الفصل 199
199 – الفصل الجانبي 10 -النهاية-
الفصل الجانبيّ 10
“…شهقة، شهقة.”
“هل هدأتِ قليلًا الآن؟”
في غرفة النوم ذات الإضاءة الخافتة، نظر إليّ إيان بينما كنتُ جالسة، ملفوفة ببطانية و أنا أشهق من كثرة البكاء.
كان مصباح الطاولة، مصدر الضوء الوحيد في الغرفة، يضيء وجهه بنعومة.
بعد أن بكيت حتى جف حلقي تحت المطر، وحين حملني عائدًا إلى المبنى الرئيسي، كنا كلانا مبتلّين تمامًا، نبدو كجرذين مبلولين.
قام بمواساتي، و أخذني إلى الحمام، وساعدني على الاستحمام و تغيير ملابسي، لكني كنت غارقة في حزني و إحباطي، و لم أستطع التوقف عن البكاء.
كيف يمكن أن يحدث هذا؟
لقد بذلتُ جهدًا كبيرًا.
كنت أريد أن أتقدّم بطلب الزواج بأجمل طريقة في الإمبراطورية كلها.
حتى لو كانت الأقدار تعبث بي، فهذا كثير جدًا.
ومع دوران تلك الأفكار في رأسي، تصاعد الحزن داخلي مجددًا، و انكمش وجهي بأسى.
“آه…”
وقبل أن أبدأ في البكاء مجددًا، ظهرت على وجه إيان ملامح الذعر.
“إلويز؟”
“شهقة.”
ومع انهمار دموعي و مخاطي بلا تحكم، احتضنني إيان بقوة، لا يدري ماذا يفعل.
وكانت المشكلة أن عناقه اللطيف جعلني أشعر بحالي أكثر بؤسًا.
“آآهه، ما كل هذا… كنت أريد عرض زواج مذهلًا.”
تذمرت بصوت مبحوح و أنفي مسدود، بينما هو يربّت على ظهري بإيقاع منتظم.
“لقد عملت بجد لأجهّز كل شيء. شهقة، شهقة، حتى لا تكتشف الأمر، آه، و كنتُ…”
“أعرف. من فضلكِ، لا تبكي.”
“لم يكن من المفترض أن ينتهي الأمر بهذه الفوضى، شهقة.”
“الطقس لم يكن في صفكِ.”
“آآآآه!”
بعد بكاء طويل، هدأتُ أخيرًا، وأنا أشهق ببطء بينما أبتعد عن ذراعيه.
مدّ إيان يده بلطف و مسح عيوني المنتفخة.
“ألم أخبركِ؟ طالما أنتِ معي، يا إلويز، فهذا يكفيني.”
“لكن…”
إنه لأمر ظالم جدًا.
بينما كنتُ أعبس، أمال إيان رأسه قليلًا وأطلق ضحكة خفيفة.
…هل هو يضحك؟
“هل تجد الأمر مسليًا الآن؟”
“لا، أنا آسف. فقط…”
وحين نظر إليّ مجددًا، لم يستطع إخفاء لمحة السرور في وجهه.
“أنا سعيد.”
“…ماذا؟”
“كنتِ تجهزين عرض زواج من أجلي فقط، والآن أنتِ حزينة لأنه لم يسر كما خططتِ. هذا يجعلني سعيدًا.”
…ما الذي يقوله هذا الرجل حتى؟
تفاجأت بكلماته غير المتوقعة، و حدقت فيه مذهولة، ناسيةً دموعي للحظة.
لكن، رغم أن ملامحي كانت مليئة بالحيرة، لم يُعر إيان الأمر اهتمامًا، واستمر في مسح وجهي المبلل بالدموع.
“وأيضًا،”
أضاف، وشفته ترتجف وكأنه يحاول منع ابتسامته،
“تبدين لطيفة للغاية عندما تبكين هكذا.”
“هل…هل أنتَ مجنون؟”
لم أستطع منع نفسي من سؤاله بصدق.
في هذه المرحلة، لا بد أن هناك خللًا ما في دماغه. هل تعطّل الذكاء الاصطناعي خاصتنا أخيرًا؟
لكن إيان فقط نظر إليّ بنظرة مليئة بالمحبة لدرجة أنها كانت تكاد تخنقني.
ثم، وهو يرفع عينيه بخفة بمكر، قال بتعبير ماكر
“من الناحية التقنية، لم ينتهِ كل شيء بعد، أليس كذلك؟”
“ما هذا الهراء الذي تقوله الآن…؟”
ماذا يعني هذا؟ كل شيء انهار، عن أي شيء يتحدث؟
أشار إيان إلى إصبعه البنصر الخالي وقال:
“أنتِ لم تضعي الخاتم لي بعد.”
“…ماذا؟”
“بما أن المكان هادئ، ولدينا إضاءة رومانسية كما أردتِ…”
“……”
“لمَ لا تفعلينها الآن؟ ضعي الخاتم في إصبعي.”
قال ذلك، وهو يناولني علبة الخاتم من على الطاولة بجانب السرير، بينما يمدّ يده لي.
إذن… هو يطلب مني بكل وقاحة أن أضع الخاتم له الآن، في هذا الوضع؟
حدّقت في الأشياء التي أمامي بلا تعبير، بينما هو استخدم يده الأخرى ليزيح خصلة شعر عن وجهي و هو يقول بمزاح
“ألن تضعينه لي؟”
كيف يمكنني فعل ذلك الآن، و قد تحطّمت كل أجواء عرض الزواج….
“إلويز.”
لكن صوته كان لطيفًا جدًا لدرجة أنني لم أستطع الرفض.
“…حسنًا، سأفعل.”
أخيرًا، أخرجت يدي من تحت البطانية و أخذت علبة الخاتم منه بتردد.
و بـنقـرة ناعمة، فتحت العلبة، فظهرت ماسة زرقاء تلمع بخفوت تحت ضوء مصباح السرير.
“……”
“…آه.”
بعد أن شممت أنفي للمرة الأخيرة، أخذتُ الخاتم بحذر و وضعتُه في إصبعه.
وكما توقعت، كان مقاسه مثاليًا تمامًا لإصبع إيان.
‘حتى يداه جميلة.’
حدّقت في يده لبعض الوقت، وعندما رفعت نظري أخيرًا، تلاقت عيناي بعينيه.
كان إيان يراقبني طوال الوقت، بنظراته الهادئة والثابتة.
ثم، وهو يغلق عينيه الزرقاوين بلطف، اقترب و وضع قبلة رقيقة على جبيني.
“مقاسه مثالي. أعجبني كثيرًا.”
“…هل أنتَ بخير حقًا بهذا فقط؟ كنت أريد أن أقدّم لك عرض زواج أكثر روعة.”
“لا يمكن أن يكون هناك ما هو أفضل من هذا.”
كان صوته صادقًا تمامًا، بلا أدنى تكلّف، مما جعل صدري يمتلئ بدفء عذب.
وبينما كنت واقفة هناك، أشعر بصدق مشاعره، مدّ يده ولمس خدي بلطف، وقال بابتسامة صغيرة:
“إذًا، إلويز.”
“نعم؟”
“أعتقد أنكِ لم تنتهي بعد مما كنتِ على وشك قوله سابقًا.”
“…آه.”
جملة عرض الزواج.
تذكرت فجأة، فترددتُ قليلًا و أنا أشعر ببعض الإحراج بينما كنتُ أعبث بأصابعي وأتجنب النظر إليه. ثم أخذت نفسًا عميقًا.
“ما أردتُ قوله هو…”
قبضت على يده بإحكام، ثم نظرت في عينيه مجددًا.
لم يستعجلني، بل انتظر بصبر.
“……”
رغم أن هذا بعيد جدًا عن عرض الزواج الذي خططت له…
“كل الأيام التي قضيتها معكَ كانت رائعة، و أعتقد أنها ستبقى كذلك دائمًا.”
كان هذا الشعور كافيًا، طالما أن من أقف أمامه هو هذا الشخص.
“فهل…؟”
توقفت لحظة، وقلبي ينبض بقوة، ثم تمتمت بصوت خافت
“هل تقبل الزواج بي، إيان؟”
وما إن أنهيت كلماتي، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشرقة.
“هذا كل ما كنت أتمناه.”
وفي اللحظة التالية، انحنى وقبّلني برقة، فأغمضت عيني بهدوء لأستمتع بتلك اللحظة.
****
كان الطقس مشرقًا و مشمسًا، وكأن المطر لم يهطل أبدًا.
السماء الزرقاء صافية كالمرآة، و السحب التي تنساب مثل بتلات زهور، تضفي جمالًا هادئًا.
في غضون أسبوع فقط، أزهرت أزهار حديقة الدوقية الكبرى بشكل رائع، و راحت الأقمشة الملوّنة تتراقص بلطف من حولها.
أقيم حفل الزفاف بشكل بسيط كما كان مخططًا، لذا كانت جميع الوجوه المحيطة بنا مألوفة.
ولية العهد، تصفق بحماسة.
ديانا، تبتسم بجانبها.
السيدة زيد، تنظر نحونا بتعبير مفعم بالفخر، على غير عادتها.
فيفي، تمسح دموعها.
وكايل، يربت على كتفها، وقد تخلى تمامًا عن محاولات إخفاء مشاعره.
كان بجانبهم أفراد عائلة الماركيز ميري، والكونتيسة أولسن ، ودوق و دوقة بريليوز اللذين كانا يبدوان في غاية الرضا. إضافة إلى النبلاء الذين دعموا إيان و وقفوا إلى جانبه بإخلاص.
وفي وسط كل أولئك، وقفنا أنا وإيان جنبًا إلى جنب في نهاية ممر الزفاف، مرتدين ما صنعته ديانا و السيدة زيد معًا.
نسيم خفيف داعب خدي و أدى إلى رفرفة فستاني، بينما التفت إليّ إيان بابتسامة مشرقة.
“تبدين مذهلة، يا إلويز.”
“وأنت أيضًا، تبدو رائعًا، إيان.”
وبينما تبادلنا النظرات، قاطعنا من المقدمة صوت مألوف-الإمبراطورة إليسيا.
“تدعوانني لأزفكما، ثم تتوهان في عالمكما الخاص-يا لكما من جريئين.”
رغم كلماتها، كان وجهها أكثر الوجوه سرورًا في المكان. كان بإمكانها أن تبتسم حتى أذنيها.
“وبما أن هذا زفافكما الثاني، فلنتجاوز المراسم الطويلة. كما تعلمون جميعًا، أنا لا أحب الخطابات المطوّلة.”
انطلقت ضحكات خافتة بين الحضور.
وبعد أن خفتت الضحكات، تنحنحت إليسيا وتحدثت بنبرة رسمية مقصودة
“إيان كلاود، الدوق الأكبر، هل تقسم أن تحب إلويز كلاود، الدوقة الكبرى، في الأيام القادمة، كما أحببتها حتى الآن؟”
“أقسم.”
جاء رده فوريًا، بلا تردد، مما جعل ابتسامة عميقة ترتسم على وجه إليسيا.
“وإلويز كلاود، الدوقة الكبرى، هل تقسمين أن تحبي وتقدّري إيان كلاود، الدوق الأكبر، كزوجكِ إلى الأبد؟”
“نعم، أُقسم.”
أنا أيضًا، أجبت من دون أن أتردّد لحظة واحدة.
“حسنًا، لا شيء آخر لنسأله إذًا. اختما وعودكما بقبلة ولنُنْهِ الأمر.”
وبإعلان الإمبراطورة التي بدت شبه مُتعَبة، اقتربنا أنا و إيان في الوقت نفسه، و تبادلنا قبلة.
في اللحظة ذاتها، انفجرت أضواء براقة وأصوات عالية في السماء.
ولم أستطع كبح الضحكة التي خرجت من بين شفاهنا المتّصلة، فلففتُ ذراعيّ حول عنقه بقوة.
ورغم أننا لم ننطق بذلك بصوتٍ عالٍ، لم يكن لديّ أدنى شك في أنني أنا و إيان كنا نفكّر في نفس الشيء تمامًا في هذه اللحظة.
الآن، نحن بلا أدنى شكّ… أسعد شخصين في هذا العـالم.
________________
[الّنهـايـة]
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.