الفصل 76
76
رغبت أرييلا في السؤال أكثر، لكن سيسيل غيّرت الموضوع بحدة واضحة، وكأنها لا تريد الخوض فيه مطلقًا.
“على كل حال، أرييلا!”
ثم عاد وجهها، الذي كان قبل لحظات شديد البرود، إلى طبيعته المشرقة.
“همم؟”
“هل ترغبين في مشاهدة عملية صناعة الأداة السحرية؟”
في اللحظة التي سمعت فيها ذلك، انمحت من ذهن أرييلا كل التساؤلات عن علاقتها بأبيها.
“حقًا؟ أيمكنني المشاهدة؟”
“طبعًا! فكل هذه المواد أنتِ من وفرها لي أصلاً.”
رفعت سيسيل الفنجان، فانفضّ مفرش الطاولة بنفسه متناثرًا منه فتات الكعك.
“سأبدأ أولًا بصناعة حجر المانا.”
كان هذا هو الجزء الأهم، نواة الأداة السحرية.
“التعميد العادي للتعاويذ لا يدوم طويلًا. فمع مرور الوقت يتلاشى السحر من تلقاء نفسه.”
فعلى سبيل المثال، لو أُلقيت تعويذة التخفيف على سيف، فمع مرور الزمن سيعود ثقيلًا كما كان.
“وعندها يكون من المزعج إعادة إلقاء التعويذة مرة أخرى.”
“لكن إن ثبّتناه بحجر مانا وشُحن بانتظام، يظل تأثير التعاويذ مستمرًا، أليس كذلك؟”
“تمامًا. لكن يجب أن نصغّر حجم الحجر إلى أقصى حد، لأن كبره يؤثر على توازن السلاح. ومع ذلك ينبغي زيادة كمية المانا المخزنة داخله.”
“صحيح، ففي قسوة المعركة لا يوجد وقتٌ لإعادة شحنه.”
“بالضبط!”
وأثناء شرحها، كانت سيسيل تعمل بسرعة مدهشة على صقل الحجر. وأرييلا تراقبها بانبهار، لكنها كانت تحكم في نفسها سريعًا،
‘هذا أمرٌ لا يمكنني تعلمه بمجرد المشاهدة.’
لطالما كانت بارعةً في استيعاب تعاويذ الآخرين بسرعة وتحويلها إلى مهارتها الخاصة، لكن ما تراه الآن يختلف كليًا.
‘هذه اليد الماهرة لا يمكن تقليدها.’
كان صقل حجر المانا فنًا مركّبًا، أقرب إلى عملٍ إبداعي متكامل.
لم يكن الأمر مجرد التحكم في الطاقة السحرية. فكل مرة يُقشَّر جزءٌ من الحجر، كانت الطاقة الكامنة فيه تتحرك ككائن حي ينبض.
وكانت سيسيل تراقب هذا التدفق بعينها، ثم تغير في اللحظة ذاتها اتجاه شفرة الصقل وقوتها، كل ذلك بينما تواصل حديثها مع أرييلا بلا انقطاع.
فلم تستطع أرييلا حتى أن تتصور حجم العمليات الحسابية التي كانت تدور في ذهنها في تلك اللحظة.
‘لا يكفي تراكم الخبرة……هذا في جوهره موهبةٌ فطرية.’
وبعد وقت قصير، اكتمل حجر مانا صغير معدّ ليُدمج في السيف.
“الخطوة التالية هي إلقاء التعويذة. أهم ما في الأمر هو مزامنة السحر مع الحجر.”
“أي أنكِ تضعين رابطًا دائمًا، بحيث يستمر الحجر في إمداد التعويذة بالقوة حتى بعد أن يغادر السيف يدكِ؟”
“صحيح، فهمكِ سريعٌ للغاية!”
قالت ذلك بإعجاب، ثم رددت عدة تعاويذ. أحدها لتخفيف السيف، والآخر لتعظيم قوته التدميرية.
‘آه، هذا الجزء أستطيع أنا أيضًا القيام به.’
فصقل الحجر عالمٌ آخر كليًا، لكنه بالنسبة للتعاويذ وإلقائها، فذلك ملعب أرييلا الحقيقي.
وما إن أنهت سيسيل عملها على أحد السيوف، حتى تناولت الآخر وبدأت تكرّر العملية.
وفي تلك اللحظة، وبينما كانت صيانة الأحجار أمرًا فوق طاقة أرييلا، خطرت لها فكرة، فابتسمت،
“اسمعي يا سيسيل……ما رأيكِ أن أجرّب بنفسي هذه المرة؟”
“التعميد؟”
ترددت سيسيل لحظة، ثم مدت إليها السيف.
“نعم! خذي، تفضلي.”
وافقت بلسانها، لكنها في داخلها لم تتوقع الكثير.
‘إنه عملٌ أصعب مما يبدو……و يبدو أن أرييلا لا تدرك ذلك.’
قد يخيل للناظر أنه سهل، لكن الحقيقة عكس ذلك. فالتعميد ليس بقدر صعوبة صقل حجر المانا، لكنه لا يخلو من حسابات دقيقة.
إنه يشبه وضع عجلة طاحونة تحت شلال هادر.
فالشلال هنا هو الطاقة المتدفقة من حجر المانا، والعجلة هي التعويذة التي تستمد قوتها منه.
فإن كانت العجلة ضعيفةً، تحطمت تحت ضغط الماء، وإن كانت ثقيلة أو كبيرة أكثر مما يجب فلن تدور أصلًا.
‘والعُسر كله في إيجاد تلك النقطة المثالية.’
ومع ذلك، لم تجد سببًا يبرر الرفض، لا سيما وأن أرييلا أرادت أن تجرب من أجلها. بل أنها حتى تهيأت لاحتمال إفساد حجر المانا كله وهي تسلمها السيف.
فأمسكته أرييلا وأخذت تركز ذهنها.
سسسس…!
و بدأت في ترديد التعويذة.
لكن بالمقارنة مع سرعة سيسيل، كان إيقاعها بطيئًا جدًا. كانت الطاقة السحرية تتسرب إلى السيف فعلًا، لكنها تتحرك داخله بخطوات بطيئة متثاقلة.
فنظرت سيسيل إليها و تحدثت بحذر،
“صعبٌ أكثر مما توقعتِ، أليس كذلك؟ لا بأس، فالأمر أعقد مما يبدو……”
لكنها لم تكمل جملتها.
‘مـ……ما هذا!؟’
صحيحٌ أن السرعة بطيئة، لكن هيئة تدفق المانا داخل السيف لم تكن عادية.
‘إنها تعيد تشكيل الحركة نفسها التي صنعتها أنا!!’
صحيحٌ أن كل ساحر قادر على استشعار مسار المانا وهو يتولد أمامه، لكن إعادة إنتاجه شيء آخر تمامًا.
كما أن من يشاهد عملاً فنيًا رائعًا لا يمكنه تقليده فورًا بنفس الجودة. لكن أرييلا كانت الآن تفعل المستحيل بعينيها.
وبعد لحظات……
“هاه! انتهيتُ. سيسيل، ألقي نظرة.”
“…….”
بقي فم سيسيل مفتوحًا وعيناها تكادان تبرزان من الدهشة.
“ما رأيكِ؟”
“ر……رائع! إنه مثاليٌ تمامًا!”
خرج صوتها متحشرجًا مرتعشًا، فقد عجزت عن إخفاء صدمتها.
لقد صنعت أرييلا سيفًا مسحورًا كاملًا لا تشوبه شائبة، يضاهي أي معيار صارم.
والأدهى……أنها فعلته بعد تجربةٍ واحدة فقط، كما لو كان الأمر بديهيًا لها.
كان أمراً غير معقول ولا يقبله أي منطق.
“أتلقيتِ يومًا تعليمًا احترافيًا في التحكم بالمانا؟ هل توجد مدارسٌ لهذا في عالم البشر؟”
“لم أتلقَّ تعليمًا، لكنني درّبت نفسي كثيرًا وحدي.”
“يا إلهي، يا للعجب.”
فابتسمت أرييلا راضية.
“لقد كان الأمر ممتعًا بعد طول غياب. أعتقد أنني قد أمرّ أحيانًا لأساعدكِ إلى أن تجدي من يعينكِ. و بالطبع، أنا أيضًا مشغولة ولن أستطيع المجيء كثيرًا. هل يزعجكِ ذلك؟”
“مـ……مزعج!؟ أبدًا! بالطبع يسعدني ذلك. لكن حقًا، هذا السيف……!”
وظلت سيسيل بعد ذلك برهةً طويلة تقلّب السيف بين يديها غير مصدقة لما تراه.
***
“أتقولين أن سيسيل ترفض لقاء غيرو؟”
ذلك المساء في قلعة لودفيك، في مملكة الشياطين. لم يكن في قاعة الاجتماعات سوى أرييلا وريتشموند.
كان لا يزال يفصل وقتٌ طويل عن الاجتماع، لكنهما حضرا باكرًا مصادفةً فجلسا وحدهما.
ثم قصّت أرييلا ما جرى في الصباح.
“لا أستطيع أن أستوعب الأمر.”
صحيحٌ أنها هي أيضًا ليست على وفاق مع والديها. بل إنهما لم يكتفيا بحرمانها من حق الوراثة، بل باعاها للإمبراطورية كذلك.
ومع ذلك، لولا تلك القصة القاسية، أليست عودة أحد الوالدين بعد موته مدعاةً للفرح قبل أي شعور آخر؟
“وفوق ذلك، لم يمت غيرو ميتةً طبيعية، بل قُتل قتلاً.”
لقد رحل أبٌ بتلك الطريقة المريعة، ثم عاد حيًا من جديد.
“ألا يثير فضولها أن تراه، لتتأكد إن كان وجهه هو نفسه الذي تعرفه، وإن كانت الروح الساكنة في ذلك الجسد هي فعلًا ذاتها التي عاشت في ذاكرتها؟”
حاولت أن تتخيل. لو كانت مكان سيسيل؟
حتى مع ضغينة قديمة، فلا بد أنها ستذهب بدافع الفضول لترى.
فتحدثت عن الفكرة بصراحة،
“أنا شخصيًا، كنت سأذهب وأراه أولًا.”
عندها ضحك ريتشموند بخفة.
“هاها!”
رغم هيئته التي لم تبقَ فيها غير العظام، ظل صوته دائمًا عذبًا عميقًا.
“ذلك لأنكِ تتحدثين من موقع المتعاقدة.”
“وما الفرق بين موقفي وموقف غيري؟ لمجرد أنني بشرية؟”
“أنا لا أتكلم عن اختلاف البشر والشياطين.”
“إذًا، عمَّ تتكلم؟”
“على المتعاقدة أن تعي أنها ليست كائنًا عاديًا. لا وفق معيار البشر، ولا وفق معيار الشياطين.”
“هل تحاول شتمي؟”
“ربما قسوت في عبارتي؟ حسنًا، فلنقل أنكِ لستِ اعتياديةً وحسب.”
حينها، ومضت في تجاويف جمجمته السوداء ومضةٌ زرقاء.
“حين يرحل الأعزاء بعيدًا، يبكي الناس وينوحون. والحزن ينشأ لأنهم على يقين أن الميت لن يعود أبدًا إلى جوارهم.”
إنما يتألمون لأنه لا رجعة له.
“لكن إن كان ما لا يُرجع قد رُدّ حقًا؟ إن عاد الميت حيًا، فهل سيكون ذوو القربى مسرورين حقًا؟ جربي أن تتخيلي.”
“همم؟”
“حين ينبش ميتٌ حديث العهد قبره ويخرج منه، كم من ذويه سيحتضنونه بلا تردد، مع أن اللحم قد بدأ يتعفن؟”
“آه……هذا ما تقصده.”
كان تفسيره مقنعًا إلى حد ما، وإن لم يبلغ تمام القناعة.
“ألم يكن لديكِ نفور حتى حين رأيتِ هيكلًا عظميًا لأول مرة؟ لا خوف ولا اشمئزاز؟”
“ولما أخاف؟ أليست مجرد جثثٍ تحركها أنتَ؟”
“سواءً حركتها أم لم أحركها، يكفي أنها تُسمّى جثثًا ليخافها معظم الناس.”
و أكمل ريتشموند بصوت دافئ،
“ألا تظنين أن رفض سيسيل لقائه إنما هو لسبب مشابه، بسبب ذلك الخوف؟”
فكرت أرييلا في كلماته. و بالفعل، يبدو أنها كانت تغفل جانبًا مهمًا.
“أحيانًا تبدو لي أكثر إنسانيةً حتى من الكائنات التي تجري الدماء في عروقها، يا ريتشموند.”
“سآخذها على أنها مديح.”
هو نفسه كان قد أصبح من الأموات السائرين، وكرّس عمره لدراسة إعادة الموتى. أفلم يكن من الطبيعي أن يفهم خوف الأحياء من المخلوقات غير الحية؟
لكنها حدست أن ذلك الإدراك لم يكن وليدًا مبهجًا.
“قدمتما باكرًا إذاً.”
انقطعت المحادثة عند دخول غيرو مع باقي الأتباع والملك الشيطاني. فما كان يصلح أن يقال أمامه، ولا هو مما يُسترسل فيه كأحاديث جانبية.
ثم بدأ الاجتماع بكلماتٍ من أولكن، زعيم المستذئبين،
“يبدو أن وحشًا قد دخل أراضي المقاطعة.”
“وحش؟”
تقلصت حاجبا لودفيك.
“لو كان في الداخل حقًا، لكنت أنا أول من يلحظه.”
ثم أبدت أرييلا هي الأخرى استغرابها،
“التنين الصغير يحلّق كل يوم ويراقب كامل المقاطعة من السماء، ومع ذلك لم يأتنا بأي تقرير كهذا.”
فعاد أولكن ليصحّح عبارته،
“آه، أقصد أن الوحش قد دخل إلى تحت أراضي المقاطعة.”
________________________
الزلزال طلع وحش؟ لايكون خلد كبير؟
المهم ريتشموند صدق عنده انسانية اكثر من الانسان نفسه بس هو قبل يفطس وش؟ شيطان بعد؟
ولودفيك صاير يغطس كثير مفروض مخاوي ارييلا كل شوي هذي اخرة الحارس؟
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.