الفصل 110
الفصل الخاص 〈8〉
شعرت إيف برغبة شديدة في الفرار من هذا الموقف، إذ لم تكن تتوقع أن يُستقبلها بنفسه كبير خدم القصر الإمبراطوري ليرافقها إلى الداخل.
لا شك أن ثمة أمرًا غير طبيعي قد حدث!
‘باليريان، ما الذي تنوي فعله بحق خالق السماء؟’
بلغ بها الأمر حدّ التساؤل عن دوافعه الحقيقية.
فمهما حاولت أن تقتنع بالعكس، لم يكن إغلاق مقر شؤون الأحوال المدنية مجرد صدفة، بل بدا جليًّا أنه كان أمرًا مدبّرًا، بتخطيط دقيق من شخص ما.
ومن المرجح أن ذلك الشخص لم يكن سوى باليريان لودفيغ.
وصلت إلى مكان مألوف لديها… غرفة استقبال ولي العهد.
‘زافيير… هكذا قررت إذًا أن تتدخل؟’
صحيح أنه صديق مقرب من باليريان، لكن التدخل في شؤون زوجين إلى هذه الدرجة أمرٌ لا يخلو من قلة ذوق.
تماسكت إيف بصعوبة لتكبح الغضب المتصاعد في صدرها، ثم طرقت الباب.
كانت تعلم أنها إن لم تهدأ، قد لا تمانع في تحطيم باب غرفة استقبال ولي العهد ذاته.
“تفضّلي بالدخول.”
جاءها صوت زافيير المتزن، كما عهدته دائمًا.
‘لابد أن فاليريان بالداخل أيضًا.’
بسهولة أدركت الوضع، وزفرت طويلًا قبل أن تفتح الباب.
وكما توقّعت، كان باليريان جالسًا على الأريكة، يحدّق من النافذة.
كان يتعمّد تجاهلها تمامًا، مما وخز قلبها بمرارة.
عضّت على شفتيها وهي تدرك أن جسدها يخونها بردود فعل لم تكن ترغب بها.
لهذا السبب كانت تتجنّب لقاءه.
‘لماذا كنت أترقّب صوته الدافئ؟’
يبدو أنها في قرارة نفسها كانت تأمل دون وعي أن يُلاقيها بلطف كما اعتاد.
شعرت بالخجل من ذاتها، ومن ضعفها.
لكن لا بأس… ربما من الأفضل أنها حصلت على هذا الاستقبال البارد.
فلو أنه حاول تهدئتها بكلمات لطيفة، لذاب جليدها وضعف موقفها من جديد.
“مرحبًا بك يا صاحب السمو.”
“أهلاً بك سيدتي.”
أومأ زافيير برأسه ودعاها للجلوس. المشكلة أن المقعد الذي أشار إليه كان بجانب باليريان مباشرة.
‘أهو يحاول لعب دور الوسيط؟’
أدركت إيف قصده بسرعة، لكنها لم ترد إثارة الجدل، فجلست دون أن تنبس ببنت شفة.
تسلّل من النافذة المفتوحة عبيرٌ مألوف، داعب طرف أنفها.
كان عبير جسد باليريان، ذاك الذي لم تشعر به منذ أن غادرت منزل لودفيغ.
وما إن فاحت تلك الرائحة، حتى بدأ قلبها يتأرجح ويتخلخل.
‘هل أنا ضعيفة إلى هذا الحد؟’
رفضت الاعتراف بذلك، فرفعت رأسها بشموخ وأمسكت بكوب الشاي.
“باليريان، ألا يستحق الأمر منك على الأقل أن تنظر إليها؟”
لم يحتمل زافيير صمته، فنبّهه بلطف. عندها فقط تنهد باليريان أخيرًا، وأدار وجهه عنها ببطء.
أما إيف، فقد تظاهرت بالتركيز على شرب الشاي كي لا تلتقي أعينهما.
لكن بالنسبة لزافيير، كانت تصرفاتها أوضح من أن تُخفى.
‘يا له من شجار بين زوجين… درامي بكل معنى الكلمة.’
زفر زافيير بصمت، متذكّرًا أن وضعه لا يسمح له بالجلوس ساخرًا كالمتفرّج.
‘حقًا، كمن يقع بين صراع الحيتان… فيكون مصيره الانسحاق.’
وقبل أن ينبس بكلمة، سبقتْه إيف:
“يا صاحب السمو، لا داعي لأن تتكلف عناء التدخل في شؤون لا تخصّك.”
“لكن… لا أنكر أن لي يدًا في ما حدث، فقد كنتُ من أرسل الرسالة.”
“وكيف تكون مسؤولاً عن ذلك؟”
بدت حيرتها صادقة وهي تفتح عينيها باستغراب.
“كل ما حدث كان بسبب كذبة باليريان. لا علاقة لك بالأمر يا جلالتك.”
زافيير لم يكن يختلف معها، بل كان متفقًا معها تمامًا.
لكن صديقه العزيز، الذي تلقّى صدمة الطلاق كصفعة مدوية، لم يكن بحالة عقلية تسمح له بالتفكير المنطقي.
زافيير لم يجد في نفسه الجرأة ليقول بصراحة:
“صاحبنا فقد صوابه وأنا العالق في المنتصف.”
فمقامه كولي عهد لا يسمح له بأن يشكو أمام زوجة صديقه.
“لا شك أن لكما حديثًا خاصًا. سأكون في المكتب. وإن…”
نظرت عيناه الخضراوان سريعًا نحو باليريان، ثم عادت إلى إيف:
“إن كنتِ مصممة على الطلاق، تعالي إليّ. كما تعلمين، لا أحد في مقر شؤون الأحوال المدنية اليوم يمكنه إتمام إجراءات الانفصال.”
“جلالتك هل تنوي استلام طلب الطلاق بنفسك؟”
“……نعم، هذا صحيح.”
رغم أن الأمر بدا غريبًا، أومأت إيف برأسها.
“حسنًا، فهمت.”
لكنها لم تظهر نية واضحة في التوجّه إلى مكتبه فورًا.
لاحظ زافيير أنه لا يزال هناك بصيص أمل في إصلاح العلاقة، فالتفت إلى باليريان.
لكن حالته لم تكن على ما يرام.
‘ليتصرف كما يشاء.’
لم يعد يشعر بالقلق، بل بدأ ينزعج من كل هذا التوتر والدراما.
وهكذا تُرك باليريان وإيف بمفردهما في غرفة الاستقبال.
ظل باليريان صامتًا وشفتيه مطبقتان بإحكام.
‘حتى عندما تتحدث ببساطة إلى زافيير، تبدو ساحرة بهذا الشكل… كيف؟’
بعد فترة من البعد، بدت له إيف أكثر جمالًا من أي وقت مضى.
لكن مع ذلك، تسللت إلى صدره مرارة خانقة.
كيف يكون صوتها عطوفًا إلى هذا الحد مع زافيير، بينما لا تمنحه هو إلا الجفاء والبرود؟
رغب في سؤالها وفي أن يواجهها، لكنه كان يعرف الجواب مسبقًا.
لقد خاب أملها فيه.
‘هل باتت تمقتني لهذه الدرجة؟’
قضى أيامًا يفكر مليًا.
لو أن غضبها اقتصر على كذبته الصغيرة بشأن سبب تأخره، لما حبست نفسها في منزل الكونت إستيلا، ولما استعانت بالسحر لمنعه من الاقتراب.
‘ربما قلبها… لم يعد لي بعد الآن.’
فكرة كهذه خنقته وعجز عن التنفس.
وإن كانت حقيقية، فلن ينفع معها أي تبرير. قد تنظر إليه بوجه جامد، وتتعامل معه كما لو كان غريبًا تمامًا.
وإن كانت قد حضرت اليوم وهي تحمل طفل في أحشائها… فذلك لا يعني سوى أنها قطعت كل صلة به، رغم كل شيء.
رغِب فجأة في أن يواجهها وأن يسألها مباشرةً:
‘هل لا مجال للعودة بعد الآن؟’
لكنه كان في الوقت نفسه خائفًا… خائفًا مما قد يسمعه منها، فلم يجرؤ على النطق.
اكتفى بالصمت، وجهه شاحب كالثلج.
“… باليريان.”
كانت تحاول أن تبدو غير مكترثة، تنظر بعيدًا عنه، لكنها كانت مشغولة به تمامًا. كل حواسها كانت منصبّة عليه.
لم تستطع تجاهل الأمر أكثر، خاصة بعدما لاحظت شحوبه يزداد.
“باليريان!”
نادت بصوت قلق، لكنه لم يجب. كان لا يزال في مكانه جامدًا، وجهه فاقد للحياة.
“هل أنت مريض؟”
اقتربت منه بغير وعي، وضعت يدها على كتفه، ففاجأها فجأة بإمساك يدها.
صدمت من دفء جسده، حاولت سحب يدها، لكنها لم تستطع.
قبضته كانت قوية، وإن لم تكن مؤذية، إلا أنها لم تكن تسمح لها بالإفلات.
فتحت فمها لتأمره بأن يترك يدها، لكنه سبقها بالكلام:
“… لست بخير يا إيف.”
لأول مرة تلتقي أعينهما منذ بداية اللقاء.
عيناه الزرقاوان كانتا مبللتين بالدموع.
“أشعر أنني تافه، وغبي… لا أطيق نفسي.”
“…….”
– “مجرد فكرة أنك قد ترحلين عني… تجعلني أرغب بالموت يا إيف.”
حين نظرت إيف في عينيه، أدركت فورًا أن هذه الكلمات لم تكن مجرد محاولة لاستعطافها.
بل كانت حقيقية تمامًا… صادقة إلى أقصى حد.
حينها فهمت أيضًا سبب تهرّبه من النظر في وجهها منذ البداية.
شعرت بإرباك وبثقل في صدرها. ووسط ذلك تذكرت أمرًا ما، ففتحت شفتيها وقالت:
“باليريان، سمعتَ أنني حامل، أليس كذلك؟”
“… نعم.”
“إن كان هذا هو سبب تمسكك بي، فلا داعي لذلك.”
ابتسمت بهدوء، بابتسامة جميلة كزهرة متفتحة، لكنها كانت جارحة كالأشواك في قلب باليريان.
“ماذا؟”
“لستُ حاملًا. كانييل خُدع بمزحة أطلقتها أنا، وظن أنني كذلك.”
ثم أضافت، بعينين باردتين:
“ما أقصده هو أنك لستَ مضطرًا لأن تشعر بالمسؤولية تجاهي بسبب ذلك.”
ردّ باليريان بسرعة، بتوتر ظاهر:
“لا يا إيف… الأمر ليس هكذا. لست متمسكًا بك لأنك حامل.”
ثم أمسك يدها الأخرى وقال:
“ربما يصعب عليكِ تصديقه الآن، لكنك كنتِ دومًا مثل الشمس في حياتي. كنتِ تؤمنين بي، تحبينني… لكنني أنا من دمّر كل شيء.”
ارتجفت عيناها الحمراوان قليلاً، لكنها لم تعلق.
“مع هذا، أريد أن أطلب الغفران، رغم كل شيء. كما أن البشر لا يستطيعون العيش دون شمس، فأنا كذلك… لا أستطيع تخيل حياتي من دونك.”
“… إذًا، كان عليك ألا تكذب عليّ من البداية.”
قالتها إيف بصوت بارد، محاوِلة أن تبقي على رباطة جأشها.
ارتجف طرف فم باليريان وكأنه يستعد لقول شيء يتردد في البوح به.
حين رأت إيف ملامح فاليريان المترددة، وكأنه يعجز عن الكلام، لم تلح عليه بالسؤال عمّا يخفيه، بل قالت بهدوء:
“ريان، هل تعرف أكثر نوع من الأشخاص أكرهه؟”
“…….”
“الشخص الذي يختلف باطنه عن ظاهره. أعتقد أنني كنت كذلك معك في الماضي… لكنك كنت دائمًا صادقًا وواضحًا معي. كنت أراك وأشعر بالخجل من نفسي، فقررت أن أتغير… وأن أكون أكثر صدقًا.”
توقفت إيف عن الكلام للحظة.
لاحظ باليريان أنها كانت تحاول كتم دموعها، فأحس بألمٍ شديد، وارتسمت ملامح الحزن على وجهه.
“السبب الذي جعلني أحبك هو أنك كنت صادقًا تمامًا في مشاعرك تجاهي. ولهذا أيضًا، قررت أن أبتعد.”
كانت عيناها الحمراوان تشعّان بالوضوح، تراقبانه دون تردد.
“الآن جاء دورك يا باليريان. لكن لا بأس إن لم تكن مستعدًا للكلام. فقط… إن لم تكن تنوي أن تقول شيئًا…”
نهضت من مكانها.
“تعال معي إلى مكتب ولي العهد.”
أسرع باليريان وأمسك بذراعها.
كانت تنوي أن تطلب منه أن يتركها، لكنها توقفت حين لاحظت أنه مغمض العينين، كما لو كان يحاول حسم أمرٍ صعب.
وبعد لحظة، فتح عينيه وقال:
“كنت خائفًا… خائفًا أنك قد تحتقرينني إن عرفتِ ما في قلبي.”
“… أحتقرك؟”
“………”
تردد مجددًا، لكن نظرة إيف اشتعلت بالغضب.
“إلى أي حد تنوي إذلالي؟”
“إيف، أعلم أن الموقف قابل لسوء الفهم… لكنني لم أستطع قول الحقيقة. لم أقدر.”
“أنا لا بأس بي، قلها. كن صريحًا يا باليريان.”
لكن لم يبقَ أثر لابتسامتها.
“حتى لو كنت تكره لمسي… يمكنك أن تقولها لي.”
أخيرًا، اعترف بصوتٍ خافت:
“الحقيقة هي العكس تمامًا.”
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.