مساحة للحكاية، ووقت لك← لقد علمتك بعناية، فلماذا أنت مهووس؟
الفصل 137نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 137

137

قطّب إيان حاجبيه.

“هل تقصدين الدوق هايدن روجر؟”

“نعم.”

وضعت إليسيا أصابعها على صدغها وكأنها تشعر بالإرهاق، وظهرت تجاعيد طفيفة على جبينها الناعم.

“من السهل مراقبة وتهدئة النبلاء الموالين، لذا لا يوجد قلق بشأنهم. لكن هايدن؟ من المستحيل معرفة ما يدور في رأسه حقًا.”

“……”

“لطالما كان حساسًا بشكل غريب فيما يتعلق بشؤوني.”

ضيّق إيان عينيه قليلاً.

“…ليس أمرًا غير متوقع تمامًا.”

منذ شبابه، كان هايدن روجر مهووسًا بأمور إليسيا إلى حد غير طبيعي، منذ أن كان تابعًا لها. لم يكن سلوكه مجرد انعكاس لتأثير والده، دوق روجر السابق، بل تجاوز ذلك. لقد كان يؤمن يقينًا أنه سيكون قرين إليسيا يومًا ما، وتصرفاته لطالما كانت غريبة.

ورغم أن إليسيا، التي كانت حينها ولية العهد، لم ترَه أكثر من مجرد تابع، إلا أن هايدن كان يتصرف كما لو أنها محور حياته.

“ظننتُ أنه تبنى موقفًا أكثر رسمية مع مرور السنوات.”

“لقد فعل، خلال السنوات القليلة الماضية.”

بعد أن أُلغيت خطوبته بإليسيا و توطدت مكانة لويس كزوج إليسيا، حافظ هايدن على مسافة محترمة—أو هكذا بدا الأمر ظاهريًا.

“لكنه لا يزال متوجسًا منك.”

ومن المفارقات أن الشخص الذي اعتبره هايدن روجر أكبر تهديد له لم يكن الإمبراطور لويس ولا الأميرة لويزا، بل إيان.

ورغم مظهره الودود الدائم، إلا أن هايدن كان يُظهر عداءه الخفي كلما تعلق الأمر بإيان. كان إيان و الإمبراطورة كلاهما على دراية تامة بهذا الأمر.

“سواء كان ذلك بسبب سماعه كلاما عن العرش أو لأسباب أخرى…”

“سأراقبه عن كثب أيضًا.”

“أرجوك، افعل ذلك. إن قام هايدن بأي حركة، فلا يمكننا التنبؤ برد فعل أولئك النبلاء العجائز المتعصبين الذين يدعمونه.”

ضغطت إليسيا بأطراف أصابعها على جبينها وأطلقت تنهيدة خفيفة.

“الآن بعد أن فكرت في الأمر… يبدو أنه مؤخرًا يستخدمك كذريعة لقضاء الوقت مع الدوقة الكبرى ألم تلاحظ أي شيء غير عادي؟”

“…ليس بعد، على الأقل.” أجاب إيان بهدوء بعد لحظة صمت قصيرة.

“أفهم… هكذا إذن.”

رغم أن نوايا هايدن روجر الحقيقية لم تكن واضحة، إلا أن إليسيا و إيان كانا يشكان بشدة أن سلوكه الودود مؤخرًا تجاه إلويز مرتبط بإيان.

وبينما كانت إليسيا تضع تعبيرًا قلقًا، استقامت في جلستها و غيّرت أجواء الحديث.

“على أي حال، بمجرد أن تتنازل رسميًا عن مطالبتك بالعرش، ستصبح الأمور مضطربة لبعض الوقت. عليك أن تكون مستعدًا.”

“نعم، جلالتكِ.”

نظرت إليسيا إلى الساعة في زاوية قاعة الاستقبال وأومأت برأسها.

“الدوقة الكبرى ربما تنتظرك. يمكنك الذهاب الآن.”

انحنى إيان بأدب و استعد للمغادرة، لكن قبل أن يخرج، ابتسمت إليسيا بمكر وهي تتكئ في جلستها بكسل.

“أوه، إيان؟”

“نعم؟”

“في المرة القادمة التي تقبل فيها دعوة، تأكد من تغيير ذلك اللقب أولاً.”

“……”

“إذا كنتُ قد قدمت تنازلاً، ألا يجدر بك فعل الشيء ذاته؟”

كان صوتها مليئًا بالمرح، على عكس جديتها السابقة. فتح إيان شفتيه ليتحدث، لكنه أخيرًا أجاب على مضض.

“…سأحاول.”

أشرق وجه إليسيا بابتسامة واسعة.

“سأكون بانتظار ذلك.”

❖ ❖ ❖

عند خروجي من قصر الشمس ودخولي إلى الحديقة الثالثة، لم أتمالك نفسي من التعليق بانبهار.

“واو، هذه ليست مجرد بحيرة صغيرة—إنها ضخمة.”

كانت البحيرة شاسعة إلى درجة أنها بدت وكأن قلعة كاملة يمكن أن تغرق فيها، تتلألأ بلون أزرق نابض بالحياة.

“القصر مذهل حقًا…”

كنتُ أحدق في المشهد بإعجاب عندما قطع صوتٌ أفكاري فجأة.

“جلالة الإمبراطورة والدوق الأكبر كانا مولعين بهذه البحيرة في شبابهما.”

تفاجأتُ بالصوت المفاجئ واستدرت لأجد الدوق روجر يقف بجانبي، يحدّق في البحيرة.

‘…لماذا يجب أن ألتقي به هنا أيضًا؟’

لم أعرف من أين أتى، و أنا حتى لم أشعر بوجوده على الإطلاق، مما جعلني أضيّق عيني بشك قبل أن أسترخي مجددًا.

“الدوق روجر؟”

ألقى عليّ نظرة قصيرة قبل أن يعيد بصره نحو البحيرة.

“عندما كنت صغيراً، ذهبت للإبحار في هذه البحيرة برفقة جلالتها و سمو الدوق. لقد كان الدوق الأكبر منبهرًا بالمشهد الجديد للبحيرة، فمال إلى الأمام كثيرًا وسقط في الماء.”

رغم نظرتي الحذرة، بدا وكأنه غير مدرك أو غير مهتم، واستمر بسرد القصة بضحكة خفيفة وصامتة.

“في تلك اللحظة، قفزت صاحبة الجلالة الإمبراطورة، التي كانت آنذاك ولية العهد، في الماء دون تردد، قائلة انها يجب أن تنقذه.”

“……”

“…رغم أن هناك عشرات الفرسان كانوا يقفون على أهبة الاستعداد.”

ضاقت عيناه الخضراوان الداكنتان للحظة قبل أن تعود إلى حالتها الطبيعية.

‘لماذا يبدو نبرة صوته هكذا…؟’

قبل أن أتمكن من فهم هذا الشعور الغريب بشكل كامل، التفت نحوي. عيناه اللطيفتان انحنتا في أقواس ناعمة، مشكّلةً ابتسامة مثالية.

“…كان بينهما دائمًا رباط خاص. رؤية البحيرة ذكرتني بتلك الأوقات.”

أملت رأسي قليلاً.

“حسنًا، كانت هذه قصة غير متوقعة.”

“يا للأسف، ظننت أنكِ قد تستمتعين بسماع شيء عن زوجك.”

“هذا مؤسف إذاً. لست مهتمة بشكل خاص بقصص الماضي.”

اتسعت عينا روجر من ردي اللامبالي، وأطلق ضحكة مشوبة بخيبة الأمل.

“…أعتذر. لم أدرك ذلك.”

ومع ذلك، حتى في هذه اللحظة، حتى ابتسامته المشعة لم تأثر بشيء داخلي. كان انتباهي مركزًا على شيء آخر.

‘لا أفهم لماذا ألتقي به دائمًا هكذا عندما أكون وحدي.’

في هذه المرحلة، حتى شخص بسيط مثلي لا يمكنه إلا أن يجد الأمر مريبًا. سلسلة المصادفات هذه غير منطقية تمامًا.

‘وماذا قال لي إيان في المرة السابقة…’

خطوت خطوة صغيرة إلى الخلف بحذر، وملامحي كانت حذرة. أسقط روجر نظره نحو قدميّ بنظرة متحيرة، ثم عاد إلى وجهي.

“الدوقة الكبرى؟”

“أنا آسفة، لكن أظن أنه من الأفضل أن نبقى بعيدين قليلاً. أنت تعلم كم تنتشر الشائعات حين يتم رؤيتي معك.”

كان هذا المكان في حدائق القصر، حيث من غير المحتمل أن يرانا أحد، ولكن مع ذلك…

رمش روجر، وكأنه فوجئ بكلماتي. ثم، وكعادته الهادئة والمخلصة، أظهر ابتسامة خجولة.

“يبدو أنني كنت مصدر إزعاج كبير لك، سموكِ.”

‘ليس إزعاجًا بالتحديد، ولكن…’

ومع ذلك، كان صحيحًا أنني شعرت بعدم الارتياح.

ولكنني لم أحظ بفرصة الرد. قبل أن أقول أي شيء، أضاف روجر تعليقًا آخر.

“…ومع ذلك.”

“……”

“لقد منحتِني شرف أن أكون ‘صديقك’، والآن أنتِ باردة بعض الشيء.”

حدّق فيّ بتمعن. تحت رموشه المطبقة، كانت عيناه الخضراوان الداكنتان تلمعان بينما يتراقص الضوء عليهما.

‘ما هذا…؟’

جعلتني حقيقة أن نظرته كانت متواصلة على غير العادة أرتعش قليلاً. ذكرني هذا بصوتٍ مرّ بذهني لفترة وجيزة.

‘عليك الحذر من صديقك’.

الكلمة ‘صديق’ من الرسالة تداخلت في ذهني مع وجه روجر.

‘…لا يمكن أن يكون ذلك.’

شعور غريب، كأن شيئًا يطوّق كاحلي، جعلني أعض بشدة على باطن خدي.

الآن وقد فكرت في الأمر، ألم يؤكد هايدن روجر على كلمة ‘صديق’ معي منذ البداية؟

‘هل أنا أفكر في الأمر كثيرًا؟’

“دوق روجر، هل أنت…”

فتحت شفتي للتحدث ولكنني سرعان ما هززت رأسي وأغلقت فمي.

‘لا، لا يمكنني أن أكون متأكدة بعد.’

لا داعي للكشف عن شكوكي له الآن بطريقة متهورة.

“صاحبة السمو؟”

أمال روجر رأسه بشكل متسائل، وشعره البني المتموج يتحرك في تموجات ناعمة.

“هل أنتِ بخير؟”

“…لا، يجب أن أذهب. الدوق الأكبر سيكون هنا قريبًا.”

“إذاً دعيني أرافقك.”

عندما مدّ روجر يده بشكل طبيعي ليأخذ يدي، بحركة فورية ضربت يده بحدة.

توقف فجأة، ونظر مندهشاً، ويده متوقفة في الهواء.

“سموك ِ؟”

“…آه، أعتذر. لم أقصد ذلك.”

تراجعت خطوة أخرى بسرعة و أنا مرتبكة.

“آسفة، لكن يجب أن أذهب الآن. سأقبل مرافقتك في وقت آخر.”

بعجلة، انحنيت قليلاً للمغادرة وأدرت ظهري للخروج من الحديقة.

في تلك اللحظة، أعطاني روجر ابتسامة غريبة.

“حسنًا إذن…”

خطا خطوة إلى الخلف وانحنى بأدب.

“متى احتجتِ إليّ، فقط أبلغيني.”

“……”

“سأكون في انتظاركِ”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.