الفصل 29
29
“ومن هو هذا الشخص؟”
رفع ريتشموند عظمة سبابته وبدأ يحك بها عظمة فكه، وكأنه يحاول استرجاع شيء من الذاكرة.
“ما كان اسمه…..آه، صحيح. كان يُدعى غيرو.”
غيرو كان أحد شياطين مملكة الشياطين، وكان يعمل في منصب رفيع في واحدة من أكبر القوافل التجارية هناك.
وكان تخصصه بالضبط هو ما تتمناه أرييلا بشدة: إدارة المالية، أي ضبط الميزانية وحركة الأموال.
بمجرد سماعها لذلك، شعرت أرييلا بلعابها يتجمع في فمها من فرط الاهتمام.
“قافلةٌ تجارية كبيرة؟ أي واحدة؟”
“قافلة فيدوِك.”
وفي لحظة واحدة، انطفأ حماسها بالكامل.
و بدلًا من الترحيب، عقدت حاجبيها بشدة. فاسم تلك القافلة لم يكن غريبًا عنها، بل كانت تكنّ له بغضًا شديدًا.
“قافلة فيدوِك؟ هؤلاء الأوغاد الذين تحالفوا مع بيفار في ألاعيبه القذرة!”
كيف يمكنها أن توظف شخصًا عمل في قافلةٍ كهذه؟
فلو تولّى ذلك المنصب داخل الإقليم، فربما يتحول إلى بيفار آخر!
شعرت أرييلا بالاشمئزاز وكادت تنفر من الفكرة تمامًا، وكأنها لا تستحق حتى النقاش. لكن ريتشموند بدا وكأنه توقّع مسبقًا هذا الرفض.
“قبل أن تعترضي أكثر، دعيني أوضح. وفقًا للأدلة التي جمعناها حتى الآن، فإن تحالف بيفار مع تلك القافلة بدأ قبل عشر سنوات، صحيح؟”
صحيحٌ أن تجاوزات بيفار في قلعة ملك الشياطين بدأت قبل ذلك بكثير، لكن التعاون المباشر مع قافلة فيدوِك بدأ في ذلك التاريخ تحديدًا.
“…..صحيح. لدينا حتى تاريخ أول صفقة غير مشروعة مسجلة.”
ربما لأن بيفار كان يعتقد أن لا أحد سيكتشف الأمر أبدًا، فقد دوّن كل شيء بالتفصيل في الغرفة السرية بقصره.
“أما غيرو، فقد ترك القافلة في الوقت ذاته تقريبًا، قبل أن يبدأ بيفار تعامله السري معهم مباشرة.”
عندها فقط بدأت أذنا أرييلا تصغيان باهتمام.
“غيرو إذًا لا علاقة له بما حدث في إقليمنا؟ أبدًا؟”
“من حيث المعطيات، لا يوجد ما يربطه بالأمر. بل على العكس، سمعت أن مالك القافلة تغيّر في تلك الفترة، وحدث صراعٌ كبير بينه وبين غيرو.”
يبدو أن هناك خلافًا كبيرًا نشب بينه وبين المالك الجديد.
“لا أعرف تمامًا ما كان سبب الخلاف، لكن ما أعلمه أن غيرو غادر القافلة بسبب تلك النزاعات.”
أسندت أرييلا ذقنها على إصبعها بتفكير عميق.
“التوقيت…..غريب حقًا. يصعب تصديقه كصدفة.”
بدأت أرييلا تعيد ترتيب الأحداث وفق تسلسلها الزمني.
أولًا، تغيّر مالك قافلة فيدوك. ثم نشب الخلاف بين المالك الجديد وغيرو.
وفي النهاية، غادر غيرو المقر الرئيسي للقافلة. وبعدها بدأت التعاملات القذرة بين القافلة وبيفار.
“عاد غيرو حينها إلى موطنه في إقليم ديلّاك التابع لأحد ملوك الشياطين، وفتح متجرًا للأدوات السحرية بماله الخاص.”
ويُقال أن تجارته كانت مزدهرةً للغاية.
ورغم أن علاقته بمالك القافلة الجديد انتهت بكارثة، إلا أن زملاءه السابقين في العمل ظلوا يقدّمون له الدعم، ربما لأنه خدم طويلًا هناك.
“غريبٌ فعلاً. رغم أنه خرج مغضوبًا من القافلة، استمر زملاؤه في مساعدته؟”
“كان يحظى باحترام كبير أثناء عمله في القافلة. فغيرو لم يكن مديرًا ماليًا مميزًا فقط، بل كان تاجرًا بارعًا أيضًا.”
في شبابه، كان يتنقل بين أقاليم ممالك الشياطين في رحلات تجارية، حتى اكتسب شهرةً واسعة وكفاءة معروفة.
و لم يكن مجرد شخص يجلس خلف مكتب ويعبث بالأرقام.
“متعدد المواهب إذًا. كلما سمعت عنه أكثر، أعجبني أكثر.”
“يقال أن كثيرًا من التجار كانوا يرونه قدوةً لهم.”
والمتجر الذي أسسه بعد تقاعده حقق نجاحًا باهرًا. ويعود ذلك إلى شبكة التوزيع والعلاقات التي بناها خلال فترة عمله داخل القافلة.
“أنا بنفسي كنت أقطع المسافة إلى متجره خصيصًا لشراء المواد السحرية.”
“وهكذا تعرفت عليه إذًا؟”
“صحيح. على كل حال، لا شك في كفاءته. يُقال أنه كان له دور كبير في توسيع قافلة فيدوِك لتصبح كما نعرفها اليوم.”
تلألأت عينا أرييلا. إن لم يكن له أي علاقة ببيفار، فالأمر مختلفٌ تمامًا.
وبعيدًا عن الغيظ من ماضي القافلة، فقافلة فيدوِك كانت ضخمةً حقًا.
وكان ريتشموند محقًا—غيرو أدار منظمةً أكبر من معظم قلاع ملوك الشياطين.
وفوق ذلك، لديه خبرةٌ عملية طويلة من ميادين التجارة المباشرة؟ بخبرته وكفاءته، سيكون مكسبًا عظيمًا.
ورغم رفضها الأولي، بدأت تراه الآن مرشحًا شبه مثالي.
فأومأت أرييلا برأسها،
“حسنًا. لنذهب لمقابلته فورًا.”
“آه، لكن..…”
كان ريتشموند يشرح بحماس، ثم تردد فجأة.
“هناك مشكلةٌ بسيطة علينا حلّها قبل أن نذهب للقاءه.”
“ما هي؟”
كانت أرييلا واثقةً من قدرتها على تخطي أي عقبة. و حتى لو رفض غيرو بأي حجة، فقد كانت مستعدةً لإقناعه مهما تطلّب الأمر.
وذلك حتى أوضح ريتشموند الأمر التالي.
“صديقنا غيرو…..توفي قبل عام.”
***
شعرت أرييلا في تلك اللحظة بالإحباط الشديد.
“ولماذا تفتح الموضوع من أساسه إذا كان ميتًا؟”
‘لحظة.’
تغيّر تعبير وجه أرييلا بسرعة. فهي كانت واثقةً أن ريتشموند ليس بالشخص الذي يتحدث عبثًا أو يُلقي كلامًا فارغًا.
ريتشموند…..تخصص ريتشموند الأساسي هو استدعاء الموتى وتحويلهم إلى اتباع.
لا يعقل..…؟
راودها احتمالٌ واحد فقط. ورغم أن أرييلا كانت ذات قلب منفتح وتفكير مرن، فإن هذا الاحتمال تجاوز كل تصوراتها.
“هل تقصد…..ما أفكر فيه بالفعل؟”
“هوه. وما الذي يخطر في بالكِ؟”
كان كلٌّ من لودفيك وأولكن لا يزالان يبدوان غافلين تمامًا عما يحدث.
ثم قالت أرييلا ما كانت تفكر فيه، بوضوحٍ وحسم كما يُطرق المسمار بالمطرقة.
“أن نعيد إحياء غيرو المتوفى…..ونعينه في إدارتنا داخل الإقليم؟”
“مـ-ماذا؟!”
“لا تقصد هذا حقًا؟ إنها مزحة، أليس كذلك؟!”
وسط ذهول الجميع، أطلق ريتشموند ضحكةً ناعمة وعذبة،
“هوهُوهُوهُوهُو! كما هو متوقع من المتعاقدة، أصبتِ الإجابة من أول مرة.”
فردّت أرييلا على المديح بمديحٍ مماثل،
“الأعظم هو أنت، يا سيد ريتشموند. لا أحد غيركَ كان ليخطر له حلٌ كهذا. من في مملكة الشياطين قد يُفكر بهذه الطريقة؟”
كان الانسجام بينهما واضحًا.
“أنا لا أعيده إلى الحياة كليًا. ما أفعله هو استدعاء الميت إلى هذا الزمان والمكان، وتمكينه من التواصل معنا، وفتح المجال له للتأثير في الواقع.”
“إنك تعبّر بأسلوب راقٍ جدًا عن عملية تحويل الميت إلى تابع.”
حينها، تحدث لودفيك بنبرة يشوبها الشك،
“لكن…..هل تملك مخلوقاتكَ قدرًا كافيًا من الذكاء لتولي الشؤون المالية؟”
وأشار إلى ريتشموند.
“الجمجمة التي ترافقكَ، مهما حاولنا مجاملتها، لا يبدو أنها تتمتع بذكاء متوسط حتى. يمكنها القتال، نعم، لكن تكليفها بشيء أكثر تعقيدًا؟ مستحيل.”
“تقصد هؤلاء؟”
أخرج ريتشموند عظمةً صغيرة من سترته وألقاها. وفي لحظة، نمت العظمة بسرعة لتشكّل هيكلًا عظميًا كاملًا، برأس وأطراف وجذع.
كان ذلك من بقايا أورك قديم، سبق أن خدم في حماية أرييلا.
“هؤلاء مضى وقتٌ طويل على وفاتهم. حتى بعد إعادتهم كأتباع، ينخفض ذكاؤهم كثيرًا مقارنةً بما كانوا عليه أحياءً.”
وبسبب انخفاض ذكائهم، فإن تحويلهم إلى خدم يكون سهلًا، فهم لا يملكون رأيًا ولا إرادة، وينفذون أوامر ريتشموند بلا نقاش.
“لكن في المقابل، شخصٌ مثل غيرو، لم يمضِ على وفاته سوى عام واحد، لذا فهويته لا تزال واضحةً جدًا. وبالنظر إلى سرعة تحلل جسد الشياطين، فمن المرجح أن يكون في هيئة زومبي، لا هيكل عظمي. إذ لا تزال لديه بقايا من اللحم والأعضاء.”
تنقلب مزايا ومساوئ الهيكل العظمي والزومبي رأسًا على عقب.
“الزومبي يصعب تحويله إلى خادم تابع. فلا يمكن فرض الطاعة المطلقة عليه.”
“تعني أنه لا يمكننا استعباد غيرو كزومبي، لكن يمكننا توظيفه باتفاقٍ مشترك؟”
“بالضبط. علينا أولًا استدعاء روحه، ثم إقناعه بالعمل معنا.”
لأنه لن يطيع الأوامر بشكل أعمى.
“وسندفع له مقابلًا يناسب رغبته حتى يبقى في هذا العالم بشكل شبه دائم.”
ما الذي قد يريده الميت؟
تأملت أرييلا هذا السؤال ثم أمالت رأسها متفكرة.
“أليس الشيء الوحيد الذي قد يرغبه الميت هو العودة إلى هذا العالم؟ وإذا أصبح زومبيًا، أليس هذا قد تحقق بالفعل؟”
“خطأ.”
“لماذا؟”
“كثيرٌ من الموتى لا يريدون العودة أصلًا.”
“لا أفهم…..أليست الحياة من أثمن الأشياء وأكثرها رغبة؟ ونحن نعرض عليه استعادتها.”
“الرغبة بالتواصل مع الأحياء والتصرف مثلهم هي رغبة تملكينها أنتِ—كواحدة ما زالت على قيد الحياة.”
“……صحيح.”
“لكن لا تفترضي أن الميت يشتهي نفس ما يشتهيه الحي. هذا مجرد تحامل.”
“تقصد أن المعيار الذي يفكر به الميت يختلف تمامًا عن الحي؟”
“في كثير من الحالات، نعم.”
“هذا يعقّد الأمر. إذا كانت دوافعه مختلفةً عن دوافع الأحياء، فإقناعه سيكون أصعب.”
لكن هذا لا يعني الاستسلام. و على الأقل، لا بد من المحاولة.
“لحظةً فقط.”
رغم ذلك، هناك مسألةٌ أخرى تشغل بالها.
“ألم تقل أن وقت استدعاء الأتباع محدود؟ سيكون مزعجًا لو وظفناه ثم يكون وقت دوامه اليومي قصيرًا جدًا.”
حتى المغادرة المبكرة من العمل لها حدود.
تخيلت أرييلا موقفًا محرجًا.
– “آه! آسف يا سيدتي أرييلا، وقت استدعائي المسموح به اليوم قد انتهى. لا خيار لي سوى المغادرة..…”
– “مهلًا! غيرو! لم يمر حتى ساعةٌ على بدء عملكَ! إلى أين تظن نفسكَ ذاهبًا؟!”
مجرد التفكير بالأمر جعل ملامحها تنقبض.
‘هل أستدعيه من العالم الآخر ليأخذ راتبًا دون أن يعمل؟ لا يمكنني تحمل هذا المنظر!’
لكن يبدو أن ريتشموند كان لديه خطةٌ مسبقة.
“إذا أردتُ شرح هذه النقطة بالتفصيل، سيتوجب عليّ الخوض في أعماق سحرَي. لذا سأختصر لكِ الجواب: إن توفرت المستلزمات اللازمة، فبإمكان غيرو البقاء نشطًا لفترة طويلة.”
أومأت أرييلا برأسها.
“إذًا علينا الحصول على شيئين: حافزٌ نقنع به الميت، و تجهيزاتٌ تُمكّنه من العمل أكثر من نصف يوم في اليوم الواحد.”
لقد تَحدّد الهدف.
______________________
يا اني ضحكت يوم قال صديقنا ذاه متوفي😭 طيب كان قلته من البدايه😭
لودفيك واولكن واضح حاطين بدل عقلهم عضلات ماغير فاغرين مايدرون وش يصير🥰
المهم ريتشموند يجنن
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.