الفصل 31
31
أطـلّ لوياس برأسه قليلاً.
بالطبع، كان لدى الصبيّ أيضًا ما يفعله.
‘لقد أهملتـكَ كثيرًا.’
قالت معلّمتـه ذلكَ بنبرة جافّة و هي تنظر إليه من الأعلى، ثمّ أمـرت السّحرة الآخرين.
‘ماذا يفعل الجميع؟ من الآن فصاعدًا، علّموا لوياس بشكلٍ صحيح.’
‘نعم، نعم! سنفعل ذلك!’
كانت معلّمتـه شخصًا مشغولاً جدًّا، فلم يكن بإمكانه التمسّك بهـا طوال اليوم لتعلّمـه المعرفة النظريّة.
رغمَ أنّ السّحرة الذين تلقّوا الأمر تنهّدوا بتردّد، إلاّ أنّ ذلكَ كان جيّدًا.
كانت معلّمتـه تهتمّ بالأمير الذي لا يسعه إلاّ أن يكون مزعجًا بالتأكيد.
كما كان اليوم التالي هو اليوم الذي وعـدت فيه بأخذه إلى القصر الإمبراطوريّ للقاء أخيه جلالة الإمبراطور.
شعرَ لوياس بقلبه الصغير يخفق بقوّة، ثمّ اكتشف شيئًا ما و أمال رأسـه.
‘أممم؟ هل تلكَ قطّـة معلّمتـي؟’
لم يكـن بإمكانه عدم التعرّف على ذلك الجسم الممتلئ المميّز.
نظرَ الصبيّ الصغير حوله بسرعة، ثمّ ركض نحو ظهر القطّة خوفًا من أن يراهـا أحـد.
“مياو.”
كانت القطّة الغريبة ذات التعبير اللامبالي، و التي تبدو أحيانًا كأنّها تشعر بالعواطف مثل البشر، مميّزة جدًّا.
‘لو كانت تستطيع الكلام لكان ذلكَ رائعًا.’
انحنى لوياس جالسًا و حاولَ وضع يـده على رأس القطّة، لكنّه ضُرب بقبضة ناعمة فابتسم بخجل.
نظرَ إلى ذيلها الناعم و أمسك قبضتـه، فوضعت القطّـة ذيلها في يـده كأنّها لا تستطيع المقاومة، وكان ذلكَ يشبه معلّمتـه تمامًا.
‘تبدو غير مبالية و لكنّهـا لطيفـة .’
لكنّ هل هذا وهـم؟
أمال لوياس رأسه متعجّبًا.
شعر بطاقةٍ غريبة تنبعث من القطّـة.
رغم أنّ الصبيّ كان ساحرًا ناقصًا لا يستطيع الكلام و بالتالي لا يمكنه ترديد التعاويذ، إلاّ أنّه كان ساحرًا في النّهاية.
كان يعرف كيف يشعر بالطاقة و كيف يجمعها في جسده.
بل كان في هذا الجانب أفضل من السّحرة الآخرين.
تحرّكت عيون القطّة المقسومة عموديًّا بحـدّة للحظة.
ثمّ….
“لا خيار لديّ.”
“……!”
اتّسعت عيون لوياس كأنّها ستتمزّق.
هل تكلّمت القطّة للتّو؟
كأنّها تؤكّد أنّـه ليس وهمًا، ضربت القطّة يـد لوياس السمينة بذيلها بلطف.
“هذا سرّ بيننا. هل فهمت؟”
أومأ لوياس برأسه بجنون، و عيونه مفتوحة على وسعها من الدهشة.
هل هذه معجزة؟
أم أنّ القطّـة مميزّة لأنّها قطّـة معلّمتـه!
نظرت القطّة إلى احمرار خدّيه المنتشر، ثمّ تنهّدت مرّةً أخرى.
“اسمي لوسي. احفظ حوار اليوم في قلبكَ بعمق و كُـن حـذرًا.”
أمال رأسه متعجّبًا و هو يرمش بعيونـه كأنّه لا يفهم المعنى، فهمست القطّة بلطف كأنّها تخبره بسرّ.
“أنـتَ متغيّر. أنـتَ الحياة الأولى التي أنقذها ذلكَ الشخص.”
مَـنْ يقصد بـ”ذلك الشخص”؟
“لكنّ القدر لا يصبح كاملاً بمجرد الهروب منه مرّة واحدة. من السابق لأوانه الاطمئنان.”
لم يفهم معنى كلامها.
رمش بعيونه باستمرار و أمال رأسه كجرو، فصاحت القطّة بغضب كأنّها تزمجر.
ابتسم لوياس سعيدًا بذلك أيضًا، فدارت القطّة بجسمها السمين في الهواء و قفزت على كتفـه.
تعثّر لوياس تحت الثقل الثقيل، فطرقت القطّة جبهته بمخلبها الممدود ─ توك.
رمش.
ما هذا؟ شعر لوياس بشيء بارد يمـرّ من رأسه إلى أخمص قدميه.
“سأساعدكَ لمرّة واحدة فقط.”
شعرت القطّة بالملل كأنّها أنهت عملها.
“أنا أشعر بالنّعاس مياو. احملني.”
احتضن لوياس القطّة السوداء التي نزلت ببطء و استقرّت في حضنه بقوّة، و شعر بخفقان قلبه المتسارع.
سـرّ بينهما.
‘لن أستطيع إخبار أخي جلالة الإمبراطور!’
كانت هذه هي اللّحظة التي حصل فيها الأمير الصغير على صديقه الأوّل أخيرًا.
* * *
─تمّ اكتشاف المنظّمة من قبل الإمبراطور.
─وقعت الأدوية و الشهود في أيديهم! ماذا سنفعل بهذا الأمر؟
─كانت هناك أقوال بأنّ الإمبراطور و الدّوقة قد تحالفـا. إذا أصبحت علاقة المجموعتين قويّة، ألن يشكّل ذلك مشكلة؟
كان الأمر خطيرًا بالتأكيد.
في الوضع الحاليّ، إذا ظهرت المنظّمة إلى الخارج ، سيكون ذلك مزعجًا.
كان هناك الكثير من الأعمال المتبقّية.
كان تلقّي الضّغط من كلا السّحرة و المستيقظين غير مواتٍ جدًّا.
في ذلكَ الوقت، تحدّث أقوى شخص بين الحاضرين.
“لنـقم بهذا.”
فتحَ الشخص الأقرب إلى زعيمهم النبيل و العظيم فمـه
“القتال يمكن إعادة إشعاله بسهولة. ألم نقل إنّ لدينا أفضل طعم؟”
─ما هو؟
هدف إذا لُمس سينفجر كقنبلـة.
“تلميذ رئيسة برج السّحر.”
─آه……. بالتأكيد!
الشخص الذي يعدّل بين السّحرة و المستيقظين بحذر.
الأمير الأبكـم، لوياس.
“نعم. شجّعوا على قتال بين السّحرة و المستيقظين. ثمّ استخدموا المرآة الجديدة التي صنعناها، لتؤذي الأمير لوياس بالسّحر بالتأكيد.”
─مثالي!
إذا فعلوا ذلك، فإنّ الجماعتين المليئتين بالشّـكّ تجاه بعضهما قد تنفصلان تمامًا هذه المرّة.
“بالإضافة إلى ذلك.”
إذا اكتشف الإمبراطور شيئًا و تابـع الأمر، سيكون مزعجًا.
مهما كان قويًّا، فإنّ مستيقظًا بدون مرشد هو في النهاية عبارة عن وحش بدون طوق.
“يجب أن نعـدّ هديّة للإمبراطور أيضًا. إذا تركناه هكذا، قد يدمّـر كلب الصّيد هذا أرضنـا، لذا من خلال هذه الفرصة، سنظهر قوّة عظيمة.”
ابتسم الشّخص ذو القفّاز الأسود و هو يضع ذقنـه على يديه المشبوكتين.
“بإسقاط الزعيم الذي تقدّسـه الوحوش.”
─آه!
لأجل حقيقة معيّنـة، و لأجل العالم الحقيقيّ، اتفقوا جميعهم مع موقفـه الواثق.
آه، البوّابـة.
يا للحمقى.
لم تكـن شيئًا يجب قتالـه.
كانت نعمة السماء التي أعطيت لهم!
“لنحفـر في أذهانهم أنّ البوّابة هي قوّتنـا. أنّ مركز قوّة هذا العالم ليس المستيقظين المتوحشين أو المرشدين، و لا السّحرة الذين يطمعون فيهم!”
─جيّد! أيّ كان ما سيحدث. نحن مستعدّون لتقديم حياتنا!
─لقد انتظرنا هذه اللحظة. كلّ شيء لأجل قمرنا العظيم!
─سنقطع رقبـة الإمبراطور!
ارتجف الهواء، و اهتـزّ المكان الذي يتواجدون فيه، غير قادرين على تهدئة الإثارة التي شعروا بها.
قريبًـا.
نعم قريبًـا.
ستأتـي الفوضى إلى هذا العالم، و سيمتدّ الفرح بدماء الحمقى.
كانوا أتباعًا مخلصين لتحقيق هذه اللحظة فقط.
* * *
هههه.
أطلقت ضحكة صامتة و دفنت وجهي في يديّ المشبوكتين.
“أين ذهبت تلكَ القطّة السمينة. هل يمكنها أن تدّعي أنّها مرشدتي بعد كل هذا!”
اللعنة.
عبثت بشعري بعنف.
حصلت على مهارة نهائيّة أخرى.
‘مرّة أخرى.’
نظرًت إلى الأمام محاولة كبح غضبي، فتلألأت نافذة النّظام و أظهرت شرح السّحر الذي حصلت عليه.
[رمح النّار]
الاسم بسيط جدًّا.
ضيّقت عينيّ و قرأت الشرح.
“يُستدعى رمح النّار لتدمير العدوّ الذي أمامـه. يمكن استخدامه ثلاث مرّات في اليوم. احذر من استخدامه أكثر. قد يسبّب إصابة داخليّة تؤدّي إلى تقيّؤ الدّم. هاه؟”
انفجر ضحك فارغ من فمي.
كنت أتلوّى من الألم كأنّ رئتيّ تمزّقتان مع سحر النّقل فقط، فماذا سيحدث إذا استخدمت هذا؟
و ما معنى “تدمير” بالضبط.
“آه. يا له من جنـون.”
كان يجب اختباره قبل العرض، لكنّني خفـت من التداعيات.
على أيّ حال، كان الحصول على سحر هجوميّ أمرًا جيّدًا.
لا أعرف إن كنتُ سأستخدمـه في مواجهة السّحر.
‘لا. يجب أن أجعله قابلاً للاستخدام.’
نظرت إلى نافذة حالة الإمبراطور الهادئة اليوم.
تذكّرت أحداث النهار بوضوح بشكلٍ طبيعيّ.
نظراته التي تحتقرني كالعادة.
تعبيره الذي يشـكّ في أنّني ارتكبت شـرًّا ما.
‘ذلك وجهه الأصليّ عندما يراني. ليس بأمرٍ جديد عليّ.’
لكنّ لماذا أعيد التفكير في تلكَ اللحظة، و أتمنّى ألاّ تتغيّر نافذة الحالة؟
تنهّدت بعمـق.
“مـاذا أفعـل.”
أشعر مؤخّرًا كأنّني ضللت الطّريق.
هل هذا بسبب رؤيتي لجانب آخر من ذلك الرّجل الذي يقول بلطف إنّني رفيقتـه……
“آآه!…هذا يكفي”
صفعت خـدّيّ بقوّة.
كان مؤلمًا جدًّا، و جعلني استيقظ تمامًا.
“أنا في النهار رئيسة السّحرة، دوقة أريل، وفي اللّيل مرشدة مؤقّتة فقط!”
شعرت أنّ نافذة الحالة اللامعة تعرف ارتباكي و تسخر منّي.
تسك،
نقرت لساني و أنا أتذكّر القطّة السمينة التي لم تعـد رغمَ حلول اللّيل، ثمّ رميت نفسي على السّرير.
شعرت أنّني سأرى كابوسًا اليوم.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.