مساحة للحكاية، ووقت لك← لقد علمتك بعناية، فلماذا أنت مهووس؟
الفصل 184نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 184

184

كان شعورًا غريبًا.

 

مع أنني استعدت وعيي، إلا أنني لم أستطع الحركة إطلاقًا. شعرتُ بثقل جفنيّ كأنهما يزنان ألف رطل، وجسدي فاقد للقوة، كما لو كان غارقًا في مياه عميقة. حتى حواسي كانت ضبابية – لم أستطع تحديد مكاني بالضبط.

 

لكن رائحة إيان الخافتة التي تملأ أنفي، والصوت الذي يتردد في أذنيّ، أكدت لي أن هذا ليس هلوسة بل حقيقة.

 

كم من الوقت مضى؟ هل عدت بسلام إلى جسد إلويز؟ أم أن خطبًا ما حدث أثناء انتقالي؟

 

كانت هناك أسئلة كثيرة أردتُ طرحها، لكنني لم أستطع حتى تحريك إصبع، ناهيك عن الكلام، وهو أمرٌ مُحبط.

 

الشيء الوحيد الذي شعرتُ به بوضوح هو قبضة إيان القوية على يدي.

 

“إلويز، من فضلك.”

 

تلك الأجواء الباردة التي لطالما أحببتها، والصوت الذي يلفها – كان بلا شك صوته، صوته الذي أحببته.

 

على عكس العادة، كان صوته خشنًا ومتقطعًا، مع قليل من الرطوبة يتسرب من خلاله.

 

‘إيان… هل أنتَ تبكي؟’

 

لم أستطع نطق السؤال، فسألته في صمت.

 

هل كان دوق الجليد الجبار يبكي أمامي؟

 

‘لماذا تبكي وأنا هنا أيها أحمق؟’

 

أردت أن أرفع جفني المثقلتين، وأن أرى عينيه الزرقاوين، وأن أمسح خده بيدي برفق، و أمازحه بنبرة مرحة.

 

أردت أن أخبره أنني تركت كل شيء خلفي وجئت إلى هنا لأكون معه فقط. وأنه لم يعد بحاجة للقلق بشأن فقداني . وأنني الآن مستعدة لأن أكون ملكه بالكامل.

 

لكنني لم أستطع قول أي شيء من هذا، وكان هذا هو الجزء الأكثر إحباطًا.

 

“…ألم تقولي انك لن تتركيني؟”

 

جاء صوته المرتجف من جانبي مباشرةً.

 

أردت أن أمسك يده بقوة.

 

“هل كان ذلك لأنني فشلت في حمايتكِ؟ هل خاب أملكِ بي؟ هل هذا هو سبب عودتك إلى عالمكِ حقًا؟”

 

بالتأكيد لا.

 

كل ما أحتاجه هو أنت.

 

العالم الحقيقي الذي أنتمي إليه الآن ليس هناك، بل هنا – إلى جانبك.

 

“لو أدركت ذلك مبكرًا، لو وجدت طريقة لإبقائكِ دون الحاجة للعودة…”

 

“…..”

 

“هل كنتِ ستبتسمين لي عندها؟”

 

سقطت دمعة على ظهر يدي.

 

دفئها على بشرتي جعلني أتنفس بصعوبة، كما لو أن أحدهم سكب الماء في حلقي.

 

لم أستطع أن أنطق بكلمة واحدة، لكن الحرارة التي تتدفق إلى عينيّ والاحمرار الذي ينتشر على وجهي كانا واضحين.  

 

“إن كان ذلك صحيحًا…”

 

“….”

 

“فأنا آسف. كان ذلك خطئي. لذا أرجوكِ، أرجوكِ، افتحي عينيكِ على الأقل.”

 

“….”

 

“إلويز، أتوسل إليكِ…”

 

هل رأيتُ إيان يرغب بشيءٍ بهذه الشدة من قبل؟

 

حقيقة أن أول أمنية يائسة في حياته كانت أن أفتح عينيّ ببساطة، بدت غريبةً ومؤلمةً للغاية.

 

أردتُ أن أقفز الآن، أعانقه بشدة، وأعترف بحبي.

 

“أرجوكِ، افتحي عينيّ فحسب.”

 

ثم حدث ما حدث.

 

شعرتُ بتوترٍ خفيفٍ في يدي التي كان يمسكها، كما لو أن أصابعي تتحرك بخفةٍ شديدة.

 

في اللحظة التالية، وكأن سحرًا قد حرّك جفنيّ ببطء.

 

من خلال الرؤية الضبابية، تسلل الضوء، وشعرتُ بالدموع تتجمع في عينيّ تتساقط على صدغيّ.

 

كان سقفًا مألوفًا.

 

غرفة نومنا – غرفتي أنا و إيان.

 

وأسفلها، ظلّ شخصٍ افتقدته بشدة.

 

“…إلويز؟”

 

إيان، الذي كان متجمدًا في مكانه، نظر إليّ بدهشة.

 

عيناه الزرقاوان كانتا غارقتين بالدموع.

 

‘يبدو أنكَ بكيت كثيرًا.’

 

كان كل شيء فيه في حالة فوضى عارمة – ليس فقط وجهه الملطخ بالدموع، بل أيضًا شعره، الذي عادةً ما يكون ممشطًا بدقة إلى الخلف، وقميصه، الذي عادةً ما يكون نظيفًا و مقفلا حتى الأعلى.

 

بينما كنتُ أستوعب كل شيء بصمت، إيان الذي كان لا يزال متجمدًا يحدق بي بنظرة فارغة، اترجفت تعبيره قليلًا.

 

“…هل تعرفين من أنا؟”

 

“….”

 

“هل تعرفينني؟”

 

ارتجف صوته بشكل خافت.

 

عندما رأيتُ القلق والارتباك في نظراته المترددة، شعرتُ أنه لم يكن متأكدًا تمامًا من هويتي “أنا”.

 

أحسستُ بغصةٍ في حلقي عندما أدركتُ أنه قد صدق كلامي تمامًا عن قدومي من عالمٍ آخر.

 

بالكاد تمكنتُ من تحريك شفتيّ، و بصوتٍ أجشّ ومتقطع، ناديتُ عليه.

 

“…إيان.”

 

ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتيّ.

 

“حبيبي.”

 

“….”

 

“لماذا تبكي؟ هذا يُحطم قلبي.”

 

في اللحظة التي تردد فيها صدى صوتي الخافت، انهار تعبير إيان المتجمد كانهيارٍ أرضي.

 

التوى وجهه الملطخ بالدموع، وعضّ على شفتيه، غارقًا وجهه في أيدينا المتشابكة بينما ارتجفت كتفاه.

 

خرجت منه شهقةٌ خفيفة.

 

“ظننتُ… ظننتُ أنكِ لن تستيقظي مجددًا.”

 

“…..”

 

“الطبيب الملكي، معالج البلاط – جميعهم قالوا إن جسمكِ لا يعاني من أي مشكلة. لكنكِ لم تستيقظي لمدة طويلة. لذا…”

 

أمسك بيدي بقوة، كما لو كان يخشى أن يفقدني.

 

“ظننتُ أن السبب هو أنني وجدتُكِ متأخراً جدًا، لأنني لم أستطع حمايتكِ. ظننتُ أنكِ تكرهينني… لذا عدتِ.”

 

‘هذا مستحيل.’

 

أردتُ أن أحيط كتفيه بذراعيّ بكل قوتي، لكن كل ما استطعتُ فعله هو الضغط على يده التي كانت تمسك يدي. كان الأمر محبطًا.

 

شعره الفضي، الذي كان ناعمًا كالحرير، بدا الآن خشنًا وغير مُهندم. كانت يده، التي تُمسك بيدي، شاحبة ومرتعشة.

 

استجمعتُ كل قوتي، و تمكنتُ من الكلام مجددًا.

 

“…اشتقتُ إليكِ. ألن تدعني أرى وجهك؟”

 

أخيرًا، رفع رأسه ببطء.

 

أشعرني وجهه الملطخ بالدموع بوخزة في صدري، لكن في الوقت نفسه، شعرت بفرح غريب.

 

كان ذلك لأن حبه لي كان جليًا في تلك اللحظة.

 

كان من الواضح أنه كان يشتاق إليّ بقدر ما كنت أشتاق إليه.

 

وعندها فقط لاحظت أن يده، الممسكة بيدي، كانت ترتجف دون سيطرة.

 

عندما انتقل نظري إلى أيدينا المتشابكة، ارتجف وشدّ قبضته أكثر.

 

“إذا تركت يدك، أخشى أن تختفي…”

 

“…هل يبدو هذا حلمًا؟”

 

“لا يبدو حقيقيًا.”

 

“…..”

 

“كنتُ أرى نفس الحلم كلما نمتُ نومًا خفيفًا. كنتِ تستيقظين هكذا و تنظرين إليّ. لكن كلما كنتُ أفلتُ يدك، كنتِ تختفين. أنا…”

 

لم يستطع إكمال جملته، وجسده يرتجف بحزن.

 

كانت هذه أول مرة أرى فيها إيان كلاود خائفًا هكذا من شيء ما.

 

‘يا له من أحمق!’

 

شعرتُ بدموعي تكاد تتجمع في حلقي، لكنني كبتتها. مددتُ يدي بحذر لأمسح خده.

 

كان دفء جلده واضحًا تحت لمستي.

 

“إنه ليس حلمًا. أنا هنا حقًا.”

 

“….”

 

“أرأيتَ؟ كل شيء حقيقي – صوتي، دفئي.”

 

عند كلماتي وابتسامتي، أومأ أخيرًا ببطء، كما لو أنه بدأ يتقبل الواقع.

 

تمكنتُ من تحريك يدي بما يكفي لمسح دموعه بإبهامي، مبتسمة ابتسامة مطمئنة.

 

” هل ظننتَ أنه حلم؟ هل يعني هذا أنني كنتُ نائمة منذ زمن طويل؟”

 

“…لقد مرّ أسبوعان.”

 

“أسبوعان؟”

 

كل هذه المدة؟

 

شعرتُ وكأنه نصف يوم فقط في ذلك العالم الآخر.

 

على ما يبدو، مرّ وقت طويل هنا في هذه الأثناء.

 

بالتفكير في الأمر، اختفت آلام الناتجة عن حادثة الاختطاف السابقة تمامًا.

 

إدراكي لذلك جعلني أفهم لماذا كان إيان يائسًا جدًا في مناداتي بتلك الطريقة.

 

“أنا اسفة… لم أكن أدرك أن الأمر قد مرّ كل هذا الوقت.”

 

“لا.”

 

رغم أن صوته كان لا يزال مليئًا بالعاطفة، إلا أنه خرج حازمًا وهو يهز رأسه.

 

أصبحت قبضته على يدي أقوى.

 

“أنا فقط… سعيد بعودتك. هذا كل ما يهم. طالما أنكِ لم تتركيني، فلا أحتاج إلى أي شيء آخر.”

 

“هذا هو المكان الوحيد الذي أستطيع العودة إليه. لأنك هنا.”

 

“….”

 

“هذا منزلي الآن. لذا…”

 

ابتسمتُ.

 

“لن أغادر مرة أخرى.”

 

التفكير في كمّ القلق الذي لا بد أنه عانى منه وأنا نائمة جعلني أشعر بألم آخر في صدري.

 

أول ما خطر ببالي عندما استيقظتُ في العالم الآخر هو وجهه.

 

ما كنت أخشاه، أكثر من أي شيء آخر، هو فكرة ألا أراه مرة أخرى.

 

ربما كنا نتشارك نفس المشاعر.

 

حدّقتُ فيه طويلًا، ثم جلستُ ببطء.

 

انحنى إيان بسرعة ليدعمني، وجهه، الذي أصبح الآن قريبًا جدًا، يبدو ثمينًا جدًا بالنسبة لي.

 

“كان يجب أن أحييك كما ينبغي أولًا، لكنني متأخرة.”

 

عندما أزال يده التي كانت تدعمني بحرص، أمسكت بخده و أسندت جبهتي على خده.

 

كان الدفء واضحًا ومألوفًا بشكل مؤلم.

 

“لقد عدت يا إيان.”

 

أمسكَ بذراعيّ برفق، ولفّ يده الأخرى حول خصري بحرص قبل أن يهمس بهدوء

 

“…نعم. كنت أنتظركِ.”

 

لقد عدتُ حقًّا.

 

عدتُ إلى عالمي – حيث يتواجد هو.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.