أن تشعر بالفخر.”
رفع جين طرف بنطاله بتردد. ركعت سيريس أمامه ووضعت المرهم على ساقه، حيث كان هناك جرح عميق وطويل.
(لمَ هي طيبة هكذا؟ في حياتي السابقة، كانت ابنة سيدة القصر الخفي مشهورة بالجنون والتهور. هل كانت الشائعات باطلة تمامًا؟)
وما إن انتهت من وضع المرهم، حتى التقت نظراتها بنظراته.
لم تكن تحمل أدنى شك نحوه. بل كانت سعيدة بلقاء شخص في عمرها أخيرًا في هذه المدينة الكئيبة، ورغبت في مساعدته.
“ها قد انتهيت. هيتين! لمَ تأخّر ريو؟ لا تقل إنه لم يعثر على الساحر بعد؟ ريو؟!”
“لقد تأخّر قليلًا بالفعل. هل تودين أن أخرج لأبحث عنه أيضًا؟”
“همم… لا داعي. يبدو أن الساحر بارع في إخفاء نفسه. لكنه لا بدّ ما زال داخل المدينة، والأمر مسألة وقت فقط. لا أظن أن ريو سيعجز عن العثور عليه. في النهاية، هو مجرد ساحر تافه.”
“أتفق معكِ.”
عدّل جين بنطاله، ثم نهض وانحنى احترامًا.
“أمم… كيف لي أن أردّ لكِ هذا الجميل؟”
وكان عليه أن يكتم ابتسامة كادت تفلت منه. لقد نفّذ هجومًا إرهابيًا، ومع ذلك، لو كان ملوك ماميت قد اشتبهوا فيه، لأصبح في ورطة. لكن الأمور سارت بسهولة غير متوقعة.
بل إن سيريس لم تحاول حتى النظر إلى وجهه جيدًا، وكل ما فعلته أنها أظهرت له معروفًا ولطافة.
“كيف تردّ دَينًا على شخص مثلي؟ اعتبره ذكرى جميلة فحسب. وإن تذكّرتني يومًا، فاركع باتجاه القصر الخفي كلما استطعت. إلى اللقاء إذًا!”
خرج جين من نزل البئر المُقمر، وسلك الطريق المؤدي إلى خارج ماميت.
صحيح أنه تلقّى بعض المساعدة من سيريس، لكن ألكارو قُتل بسحره هو، لذا لم يكن هناك ما يدعوه للشعور بالذنب أو الخزي. لقد أتمّ مهمته بنجاح.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.