الفصل 68
67
عاد باليريان إلى قصر الدوق، لكن سلوكه لم يكن على ما يرام.
ذلك الذي لم يفوّت تدريبًا واحدًا طوال حياته، بات يتغيب عنه في الصباح والمساء، بل ويختفي أحيانًا دون أثر.
الدوق لودفيغ، الذي راقب حاله عن كثب، أدرك أن باليريان تلقى صدمة كبيرة بعد أن اكتشف هوية إيف إستيلّا الحقيقية.
أن تكون خطيبته السابقة ساحرة… أمر كهذا يكفي ليزلزل أي إنسان.
لكن حالته لم تكن مجرد صدمة عابرة. كان الأمر أعمق من ذلك بكثير.
فكر الدوق وهو يحدق في ابنه:
‘كأنما رأى شيطانًا بعينيه.’
باليريان الذي عاش منذ طفولته مثقلًا بالمسؤولية والواجب، لا شك أن وجود ساحرة أمامه كان له وقع أقسى من غيره.
عينا الدوق انطفأ فيهما الضوء.
حين ألقى عبء مسؤولية وفاة ميلين على عاتق إيلّا، وتخلى عن دوره كوالد، ارتدت تلك المسؤولية كلها إلى ابنه.
ومنذ ذلك الحين، حمل في قلبه إحساسًا دائمًا بالذنب تجاه باليريان.
لكن مع مرور الوقت، شعر بالراحة حين رأى ابنه يؤدي دور إيلّا على أكمل وجه، وأقنع نفسه أنه قد وفّى دينه نحوه.
إلا أن الآن، حين يرى أن تلك الحقيقة باتت تهدد حياة ابنه كلها، بدأ صدره يضيق.
طرق طفيف على الباب قاطعه من شروده.
“من هناك؟”
“إنه أنا… أبي.”
كان باليريان.
ومنذ أخبره بالحقيقة حول إيف إستيلّا، كانت هذه المرة الأولى التي يزوره فيها بمكتبه.
نظر الدوق إليه بدهشة، ينتظر ما سيقوله.
“أود أن أُعيد القديسة يوري إلى المملكة المقدسة.”
لم يُمهّد لكلامه، بل دخل في صلب الموضوع.
عقد الدوق حاجبيه.
“وما السبب؟”
رغم سؤاله، إلا أن الجواب كان يخطر بباله:
‘لابد أن للأمر علاقة بإيف إستيلّا.’
إعادة القديسة إلى موطنها لم يكن بالأمر المستحيل إن قرر الدوق ذلك.
“بما أنك تعرف الحقيقة، سأكون صريحًا معك.”
ساد الصمت، فالدوق لم يسبق له أن رأى ابنه بهذه الجدية.
انتظر كلامه بنظرة ساكنة.
عضّ باليريان على شفتيه، ثم قال أخيرًا:
“أخشى أن تكشف يوري حقيقة إيف.”
جمدت نظرة الدوق.
القلق كان في محله.
فالقديسة، القادرة على رؤية قوى السحر، قد تكتشف هوية إيف بسهولة.
“أتفهم ذلك… لكن هذا ليس أمرًا أستطيع البتّ فيه وحدي. علينا أن نحصل على موافقة البلاط الإمبراطوري والمملكة المقدسة معًا.”
ردّ عليه باليريان بصرامة:
“وإن لم أستطع، فسأُعيدها سرًا بعربة من اختياري.”
“باليريان…”
حين التقت عينا الدوق الزرقاوين بعيني ابنه، علم حينها أن كلامه لم يكن مجرد اندفاع… بل كان حقيقيًا.
“تصرفك متهور. خذ بعض الوقت لتعيد ترتيب أفكارك.”
لكن باليريان قابل كلامه بمرارة:
“وهل تريد مني أن أرى إيف تموت أمامي؟”
“حتى وإن كُشف أمرها…”
لم يتمكن الدوق من إتمام جملته.
ساحرة.
وجودها في الإمبراطورية يُعد جريمة كبرى… وكان في كلام باليريان ما يبرر خوفه.
للمرة الأولى، عجز الدوق عن دحض كلام ابنه.
ضحك باليريان بخفة حزينة، وقال:
“أنت تعلم جيدًا يا أبي… إن كُشف أنها شيطان، فلن تنجو بحياتها.”
“شيطان…؟”
تجمد وجه الدوق.
‘هل قال شيطان؟’
“هل قلت إن إيف إستيلّا شيطانة؟”
“…نعم.”
أومأ فاليريان مؤكدًا، والدوق يضيق حاجبيه ببطء.
‘إيف؟ شيطانة؟ هذا مستحيل.’
علاقته بعائلة إستيلّا بدأت قبل ولادة إيف بسنين، وكان قد تابع نشأتها لحظة بلحظة.
بل وكان في ذلك الوقت لا يزال يؤدي دور إيلّا بنفسه.
‘إن كان ثمة استبدال بين إنسان وشيطان، فهل يُعقل أنني لم ألحظه؟’
“هل أقرت لك بذلك بنفسها؟”
“…نعم.”
بدا الاستغراب على وجه باليريان، لكنه أجاب بإخلاص.
“فهمت.”
لم يزد الدوق حرفًا.
“سأُبلِغ رئيسة الكهنة أرييل بالأمر، بناءً على هذه الحقيقة.”
ثم غادر المكتب.
أما الدوق، فاكتفى بالنظر خلفه بذهول، دون أن تُسعفه الكلمات لإيقافه.
كان يمسّد جبهته، عاجزًا عن تفسير ما يجري.
“الأمر لا يبدو منطقيًا.”
شيطان حقيقي… لن يعترف أبدًا بأنه كذلك.
كان ليسعى لقتل باليريان فورًا.
“إن كانت كذبة، فلمَ تكذب إيف إستيلّا؟”
أسئلة متلاحقة بدأت تغزو عقله.
لكن الإجابة ما لبثت أن تجلّت أمامه:
“إنها تحمي عائلتها.”
فالساحرة، بمجرد كشف أمرها، يُباد أهلها معها.
أما الشياطين، فلا يُعترفوا بمفهوم العائلة، وإن كُشف أمر أحدهم، يُعدَم هو وحده.
حين أدرك الدوق الحقيقة، غمرت عيناه الزرقاوان غمامة من الاضطراب والأسى.
* * *
في صباح اليوم التالي.
عندما تحدثت أرييل، نظرت إليها يوري بذهول وكأنها لم تصدّق ما سمعته.
“هل تقولين إن عليّ العودة إلى المملكة المقدسة؟”
“الدوق لودفيغ وافق على مساعدتنا بشرط أن تعودي. إنها صفقة جيدة حتى بالنسبة لكِ.”
قالت أرييل ذلك بصوت هادئ يشوبه النصح، محاولة الحفاظ على ابتسامة مصطنعة.
برأيها، هذا القدر من التفسير يكفي لإقناعها بالعودة معًا إلى المملكة المقدسة، بل وربما كان من المفترض أن توافق فورًا.
لكن على العكس، بدأت القديسة تثور رافضة الفكرة بشكل قاطع.
“مستحيل! لم أرتكب أي خطأ، فلماذا أهرب كأنني مجرمة؟!”
“…قديستنا.”
وفي تلك اللحظة، لمعت نظرة غريبة في عيني يوري السوداوين.
“وإذا عدتُ… هل سيعود ريّان معي؟”
“بالطبع، هل تظنين أن باليريان سيتركك تعودين وحدك؟”
ضحكت أرييل بخفة ولوّحت بيدها وكأنها تقول إن الأمر بديهي ولا يحتاج إلى شرح.
كلماتها الحاسمة بثّت بعض الطمأنينة في قلب يوري، لكنها لم تستطع التخلص من القلق تمامًا.
“من فضلك، اسأليه بنفسك.”
“هاه؟ آه… حسنًا، سأفعل ذلك.”
نظرت أرييل إلى القديسة بنفاد صبر للحظة وكأنها تظنها مزعجة، لكنها سرعان ما أومأت برأسها وابتسمت بهدوء.
لكن بعد قليل…
دخلت أرييل قصر الدوق لودفيغ، والارتباك واضح على وجهها.
“لن أعود إلى المملكة المقدسة.”
كان باليريان قد رفض الأمر تمامًا، حين سألته إن كان سيعود معهم.
بدأت أرييل تقضم أظافرها بقلق، فالأمور بدأت تخرج عن سيطرتها.
كل هذا بسبب تلك الحقيرة، إيف إستيلّا.
كل شيء كان ينفلت من يدها. وبينما كانت تذرع الممرات جيئة وذهابًا، لمحتها يوري وسارعت إليها.
“ماذا قال ريّان؟”
لكن يوري، التي رأت ملامح أرييل القاتمة، لم تكن بحاجة إلى سماع الإجابة.
باليريان رفض العودة معهم.
انقبض قلبها بشدة.
“أعتقد أن السبب هو إيف إستيلّا…”
تمتمت أرييل وكأنها تزفر تعبًا. عندها، عضّت يوري على شفتيها بقوة.
‘مجددًا، ذلك الاسم!’
لقد سئمت سماعه. شعرت برغبة في الاستسلام والتخلي عن كل شيء…
“آه…!”
وضعت يوري يدها على رأسها، وقد عاودها الصداع النابض مجددًا، ومرّ بعيونها وميض غريب سرعان ما تلاشى.
لن أهرب… أبدًا.
* * *
ومع مرور الوقت، لم يتبقَ سوى يومين على الحفل الختامي الذي تقيمه العائلة الإمبراطورية.
كان من المفترض أن يكون حفلًا تنكريًا، لكن بعد الحادثة الأخيرة مع الشياطين، تم إلغاؤه، واستُبدل بحفل نبيذ صيفي باستخدام أشهر فواكه الموسم.
كانت إيف تستمتع بظهيرة هادئة، غارقة في أكوام من الأوراق والأعمال.
وفي خضم تركيزها، اقتحم أحدهم المكتب فجأة دون حتى أن يطرق الباب، فرفعت رأسها بملامح فاترة ونظرت إلى الدخيل.
“…ما الذي تريده الآن؟”
قالت إيف بلهجة ضجر مألوفة. كان الداخل هو نواه، الذي تنهد عندما رأى مدى برودتها ولا مبالاتها.
“كلما فكرت بالأمر، كل هذا لا يبدو صائبًا.”
“تمنيت لو أنني لم أقل لك شيئًا من البداية.”
تمتمت إيف، تلوم نفسها على إفشاء الحقيقة. لم تكن تتوقع أن يبالغ نواه في رد فعله بهذا الشكل.
من حسن حظي أنني لم أخبر والديّ.
إذا كان هذا رد فعل نواه، فلا شك أن والديها سيكونان أسوأ. لكنها تنفست الصعداء، لأن نواه رغم انفعاله لم يركض ليُخبرهما بما حدث.
“بالنسبة لي، كان هذا أفضل خيار ممكن.”
“أفضل خيار؟ أن تتنكّري بهيئة شيطان؟ هل هذا كلام يعقل؟!”
نظر إليها نواه بدهشة وكأنه لم يصدق أذنيه.
“وكيف ستفسّرين الأمر لوالدينا؟! حين يظهر ذلك الرجل في منزلنا، سينكشف كذبك في لحظة!”
كان سؤاله في محله. أسندت إيف ذقنها إلى يدها وأخذت تفكر.
‘بالفعل… لو كان باليريان، فهو ذكي بما يكفي ليكتشف الأمر.’
وكان هذا ما يشغل بالها منذ البداية.
“لا خطة بديلة، فقط كذب فوق كذب…”
زفر نوح بعمق، ثم أضاف:
“لقد أخبرت والدينا بالأمر.”
“ماذا؟! وماذا قلت لهما؟!”
اتسعت عينا إيف في صدمة. كانت تظن أنه لم يقل شيئًا بسبب هدوئه.
“آه! لا أدري!”
صرخ نواه فجأة، ثم خرج من المكتب وهو غاضب. حدّقت إيف في ظهره وهي مذهولة.
جاء فقط ليفجّر غضبه ثم غادر؟
على الأقل، كان يمكنه مساعدتي في العمل قبل أن يذهب…
نظرت إيف بيأس إلى كومة الأوراق على مكتبها. يبدو أن كره العمل يجري في دماء هذه العائلة.
“وصلت رسالة من القصر الإمبراطوري، وأخرى من دوقية غيلين.”
“أرسلوا رسالة؟ من هناك(الحفل)؟”
فتحت إيف الرسائل التي سلّمها لها كبير الخدم.
كانت الأولى من ولي العهد زافيير، والثانية من الآنسة أوفيليا غيلين.
فتحت الرسالتين وقرأتهما، لكن محتواهما كان واحدًا:
[القديسة ستحضر الحفل الختامي للقصر الإمبراطوري.]
لم تكن سمعة القديسة في أفضل حالاتها حاليًا. ومع هذا المستوى من الانتقادات، فإن ظهورها في حفل بهذا الحجم لم يكن بلا معنى.
كانت تلك طريقة واضحة لتعلن نيتها بفضح سر إيف إستيلّا أمام الجميع.
تنهدت إيف تنهيدة طويلة، وكأنها كانت تتوقع هذا تمامًا.
______
والله ما اكذب انا بتأثر كتير من هاي الاحداث الي بتشق الراس وترجمت كتير فصول هليوم 👩🏻🦯وصار قلبي يوجع، تخيلت نفسي مكان ايف ولو انا مكانها كنت يا اما قلبت العالم ومتت او ضحيت بنفسي عشان اهلي او انتحرت بدري.
واحبكم كلكن يلي عم تعلقو وعم تعملو نجوم منجد بسببكن اصير سعيده لمه اتناقش معكممم🥹❤️
ترجمه: سـنو
واتباد :
@punnychanehe
واتباد الاحتياطي:
punnychanehep
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.