مساحة للحكاية، ووقت لك← I Won’t Get Fooled Twice
الفصل 52نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 52

51

لن أخدع مرتين [ 51 ]

عرف ليكاردو فوراً صاحب الصوت الذي سأله عن حاله.

“إيزابيلا؟”

“نعم، أنا هنا.”

أشارت إليه بيدها من مكان ليس بعيداً عنه، مسافة تكفي ليمسكا بأيدي بعضهما إن مدّاها.

“ما الذي حدث؟”

“انفجار.”

“ما الذي انفجر بالضبط؟”

رفع ليكاردو يده إلى جبينه محاولاً استرجاع ما وقع.

“لم يكن هناك أي مؤشر… لم يكن في المنجم ما يمكن أن ينفجر أصلاً. حتى ذلك الصدع الذي أُبلغت عنه لم يكن بالأمر الغريب.”

“أظن أن أحدهم زرع متفجرات عمداً. حين تفقدت الأرض هنا، شعرت بوجود شيء دخيل وغريب.”

“آه، إذن لهذا صرختِ محذرة.”

الآن فقط فهم ليكاردو سبب انفعالها.

“يبدو أن البعض لا يريدون لبيت ماكا أن ينهض مجدداً. هل تظن أن لك أعداء محددين؟”

“عددهم أكثر من أن يُحصى.”

قالها متنفساً الصعداء.

ثم نظر إليها فجأة باستغراب:

“لكن كيف جئتِ أنت إلى هنا؟ كيف عرفتِ؟”

“لم أكن أعرف مسبقاً…”

أجابت بحذر، فقد شعرت بالارتباك رغم أنه لم يشكك فيها.

“أنا روحانية لقوة الأرض. فقلت في نفسي إن كان الأمر متعلقاً بترميم المنجم فسأكون نافعة.”

هز رأسه متنهداً:

“لا داعي لأن ترهقي نفسك إلى هذا الحد.”

لكنه أدرك أنها تأنيب لذاتها.

“ليتني جئت قبل ساعة فقط… لكان الضرر أقل بكثير.”

قالتها بمرارة.

“الآن هناك أكثر من أربعين شخصاً عالقين.”

كانت تستعين بأرواحها المنتشرة لتفحص المنجم بهدوء.

“المصابـون ثمانية تقريباً… وهناك ثلاثة عالقون تحت الأنقاض بلا حركة.”

سأل بدهشة:

“كل هذا يمكنك الشعور به؟”

“أنا أستعين بكل أرواحي الآن.”

لم تستدع هذا العدد دفعة واحدة منذ زمن بعيد، حتى في حياتها السابقة.

ورغم أن التوافق الروحي كان يتسرب من جسدها بسرعة، فإن الإحساس لم يكن سيئاً.

كانت الأرواح موزعة؛ في كل مكان يتجمع فيه الناس يوجد واحد أو اثنان يحميانهم من سقوط الصخور.

أما الأرواح التي لم يكن أمامها أناس فتحملت العبء الأكبر، مثبتة الأعمدة الرئيسة للمنجم كي لا ينهار أكثر.

“حتى هنا…”

أشارت إلى جانب ليكاردو.

تتبع إصبعها فرأى أحد المولدن جالساً وكأنه يستريح متكئاً إلى الجدار، لكنه في الحقيقة كان يسند صخرة ضخمة مائلة فوقه.

قالت ضاحكة:

“لو لم يكن هناك، لانهارت فوقك.”

ابتسم ليكاردو بخفة ومد يده نحو المخلوق البني الصغير الذي يشبه الخلد. فحرّك مولدن مخالبه بسرور حين لامسته أصابعه.

“حتى الأرواح تشعر بالارتياح معك يا سيدي.”

قالتها إيزابيلا.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة مرة.

ما جدوى هذا التوافق إن كان عاجزاً عن استدعاء أي روح؟

“كنت فيما مضى أستدعيهم وألعب معهم كثيراً.”

قالها بلهجة تحمل الحنين والمرارة معاً.

ساد الصمت لحظة، ثم قطعه فجأة:

“أتدرين لِمَ لم أعد قادراً على استدعاء الأرواح؟”

لم تُجب إيزابيلا.

فهي تعرف بعض الحقيقة وتجهل بعضها الآخر، لكن ما تعرفه كان مستنداً إلى أحداث من حياتها السابقة، ولا يمكنها البوح به.

ثم إن ما وراء الأمر مظلم أكثر مما يُظَنْ.

“لا بد أنكِ سمعتِ بالقصص.”

قالها بنبرة خافتة توحي بأنه يطلب منها الكلام.

“سمعت ما يتناقله الناس من شائعات… لكنني لم أصدقها. لا يمكن أن تكون أنت من فعل ذلك.”

“بل أنا.”

ارتجف بصرها.

“ماذا تعني…؟”

“أعني أن أرواحي أنا… هي من قتلت والدي.”

شهقت إيزابيلا دهشة.

لم يخطر ببالها أن تلك الشائعة قد تكون حقيقية.

لطالما ظنتها كذبة أطلقها فايتشي.

كانت تعلم أن موت الماركيز ماكا السابق مرتبط بعجز ليكاردو عن الاستدعاء، لكنها لم تتخيل…

“أمر لا يُصدَّق، أليس كذلك؟”

“لكن كيف…؟”

“أنت تعلمين أن والدي كان روحانياً رفيعاً.”

“نعم.”

فقد كان قادراً على استدعاء سيلّايم، الروح العليا للرياح الوحيدة في الإمبراطورية آنذاك.

“ولهذا لا يصدقني أحد. كيف يمكن لروحانيٍّ متوسطٍ مثلي أن يقتل والده الروحاني الأعلى؟”

كان يكرر عبارة قتلته وكأنه هو المذنب شخصياً.

لكن ابتسامته المتألمة ونظراته الموجوعة دلّت إيزابيلا على أن وراء الأمر ما هو أعمق.

بدأت الخيوط تتضح في ذهنها، فتسارعت دقات قلبها.

“أيمكن أن يكون…؟”

لقد رأت من قبل أرواحاً متوسطة تهزم روحاً عليا.

لكن بطريقة شاذة… ومريعة.

“هل يُعقل أن أرواح سيدي النائب… كانت من ذلك النوع؟”

“روحٌ وسطى في حالة جموح قد تُرهق حتى الروح العليا.”

ما إن أضاف ليكاردو هذه العبارة حتى هوت بقوة على قلب إيزابيلا، فتحولت فرضيّتها المريبة إلى يقين قاطع.

تجمّد جسدها كله.

انفلات الأرواح… لم يكن أمراً غريباً عليها. بل كانت تعرفه حق المعرفة، إلى حدٍّ قاسٍ.

ولهذا أدركت أن ما وقع مع ليكاردو لم يكن باختياره.

“ألستَ تجهل سبب ذلك الجموح؟”

“ضعف في التحكم لا غير.”

كان من الطبيعي أن يظن الأمر كذلك؛ فالروح تنفلت رغم إرادة مستدعيها.

‘لا أتحكم فيها إطلاقاً! إن لم تخرجوا حالاً فستموتون جميعاً!’

‘إن لم أوقفها بنفسي فسيحترق القصر الإمبراطوري كله!’

هكذا كانت روح وليّ العهد تزمجر.

حاول ولي العهد أن يكبح روحه وهو يتقيأ دماً، غير أن الروح ازدادت انفلاتاً كلما استُخدمت القوة عليه.

روحه الوسطى استباحت روح إيزابيلا العليا، وروحه العليا الأخرى غمرت القصر الملكي بنيران جهنمية.

ورغم أن إيزابيلا كانت تملك عدداً أكبر من الأرواح العليا، فإن القتال كان متكافئاً على نحو مدهش.

‘ظننت أنني سأتمكن من إيقافه… لكن لم أتوقع أن يندفع اغتيال في تلك اللحظة.’

بينما كانت إيزابيلا تهمّ بالسيطرة على روح وليّ العهد، دخل قاتل أرسله فايتشي وأنهى حياة ولي العهد بضربة مباغتة.

وبذلك انقلبت المعركة فجأة إلى انتصار لإيزابيلا.

أما القاتل فقد لقي حتفه وسط الفوضى، وكان متنكرًا في هيئة خادم، فلم يُعرف هويته.

وإذ قُتل الكثير من خدم القصر الأبرياء في المعركة، صُوّر الأمر وكأن إيزابيلا هي من قتلت وليّ العهد.

‘لقد كانت روح وليّ العهد في حالة جموح آنذاك…’

ومن تلك التجربة المريرة عرفت إيزابيلا كم تكون الروح المنفلتة مريعة، وكم تنهك مستدعيها حتى يغرق في العجز واليأس.

“لا يا سيّدي النائب ليس خطأك.”

“أقدّر عزاءك، لكن لا ترهقي نفسك، فقد سمعت مثل هذا القول كثيراً.”

كلمات من نوع، لا بأس، ليس ذنبك.

كثيرون قالوها، لكن قلّ من قصدها بصدق.

وليكارْدو لم يصدقها يوماً؛ كيف لا وهو الذي رأى بعينيه روحه وهي تنفلت وتفتك؟

قدّر محاولتها الصادقة، لكنه كان يراها بلا جدوى. غير أن إيزابيلا أجابت بحزم:

“لست أقولها تلطّفاً، بل عن يقين. لست أواسيك.”

ملامحها أوضحت أنها لا تُسلي قلبه، بل تنقل حقيقة كما تُقرأ في كتاب.

“قد لا أعرف كل خفايا فن استحضار الأرواح، لكنني أعلم شيئاً يقيناً، إن الأرواح لا تعصي أوامر مستدعيها. بل أدق من ذلك، لا تستطيع عصيانها.”

فالعلاقة بينهما عقد صارم، سيد وعبد.

“ثم إن الروح تتأثر بمشاعر مستدعيها. وأنت يا سيّدي النائب كنت تبجّل والدك السابق المركيز وتحبّه. فكيف بروحك أن تعتدي عليه؟ ذلك أشبه بأن تطعن صدرك بيدك. أمر مستحيل إن كنت بعقلك.”

“ومع ذلك وقع. أنا رأيته، وعشته.”

“كونك رأيتَه بنفسك يزيد يقيني.”

فهي أيضاً قد رأته بأم عينيها، في حياة سابقة مع وليّ العهد.

“أمام روحٍ جامحة، لم يكن بوسعك أن تفعل شيئاً. هذا أمر بدهي.”

“ألا يخطر ببالك أن ذنب الأمر يقع عليّ، لأن روحي انفلتت؟”

“افترض أنني كنت أمتطي حصاناً، فارتاع فجأة عند رؤيته أفعى وقفز بي، فسقطت أرضاً. أهذا خطئي؟”

“……”

هل يُعقل أن يُلام المرء لأنه ساق الحصان قرب الأفعى؟ وكيف له أن يعلم بوجودها؟ فهل الذنب ذنب الأفعى؟ وهل اقتربت الأفعى قصداً لتعترض الطريق؟

“وماذا لو كان ثمّة من تعمّد إطلاق تلك الأفعى في الطريق؟”

“ماذا تقولين…؟”

“حينها، مَن يتحمّل مسؤولية سقوطي؟”

صار الجواب أيسر بكثير.

“أتعنين أن أحدهم أجبر روحي على الجموح، رغم إرادتي؟”

“في هذا العالم عقاقير وتعويذات كثيرة تسلب الإنسان عقله… فهل من المستحيل أن يكون ثَمَّ عقاقير وتعويذات مخصصة للأرواح؟”

“……!”

ارتجفت نظرات ليكاردو.

“أتقصدين أن الأمر من تدبير السحرة…؟”

–

ترجمة : سنو

انشر الفصول في جروب التيليجرام أول. وممكن لو انحظر حسابي بعيد الشر بتلاقوني هناك

بس اكتبو في سيرش التيليجرام : snowestellee
او هذا اللينك صوروه وادخلو له من عدسه قوقل: https://t.me/snowestellee

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.