الفصل 108
الفصل الخاص 〈6〉
عندما سمع الجوال الصادم، رفض نواه تصديقه في بادئ الأمر.
“أنتِ تمزحين، أليس كذلك؟ لا، مستحيل أن تمزحي في شيء كهذا. إذاً… أنتِ جادة؟ هذا غير معقول!”
ثم، دون أن يتلقى أي رد من إيف، راح نواه يتحدث وحده، يمثّل كل الأدوار ويثير ضجة من تلقاء نفسه.
“حقاً؟! طلاق؟! بعد كل ما حدث، تنتهي الأمور بطلاق؟!”
“قلت لك نعم! كفاك ضجيجاً، أيها الثرثارة!”
صرخت إيف بغضب.
“ما الذي…؟”
نظر نواه إليها بدهشة، وقد غمره الذهول.
عندها فقط أدرك السبب الذي جعل إيف تتكتم على الأمر ولا تخبر العائلة بالتفاصيل مسبقاً.
لقد كان الأمر أشبه بإسقاط قنبلة، يصعب البوح به بسهولة. وهذا ليس جديداً عليها.
فمنذ زمن، اعتادت أن تبوح بالأمور التافهة بسهولة، أما ما هو مهم أو جلل، فكانت تكتمه وتتحمّله وحدها، أو تحاول حله بنفسها.
‘ما الذي يدفعها للتصرف هكذا؟’
في الواقع، لم يكن الأمر عسيراً على الفهم. حتى نواه الذي نشأ تحت نفس السقف، رأى أن والديهما كانا لا يتحليان بالنضج الكافي مقارنة بعمرهما.
‘قد لا يكونان أهلًا للاعتماد عليهما… لكنهما يظلان عائلة!’
“على الأقل أخبرينا بما حدث… لا يعقل أن تتركينا هكذا!”
أحسّ نواه بالاختناق من الإحباط.
ولما تذكر أن شقيقته كانت من قبل تكنّ الإعجاب الشديد لـ باليريان، وتتبع أخباره كالمعجبين، شعر بقبضة باردة على صدره.
فإذا كانت إيف قررت الطلاق رغم كل ذلك، فلا بد أن هناك سبباً جللاً.
فهي رغم عنادها وافتخارها بقوتها كالثور، لم تكن بالشخص الذي يتخذ قراراً كبيراً كهذا بسبب خلاف عابر.
“هل أساء إليكِ؟ هل فعل شيئاً شنيعاً؟”
تحوّل تعبير نواه إلى الجديّة فوراً.
“… لا أعلم.”
همست إيف، مترددة. فأطلق نواه تنهيدة حادة، وتجهم وجهه بقوة.
“إذن هو مجنون تماماً، أليس كذلك؟!”
“……”
“بصراحة، ربما من الأفضل أن تنفصلي عنه. ارتاحي منه. لم أكن أحب رؤيتك وأنتِ تسيرين خلفه بلا إرادة.”
“اصمت.”
“آه، حتى في موقف كهذا، ما زلتِ تحاولين الدفاع عنه؟!”
كان هناك فرق شاسع بين أن تنتقده هي، وأن ينتقده غيرها.
ومع أن إيف شعرت بالغيظ لسماع نواه يشتم باليريان، فإنها في ذات الوقت أدركت مدى سذاجتها، فاستبد بها شعور بالمهانة والغضب.
“أجل! أنا حمقاء! مغفّلة!”
ثم رفعت الوسادة الموضوعة على الأريكة وركلتها بعنف. وبمحض الصدفة، طارت الوسادة لتصطدم بوجه نواه مباشرة.
“هل فقدتِ صوابك؟!”
وقبل أن تندلع الحرب الألفية رقم 2394 بين الشقيقين-
طرق طفيف على الباب.
“مـ…من؟!”
تجمّدت إيف في مكانها.
والداها لم يعتادا على طرق الباب، فهل يكون أحد الخدم؟
“من الطارق؟”
“لا أدري.”
“اذهب وافتح.”
دفعت إيف شقيقها إلى الباب على عجل، فتقدم نواه وهو يتمتم بضيق، ثم فتح الباب.
“من…؟ أوه. من حضرتك؟”
“أوين ماتياس.”
“أعتقد أني سمعت هذا الاسم من قبل…”
“أنا نائب قائد الكتيبة الأولى.”
“آه، الكتيبة التي انضم إليها أحدهم حديثاً، أليس كذلك؟”
“يبدو أنك مطلع جيداً.”
في تلك اللحظة، ومن تحت الأريكة حيث اختبأت إيف، خفق قلبها بعنف مع سماع الحوار.
فالكتيبة الأولى تعني… باليريان.
فهل كان هو من أرسله؟
ألقى نواه نظرة سريعة نحو الأريكة، ثم تنهد قبل أن يسأل:
“لكن، ما السبب الذي دفعك للمجيء إلى هنا، مع أنك شخص ذو رتبة عالية؟”
شدّت إيف انتباهها بكل حواسها، وابتلعت ريقها بصعوبة.
“جئت بأمر من سمو ولي العهد.”
‘ولي العهد؟ زافيير؟!’
أمالت إيف رأسها في حيرة.
لم يكن من عادته إرسال أحد إلى هذا المكان، فهل الأمر يخص نواه وليس هي؟
“لقد استُدعيت إلى القصر، السيدة إيف لودفيغ.”
… على ما يبدو، كان الأمر يخصها بالفعل.
أطلقت إيف تنهيدة ارتياح، لكنها لم تستطع كتم تساؤلها الداخلي:
‘لكن… لماذا يريد زافيير رؤيتي؟’
“قل له إنني لا أستطيع الذهاب.”
همست بذلك لنواه وهي تحرّك شفتيها فقط.
قرأ نواه حركة شفتيها، فتغيرت ملامحه، وانكمشت عيناه وكأنها صارت مثلثتين من التوتر.
قال بصوت مصطنع الجدية:
“لكن أختي الآن مريضة جدًا… ولا يمكنها الخروج من الفراش في هذه الحالة.”
“هذا مؤسف. نتمنى للدوقة الشفاء العاجل. هل يمكننا معرفة متى يُتوقع أن تستعيد قدرتها على الحركة؟”
“يعتمد الأمر على مدى تحسن حالتها، لا يمكنني تحديد موعد الآن.”
“مفهوم.”
ثم سأل نواه، متظاهرًا بالفضول:
“لكن… هل يمكنني أن أعرف ما السبب وراء استدعاء سمو ولي العهد لأختي؟”
“قال إنها مسألة شخصية.”
“مسألة شخصية؟ وما هي تحديدًا-“
“عذرًا، لا أستطيع قول المزيد، سيكون تجاوزًا لحدودي.”
وبعد هذا الجواب، غادر أوين ماتياس دون أن يبدي شكوكًا تُذكر.
وما إن أُغلق الباب، حتى تنهد نواه بعمق، ثم التقط وسادة من على الأريكة وقذفها مباشرة نحو رأس إيف التي كانت تزحف خارجة من تحتها، فأصابها في مقتل.
“أيتها المجنونة! هل تُجبرينني حقًا على الكذب على القصر الإمبراطوري؟!”
صرخت إيف وقد علت نبرتها:
“ولكن إن خرجت الآن، فسأصطدم حتمًا بـ باليريان!”
رد نواه غاضبًا:
“فتكذبين من أجل ذلك على ولي العهد؟!”
ثم نظر إليها كما ينظر البالغ إلى طفل لا يعقل.
قالت إيف، بصوتٍ خافت:
“سأذهب غدًا… فقط غدًا، وسأستخدم السحر للانتقال الآني.”
هزّ نواه رأسه يائسًا:
“إن فعلتِ ذلك، سيظنونك متسللة ويعدمونك على الفور.”
“لا بأس، فأنا الأقوى هناك.”
قالتها بثقة، ثم همست وكأنها تعترف بسر خطير:
“باستثناء باليريان طبعًا…”
نظر نواه إلى الأرض وزفر زفرة عميقة جدًا، وكأنه سقط في هوّة من الإحباط.
“افعلي ما شئتِ… أنتِ زرعتِ هذه الفوضى وعليكِ الآن أن تحصدي نتائجها…”
وكالعادة، انتهى الأمر باستسلام نواه.
في القصر، كان زافيير يضحك ساخرًا بعدما وصله تقرير أوين:
“قالوا إن السيدة إيف لودفيغ مريضة؟”
كان يضحك، لأنها في رأيه آخر شخص يمكن أن يمرض في هذا العالم.
‘لو أخبرت ذلك المجنون بهذه الحكاية… سيقلب الدنيا رأسًا على عقب.’
منذ تلك الحادثة، لم يعد زافيير ينادي باليريان باسمه في غيابه، بل بلقبه المفضل “المجنون”. حتى الموظفون، الذين ارتبكوا في البداية، اعتادوا الأمر وتابعوا أعمالهم بهدوء.
قال فجأة:
“أرسلوا كبير أطباء القصر كانييل، إلى قصر الكونتيسة إستيلا.”
ذهل مساعده من هذا القرار.
أن يُرسل أعلى سلطة طبية في القصر إلى بيت إيف؟ بدا الأمر مبالغًا فيه.
أما زافيير، فاتكأ إلى ظهر كرسيه وهمس:
“عليّ أن أُظهر شيئًا من الجدية، علّه يهدأ ذلك المجنون.”
ثم أطلق زفرة خفيفة، فقد أغاظه أن إيف لودفيغ كذبت عليه علنًا، بل بكل وقاحة.
“أتساءل ما وجهها حين ترى كانييل.”
* * *
‘تبًا، أيها المعتوه.’
هكذا شتمته إيف في سرها.
تكاد تغلي من الداخل، وهي تحاول تمثيل دور المريضة بإقناع.
كان ذلك في مساء اليوم نفسه الذي زارهم فيه أوين ماتياس.
فجأة وصل الخبر إن القصر الامبراطوري أرسل كبير الأطباء لفحصها!
تجمدت في مكانها من الصدمة. ثم حين عرفت أن المُرسل هو كانييل نفسه، شعرت برغبة في الشتائم للمرة الثانية.
‘زافيير ذلك الوغد، عرف أنني أفتعل المرض وأراد فضحي.’
تمتمت بغضب.
لكن ما أثار استغرابها حقًا هو أن كانييل بدا في صحة ممتازة، أفضل مما كان عليه في السابق.
قال وهو يدخل:
“مرحبًا مجددًا، سيدة لودفيغ.”
زحفت خارجة من تحت الغطاء، مجبرة على استقباله:
“أه… أهلًا كانييل، طال غيابك.”
رفع حاجبه باستغراب وقال:
“سمعت أنك مريضة، وهذا غريب… جسدك من المفترض أنه أصبح منيّعًا بفضل عشبة الخلود. على كل حال، أتيت فورًا.”
ثم بدأ يفحصها بنصف شك، ونصف فضول:
“ما الأعراض التي تعانين منها؟”
ردت وهي ترتجل:
“أشعر بثقل في جسدي… وحرارة…”
ولم تكتفِ بالكذب، بل استخدمت سحرها لرفع حرارة جسدها فعليًا.
ظل كانييل يتفحصها، يحاول الربط بين ما يشعر به وما يراه.
ثم فجأة صفق يديه، كمن اكتشف السر:
“هناك احتمال واحد فقط لما تمرين به.”
ارتبكت إيف.
‘هل اكتشف أنني أكذب؟’
قال كانييل ببساطة:
“مبارك، على ما يبدو… أنتِ حامل!”
“ماذا قلت؟!”
شهقت إيف، وفتحت فمها من الذهول.
‘مستحيل…’
همست لنفسها، فهي أنهت دورتها الشهرية منذ يومين فقط!
“عذرًا؟ لم أسمع.”
“لا، لا شيء… أقصد… ح-حامل؟”
ضحكت بتوتر، تعلم أن استمرار الحديث قد يكشف الكذبة.
‘يا للهول… هذا سيجعل الأمور أسوأ!’
فكرت بذعر.
لكن الوقت فات.
قال كانييل وهو يهمّ بالخروج:
“أكرر تهانيّ! مبارك الحمل!”
نهض مسرعًا، لكنها أمسكت به قبل أن يغادر:
“لحظة! كانييل!”
“نعم؟”
“هل يمكنك… أن تُبقي هذا الخبر سرًا؟”
ابتسم وقال:
“بالطبع، هذه أخبار مفرحة ويجب ألا تُعلن إلا من قِبلكِ أنتِ.”
‘الحمد لله…’
تنفست الصعداء، فقد تبيّن أن كانييل رجل حكيم ومحترم.
حين غادر، جلست إيف في الغرفة وحدها، تحدق في النافذة مذهولة:
“مستحيل أن أكون حاملًا!”
هي تعرف أن السخونة التي شعر بها كانييل كانت من سحرها، لكن لأن جسدها أصبح لا يمرض بفضل العشبة، فقد بدت الأعراض مشابهة تمامًا للحمل.
‘يا إلهي، ما الذي وقعتُ فيه…’
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، ترسم ظلالها الطويلة على الأرض.
وأثناء نظرها إلى الأفق، أدركت إيف حقيقة بسيطة لكنها لافتة:
كانييل، كبير أطباء القصر…
هو أيضًا، في النهاية، مجرد موظف يتوق إلى نهاية دوامه مثل الجميع….
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.