الفصل 81
81
شوووويييك!
رغم أن فراءه كان يحترق، تحمّل أولكن الألم وتصرف بحذر. و بدلًا من أن يقذف جسد الزومبي الذائب، أنزله برفق على الأرض.
“أبي!”
ركضت سيسيل نحوه بجنون.
و فجأة، اهتز! كأن به وعيًا لا يزال.
“انتظري! لا تلمسيه بعد!”
ثم أوقف ريتشموند اقترابها، وهو يتمتم بتعويذة.
شواااااخ!
تكوّرت كرة ماء في الهواء ثم انهمرت لتغسل غيرو. وقد بدت نسخةً معدلة من التعويذة التي استخدمها قديمًا لإيقاظ لودفيك النائم.
وحين أزيلت كل بقايا السائل اللزج عن جلده، توقفت أخيرًا إصابات الأنسجة الخارجية. ودتلاشى الدخان السام الذي كان يتصاعد، واختفى صوت الاحتراق المتقطّع.
ولكي يحفظ للزومبي شيئًا من كرامته، لفّ ريتشموند جسده بقطعة قماش سميكة.
آنذاك فقط استطاعت سيسيل الاقتراب منه.
“هل تسمعني؟ هل أنتَ بخير؟ لا بد أنكَ تتألم كثيرًا، أليس كذلك؟”
جثت على ركبتيها، والدموع تملأ عينيها، والتقت نظراتها بنظرات غيرو.
ثم مد يده ببطء، فأمسكتها بكل قوتها. اليد نفسها التي لم تمسكها قبل ساعات حين طردته من بابها.
ففتح شفتيه بصعوبة.
“أنا….ميتٌ….أصلًا….لا ألم!”
“كذب! كيف لا تتألم؟ انظر، جسدكَ ممزقٌ تمامًا!”
وفيما كان يواسي ابنته…..
“كياااااااه!”
صرخ الكائن الآكل للموتى وهو يهتز بهياج.
وحشٌ عملاق، عنقه مثقوب وبطنه مشقوق.
لم يكن ذا ذكاء عالٍ، لكنه أدرك أن شيئًا ما قد هاجمه.
“أيها الوغد العنيد!”
غريزة البقاء دفعته إلى الانتقام. فتفحّص المكان كأنه يبحث عمّن يسحقه، وفجأة وجد هدفه.
غروووووم!
حينها، كأن شمسًا ثانية أشرقت في السماء.
“هاه؟”
“هوووه…..مدهش.”
حتى أرييلا وريتشوند شهقا منذهلين أمام ذلك المشهد.
فالمنطقة أضاءت أكثر بكثير مما كانت عليه قبل لحظات.
فوق رأس لودفيك ارتفعت كتلةٌ نارية هائلة، تتأجج وتحترق بشراسة.
على عكس الشمس الدافئة التي تنير أراضي ملك الشياطين، كانت تلك الكرة النارية تبث حرارةً عدائية مميتة. والأهم…..أن حضورها كان جارفًا.
ثم تمتم ريتشموند مبهورًا،
“بالفعل…..لقد أصبح أقوى بكثير مما كان قبل أشهر. هل هو أثر العقد؟”
العقد بين سيد الشياطين والمتعاقد يربطهما بصلابة، ويتيح تجاوز حدود النمو المعتادة.
وأرييلا كانت تشهد أثره بعينيها.
“كياااااه!”
صرخت غريزة الوحش محذّرة.
كرووووم!
ثنىم اندفع الوحش مهاجمًا. فقفز لودفيك عمدًا في الاتجاه المعاكس لبقية رفاقه والجنود.
كووااااانغ!
ضرب الوحش المكان الذي كان يقف فيه قبل لحظة، مستعملًا جسده الطويل كالسوط.
وفيما كان آكل الموتى يهاجم مرارًا، واصل لودفيك التراجع متفاديًا ضرباته.
الأرض كانت تنهار تحت خطوات الوحش، والصخور تتناثر. كأن موجًا هائجًا يتدفق في قوسٍ متعرج.
استمر لودفيك في استدراجه، يتنقل في مسارات متعرجة في نفس المنطقة.
“ريتشموند!”
ثم صرخ مناديًا تابعه.
فما كان من ريتشموند إلا أن استجاب بالتعويذتين،
“قوة الشيطان! صاعقة الظلام!”
اندفع موجٌ أسود وصواعق داكنة، لتصيب جسد الوحش. فتوقفت هجماته على لودفيك للحظة.
“كيااااااك!”
استدار رأس آكل الموتى نحو ريتشموند، منصرفًا عن لودفيك. لكنه لم يدرك بعد ما كان لودفيك يصنعه بينما يتفادى هجماته.
فووووش!
كانت تلك هي الشمس الثانية التي استحضرها.
غير أن الكتلة النارية العملاقة، وبينما كان يجرّ الوحش في مطاردة متواصلة، راحت تنكمش تدريجيًا.
لكنها لم تختفِ عبثًا. فالنيران كانت تنتقل شيئًا فشيئًا إلى نصل سيف لودفيك.
وبذلك، صار النصل البارد البراق يضم في داخله نارًا مضغوطة حدّ التطرف. الطاقة التي بدت كأنها شمسٌ هائلة، تجمعت بأكملها في سيف واحد.
“كييييك!”
والوحش لا يزال غافلًا.
كان يستعد للانقضاض على ريتشموند، وعلى مقربة منه جنود الشياطين الذين رفعوا رماحهم بترقب. وقبل أن يشنّ الوحش هجومه…..
“هاااااااك!”
زمجر لودفيك بقوة، وانطلق بجسده.
هووووش!
بمساعدة السحر، ارتفع عاليًا في الهواء.دوفي يده سيفٌ متوهج من لهب.
و اندفع في قوسٍ بديع، هابطًا مباشرةً نحو رأس الوحش.
“كيييك!”
لم يلتفت الوحش نحوه إلا في اللحظة الأخيرة. لكن الأوان كان قد فات.
شووووواااخ!
لهيبٌ مستقيم شطر العالم إلى نصفين. غير أن من على الأرض لم يتمكنوا من مشاهدة المشهد كاملًا، إذ أن لحظة تلويح سيف لودفيك فجّرت وميضًا كاد يعمي الأبصار.
شوووخ! شوووااخ!
تابع لودفيك تسديد ضرباتٍ عدة بسيفه، وكل مرة كان يلوّح فيها يلمع البريق كأنه يمزق الفضاء.
طَت!
وبعد أن أنهى نصل النيران، هبط بخفة إلى الأرض. وفورًا، راحت كتلٌ ضخمة تهوي من السماء.
كوونغ! كوونغ! كوووونغ!
إنها أشلاء آكل الموتى الممزقة، تسقط وتصطدم بالأرض.
“……!”
فقد الوحش رأسه ومعه ما يقارب ثلث جسده. ومهما بلغت صلابته، لم يعد قادرًا على الصمود.
“انظروا! إنه يميل! يسقط!”
مع صرخة أحدهم، راحت بقايا جسد آكل الموتى تنهار ببطء. ذلك العمود الأحمر العملاق الذي كان ممتدًا من الأرض هوى إلى الجانب.
“استعدوا للصدمات!”
دوّى تحذير لودفيك، ثم—
كووووونغ!
اهتزت الأرض بأعنف ارتجاج حتى الآن. و انخسفت عميقًا حيث سقط الوحش. ولم يستطع التحرك بعدها.
فنطق لودفيك بجملة قصيرة، كأنه يعلن حكمًا نهائيًا،
“تم القضاء عليه.”
***
لقد مات آكل الموتى. فباشر الجنود، الذين كانوا يحرسون السكان بعيدًا، بترتيب الوضع.
المشهد الذي شهدوه، مقتل الوحش العملاق على يد الملك الشيطاني ورفاقه، لم يكن الجنود وحدهم من رأوه، بل كذلك سكان المنطقة.
هؤلاء، وقد تحرروا من الرعب، أطلقوا أنفاس ارتياح، لكنهم ظلوا مذهولين بما أبصروا للتو.
“هل رأيتم آخر شيء؟ التعويذة التي استخدمها مولانا الملك الشيطان.”
“وهل تلك حقًا تعويذة؟ بدت لي كأنها فنٌ قتالي بالسيف.”
“المهم أن النيران كانت تتدفق من سيفه بلا توقف!”
“بالأحرى، بدا وكأن السيف يمتص النار من السماء ذاتها.”
“على أي حال، لقد أذهلني! عشت طويلًا، لكن لم أشهد مثل ذلك من قبل!”
“بالضبط. كأنه……كان يلوّح بشفرةٍ تحتضن الشمس.”
“أنا، رغم أني متقاعدٌ الآن، خدمت حتى العام الماضي في جيش الملك الشيطان. وقد رأيت معاركه مع الأورك مرارًا. صحيحٌ أنه كان قويًا دومًا، لكن مثل هذه التقنية؟ لم تكن موجودةً حينها.”
“هل ازداد قوةً منذ ذلك الحين؟”
وانتهى السكان إلى نتيجة واحدة: أن ملكهم قد ازداد قوةً بالفعل.
“طبعًا، لقد ازداد عدد سكان أراضي الملك الشيطاني.”
“وأنا لاحظت ذلك أيضًا. الأكواخ المهجورة بدأت تمتلئ من جديد.”
“وفوق هذا، لقد مرّت عدة أشهر منذ أن جاءت المتعاقدة..…”
“متعاقدة؟ وما علاقة ذلك بسحر الملك؟”
“ألا تعرف شيئًا؟! عقد الملك الشيطان يعني…!”
وهكذا، سرعان ما ستنتشر أخبار معركة اليوم، محمّلةً بالزوائد والخيالات، في كل أنحاء عالم الشياطين.
وفي طريق عودة لودفيك بعد أن أعاد سيفه إلى غمده، التقت عيناه بعيني أرييلا. فأشارت له بإبهامها مرفوعًا.
“كان ذلك مذهلًا حقًا. خصوصًا الضربة الأخيرة.”
فأطلق لودفيك شخيرًا ساخرًا من أنفه.
“هيه! هذا لا يُذكر.”
“إنها تقنيةٌ لم أرها من قبل. هل كنتَ تتدرّب عليها؟”
“تدرّب؟ هه! أشياءٌ كهذه أستطيع فعلها وأنا مغمض العينين!”
“إذاً ماذا عن الشائعات بين الجنود؟ منذ الشهر الماضي وهم يقولون: مولانا الملك يلوّح بسيفه وسط اللهيب قرب المعسكر.أليس هذا تدريبًا؟”
“……أيًا يكن، أذناكِ تلتقطان كل ما لا طائل منه.”
قال لودفيك ذلك وهو يشيح بيده متذمرًا، عاقدًا ذراعيه.
و في تلك الأثناء، كان أولكن يسند غيرو ليقف.
“اتكئ عليّ.”
نظر غيرو إلى ذراع أولكن المحترقة والمشوّهة وتحدث بتأثر،
“أسـ، آسف….بسبـ، بسببي……!”
“لا بأس. هذا لا يُعد شيئًا، الأهم هو سلامة السكّان.”
فالذئب كائن يعيش في قطيع. و أولكن الذي ورث تلك الطبيعة، كان يحمل حسًا قويًا بالجماعة وروح تضحية عالية.
“أم، هل نسيت؟ أنا مستئذب! خلال أيام قليلة سيعود كما كان!”
وحين هدأ الموقف، اقتربت سيسيل مترددة.
“سـ، سيسيل!”
فهتف غيرو بوجه متهلل.
“ما الذي كنتَ تحاول قوله لي حينها؟”
في أول مرة زار فيها معملها، واجهته بحدة متحدثةً عن رسالة ما، وكان على وشك أن يفسر لها شيئًا.
لكنها يومها لم تكن مستعدةً لتسمع. فقد اعتبرت كلماته مجرد أعذار واهية.
غير أنّ الأحداث العاصفة التي مرت بهم بدّلت فكرها.
‘كنت أظن أنني أصبحت وحيدة بعد رحيل أمي وأبي واحدًا تلو الآخر…..طيلة العام الماضي. لكن لم يكن الأمر كذلك.’
إن خسارة الأب الذي عاد إليها كالمعجزة كانت أقسى بكثير مما تخيلت.
ولم تعد سيسيل تطيق مجرد التفكير في احتمال حدوث ذلك ثانية. لذا أرادت أن تمنح غيرو فرصة.
فنظر الزومبي، والدها، إليها مطولًا قبل أن يفتح فمه ليتحدث.
______________________
لودفيك وااااااااااو بس ارييلا تقدر تكسر ذا الواو😭
ضحكني وهو مستانس عشانها مدحته بس ماكملت وخربت عليه ياناس احبهمم😭
و أولكن بعد يجنن وريتشموند يضحك يوم غطى غيرو باللحاف يحفظ كرامته😭
المهم خل سيسيل تفهم وش صار😔
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.