الفصل 106: قلب الموازين
الفصل 106: قلب الموازين
خيمت على ساحة المعركة أجواء متوترة يلفها الذهول؛ ونظر لو في وأويانغ مو برعب حقيقي نحو وانغ تشنغهنغ الواقف فوق السور.
فلم تكن الصرخات المؤلمة وحدها ما أثار فزعهم، بل خيوط الدخان الأبيض التي تصاعدت فجأة من جسد وانغ تشنغهنغ وثيابه المحترقة!
همس أحد جنود جيش تشينغتشو في الصفوف الخلفية بخوف: "سحر وشعوذة!"
تلعثم لو في وسأل بتردد: "يا صاحب السمو… ما هذا؟"
ففي تلك الأزمنة، كان كل شيء غريب يعجز الناس عن فهمه يُنسب مباشرة إلى السحر والقوى الخفية؛ وما رأوه الآن تجاوز استيعابهم تماماً.
ضحك شياو مينغ باعتزاز: "هاهاها! هل تظنون أنني أستخدم السحر؟" ثم نظر إلى الفوضى فوق الأسوار وتابع بهدوء: "تمهلوا قليلاً؛ حتى نقبض على وانغ تشنغهنغ، وسأشرح لكم حقيقة الأمر حينها."
أما أويانغ مو، فوقف مذهولاً ومشتت الذهن، ولم ينطق بكلمة من شدة الصدمة.
ولم يكتفِ شياو مينغ بتلك القذيفة، بل أمر بإطلاق قارورة ثانية وثالثة نحو الحصن؛ فتحطم الزجاج وتناثر حمض الكبريتيك المركز، لتتعالى صرخات الألم من كل من أصابته قطرات ذلك السائل الحارق.
فإن كان جنود تشينغتشو في الخارج قد توجسوا وظنوا الأمر سحراً، فإن مقاتلي عائلة وانغ وخدمهم في الداخل عاشوا رعباً حقيقياً شل أركانهم!
وفوق السور، كان وانغ تشنغهنغ يمسك بيده اليمنى كفه اليسرى متألماً بشدة؛ حيث اسودّت رقعة جلده التي أصابها السائل وكأنها احترقت بجمرة نار.
نظر إلى الأسفل، فرأى شياو مينغ واقفاً بثبات وثقة جليدية خارج الأسوار؛ وسرى الخوف في عروقه تدريجياً. ومع سقوط المزيد من تلك القذائف الغريبة، تكرر العذاب نفسه لكل من طالته الشظايا أو الرذاذ.
صرخ وانغ تشنغهنغ بغضب وألم: "ما هذا الشيء الملعون؟!"
لم يجبه أحد؛ وحين التفت حوله، لم يرَ في عيون مقاتليه سوى الرعب واليأس.
وفجأة، صاح أحد الحراس مشيراً إلى الحائط بخوف: "انظروا إلى السور! انظروا ماذا يحدث للطين والحجارة!"
التفت الجميع ليروا أجزاء السور المتأثرة بالسائل تتآكل وتتفتت تدريجياً، مما ضاعف ذعرهم واستسلامهم لليأس.
لاحظ شياو مينغ هذا الانهيار في معنويات الحصن، فتعمد رفع صوته منادياً لو في: "أيها القائد لو! إذا كُسرت الأسوار واقتحمتم الحصن، فلا تُبقوا على أحد حياً—رجالاً كانوا أم نساءً أم أطفالاً!"
أجاب لو في بصوت جهوري: "أمرك يا صاحب السمو!"
ثم التفت إلى جنوده وصاح: "اقتلوا! اقتلوا! اقتلوا!"
"اقتلوا! اقتلوا! اقتلوا!"
ردد خمسة آلاف مقاتل من جيش تشينغتشو الهتاف بصوت واحد كالرعد؛ فاهتز المكان، ووصلت الصيحات إلى مسامع كل شخص داخل الحصن لتملأ قلبه رعباً.
شحب وجه وانغ تشنغهنغ تماماً؛ وأمسك بسيفه بقوة بينما ارتجفت يداه من شدة التوتر، بعدما أدرك أن طرق التراجع قد سُدت أمامه.
وفي تلك اللحظة، صعد رجل يقاربه في السن إلى السور واقترب منه بخطوات مترددة: "أخي الثاني… استسلم، فلا فائدة من القتال! حتى لو اكتفى أمير تشي بحصارنا بضعة أشهر دون هجوم، فلن نصمد طويلاً."
غضب وانغ تشنغهنغ وصرخ في وجهه: "أيها الجبان! أهكذا علمنا أخونا الأكبر أن نتصرف؟! عائلة وانغ تعيش في تشينغتشو منذ مئات السنين، قبل قيام إمبراطورية دا يو نفسها! واليوم يريد شياو مينغ القضاء علينا؛ وإن كان الموت مصيرنا، فلنقاتل حتى النهاية!"
ثم تابع بغضب: "لا تنسَ أن عائلة سون ستهب لنجدتنا! وفور وصولهم، سنحاصره من الجانبين، ونقطع رقبته، ونتحالف مع قوات الخان كيتشاور!"
توسل وانغ تشنغبينغ بيأس: "عائلة سون؟! أخي الثاني، لو كانت عائلة سون تنوي مساعدتنا لكانوا هنا الآن! لماذا انتظروا يوماً وليلة دون حراك؟!" فعائلته وأطفاله يقيمون داخل الحصن، وكان يهمه الحفاظ على حياتهم.
أضف إلى ذلك أن الخدم والمقاتلين الخاصين كانوا يتهامسون بقلق منذ علموا بتورط وانغ تشنغتشو وابنه في محاولة اغتيال الأميرة؛ ومع وعد شياو مينغ بالعفو لمن يستسلم، تبخرت رغبتهم في القتال كلياً.
ومن نظرات الحراس المترددة، أدرك وانغ تشنغبينغ أن نهاية عائلة وانغ قد اقتربت؛ وإن سقطت الأسوار، فلن يدافع هؤلاء الأتباع عنهم. ومع تساقط القذائف الحارقة، انهار حماسهم تماماً.
أصر وانغ تشنغهنغ بعناد: "أنا واثق من قدوم عائلة سون! فنحن حلفاء منذ أجيال، وإن سقطت عائلتنا فكم ستصمد عائلة سون بعدنا؟!" ثم نظر إلى أخيه بشك ورفع سيفه في وجهه: "هل صدقت كلام الأمير؟! هل تفكر في الخيانة والاستسلام؟!"
ولو نطق وانغ تشنغبينغ بكلمة خاطئة، لقتله أخوه في الحال.
تراجع وانغ تشنغبينغ خطوة إلى الوراء بحذر: "أخي الثاني…" ثم نزل عن السور في صمت.
كان وانغ تشنغتشو يقدم وانغ تشنغهنغ دائماً لأنهما شقيقان من أم واحدة؛ أما وانغ تشنغبينغ فكان ابناً غير شرعي، ولم تكن مكانته مماثلة لهما.
وكانت العائلة كبيرة؛ فإلى جانب تشنغبينغ، كان هناك خمسة إخوة غير أشقاء آخرين في الحصن.
وما إن نزل وانغ تشنغبينغ حتى أحاط به إخوته الخمسة بقلق: "أخي الثالث، ما الوضع في الأعلى؟"
هز رأسه بيأس: "لقد فقد صوابه تماماً! يصر على أننا ننتظر نجدة عائلة سون، ولن يقبل بالاستسلام أبداً."
قال أحدهم بغضب: "إن كان وانغ تشنغهنغ يريد الموت، فليس من العدل أن نموت جميعاً بسببه! المحاصرون في الخارج خمسة آلاف جندي نظامي، وحراس الدروع الذهبية نخبة جاءت مع الأميرة من العاصمة؛ وقتالهم انتحار صريح!"
أضاف آخر بخوف: "صحيح! وتلك القذائف الغريبة التي يرميها أمير تشي خطيرة جداً؛ احترق جنودنا وسالت جلودهم، وإن استمرت في نخر السور فلن نصمد أبداً!"
واتفقت آراؤهم جميعاً على رفض القتال؛ ففي مواجهة الهلاك، تصبح النجاة الفردية هي الأهم. ولم تكن تربطهم بوانغ تشنغهنغ أي مودة؛ ففي أيام قوة العائلة، كان وانغ تشنغتشو وإخوته الأشقاء يعاملونهم باحتقار وإهمال.
سكت وانغ تشنغبينغ لحظة ثم قال بمرارة: "الأخ الأكبر في الأسر، والقرار الآن بيد الأخ الثاني؛ فماذا نستطيع أن نفعل؟"
تبادل الإخوة الخمسة نظرات واضحة؛ وبدا أن الفكرة نفسها تدور في أذهانهم جميعاً، لكن لم يجرؤ أحد على نطقها أولاً.
وفي تلك اللحظة، تردد صدى هتاف جنود تشينغتشو "اقتلوا!" في الهواء مرة أخرى، فازداد خوفهم؛ فإذا اقتُحم الحصن فلن ينجو أحد.
حسم وانغ تشنغبينغ أمره وهمس بحزم: "يا إخوتي، لا خيار أمامنا سوى طريق واحد: أن نقيد وانغ تشنغهنغ بالأغلال ونسلمه بأنفسنا لسمو الأمير! ولعله يكافئنا ويعفو عنا لقاء ذلك!"
أومأ الإخوة الخمسة برؤوسهم موافقين على الفور دون تردد.
وعلى هذا الاتفاق، صعد الرجال الستة إلى السور ومعهم نخبة من خدمهم الموثوقين.
وحين رآهم وانغ تشنغهنغ وهو لا يزال يصرخ لتوجيه الحراس، شعر بالريبة وسأل: "وانغ تشنغبينغ، ما الذي تفعلونه هنا؟"
وقف وانغ تشنغبينغ بثبات وقال بصوت قاطع: "اعذرنا يا أخي الثاني! إن كنت تريد الهلاك لنفسك، فنساؤنا وأطفالنا لا يريدون الموت معك! ولا حل أمامنا سوى تسليمك لحقن دمائنا!"
احتقن وجه وانغ تشنغهنغ بالغضب وصرخ بالحراس على السور: "تعالوا واقتلوا هؤلاء الخونة الستة فوراً!"
لكن صراخه لم يلقَ أي استجابة؛ فلم يتحرك حارس واحد من مكانه!
فقد ملأ الرعب قلوبهم من القذائف الكيميائية، وكان كل واحد منهم يفكر في الاستسلام سراً، لكنهم كانوا يفتقرون لمن يبدأ الخطوة الأولى.
والآن، مع تحرك وانغ تشنغبينغ وإخوته للتمرد الداخلي، انضم الحراس والخدم إليهم فوراً ودون أي تردد.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.