الفصل 152
152
لم أكن بحاجة إلى أن أنظر حولي لأدرك كم كانت النظرات الموجّهة نحوي مصدومة.
لا بدّ أنّ تلك النظرة المحدّقة بلا رمش تعود إلى ليلييتا، التي رُفضت للتوّ من قِبل الإمبراطور أمام الجميع.
و إيزوليت، التي لم تستطع حتى التدخّل في هذا الموقف، لا بدّ أنّها تضع تعبيرًا مجروح الكرامة، أمّا النبلاء الذين رأوا ما يشبه ابتسامة الإمبراطور فحتمًا كانوا يحدّقون بأعين جاحظة كأنّها ستقفز من محاجرها.
أما بالنّسبة لي ، فقد فكّرتُ غريزيًا في الرفض.
رقص؟! لا يوجد ما هو أبعد عن هيلاريا، صاحبة هذا الجسد الذي تقمّصتُه ، عن ذلك!
لكن قبل أن أتمكّن من النطق، امتلأت رؤيتي بإشعار النظام.
[أنتِ حاليًا على هيئتكِ الحقيقيّة.
أنتِ، الواقفة أمام الإمبراطور كايسيس، لستِ دوقة آرييل.
تصرّفي كما يميل إليه قلبكِ.
و تذكّري المهمّة!
إذا رقصتِ مع الإمبراطور بودّ، فسترتفع نسبة الثقة تجاه ‘هيل’.]
‘همف.’
هل هو مجرّد وهم منيّ أم أنّ النظام الذي كان يبدو لي دائمًا سيّئ المزاج، صار لطيفًا اليوم؟
كان بإمكانه ببساطة أن يطرح مهمّة تأمرني بالرقص كعادته، لكنّ نبرته بدت كأنّها تهدّئني، و هذا لم يكن شعورًا سيّئًا على الإطلاق.
‘صحيح، الأمر كذلك.’
نظرتُ إلى كايسيس.
كان رجلًا ذا نفوذ كافٍ لوضع الموقف بأكمله تحت سيطرته، و ذكيًّا إلى حدّ أنّه بدا و كأنّه ينتظر خياري بهدوء.
كنتُ وحدي مَنٔ قرأ هذا الجوّ.
‘هيئتـي.’
الآن، بهذه الهيئة، لم يكن هناك داعٍ للتردّد.
حتى لو أمسكتُ بيد كايسيس، أو ناديتُه باسمه، أو رقصتُ معه، فلن أتلقّى تحذيرًا و لا تهديدًا بالموت.
‘إذا كان الأمر كذلك، فأنا…’
حينما تأمّلتُ بهدوء عينيه الزرقاوين الشفّافتين كالجليد، لاحظتُ أنّ ابتسامته ازدادت إشراقًا، و كأنّه أدرك أنّني لن أرفض.
‘لا أريد أن أرفضكَ.’
ابتسم ابتسامة نقيّة، طوى فيها عينيه الجميلتين، كطفلٍ بريء.
“جلالتكَ.”
حين شعرتُ بمدى سعادته، ارتفعت زاوية فمي دون وعي.
آه.
حين يكون هذا الرجل سعيدًا، أكون أنا سعيدة أيضًا.
“لستُ واثقة من مهارتي في الرقص.”
أمسكتُ يد كايسيس بقوّة.
“……؟”
ضيّقتُ المسافة القريبة أصلًا أكثر.
لطالما كان من الطبيعي أن أختفي أمامه كالدخان بينما يتبعني من الخلف، لكن في هذه اللحظة فقط، انقلبت الأدوار.
و بفعل قوّة مفاجئة جذبتُه نحوي، فانقاد كايسيس إليّ بلا مقاومة.
كان تعبيره المندهش لطيفًا على نحو جعلني أبتسم ابتسامة جانبيّة.
“لا يمكنني أن أرفض جلالتكَ أمام الجميع.”
حين واجهته من مسافة قريبة تُرى فيها حتى أدقّ خصلات الرموش، اتّسعت عينا الإمبراطور، الذي كان دائمًا مليئًا بالحسابات، ببراءة واضحة.
‘يبدو أنّكَ لم تتوقّع أن أتصرف هكذا؟’
ازداد الأمر متعة.
كان ممتعًا إلى حدّ يصعب احتماله.
“حسنًا، جلالتكَ. لنرقص.”
“حقًّا؟”
“نعم، هيا.”
قدتُ كايسيس، الذي بدا و كأنّه تجمّد من الدهشة. تراجع الناس المذعورون جانبًا، فاتحين لنا الطريق.
وسط الموسيقى التي ملأت قاعة الحفل، التفتُّ إلى الإمبراطور الذي أمسك بيدي.
تدفّق نور الثريّا المتلألئة من الوسط على رأس كايسيس.
تنهدتُ في داخلي.
‘أليس وسيمًا بما يكفي أصلًا؟!’
ذلك الوجه هو المشكلة فعلًا.
مع هذه الهالة الضوئيّة، لم يعد جماله عاديًا أبدًا.
و على الرغم من إدراكي لخفقان قلبي، و لاحمرار وجنتَيّ تدريجيًا تحت الضوء الساطع، لم أهرب كعادتي.
الآن، كنـتُ ‘أنا’ بالكامل.
نظرتُ إليه بشغفٍ صريح.
و بالمثل، كان يحدّق بي من الأعلى، و شفتيه ترتسم عليهما ابتسامة لطيفة ببطء.
“لكن، جلالتكَ. عليك أن تتحمّل أمرًا واحدًا.”
“هم؟”
كانت الأيدي المتشابكة حارّة.
لم أعد أعرف إن كانت حرارة يدي أم حرارته.
ارتفعت الموسيقى و بدأت أنغام الرقصة.
“أنا لستُ شريكة رقص ماهرة.”
شبك كايسيس أصابعه بأصابعي و اقترب مني أكثر. انجذب جسدي إليه.
“لذا لا تتوقّع الكثير من مهارتي.”
عطر لطيف، و دفء جسد يلامسني.
همستُ بقليل من الشقاوة على مقربةٍ منه.
“ستتألّم قدماكَ كثيرًا.”
أي أنّكَ قد تعود اليوم و قد أصبتَ بكدمة زرقاء على قدمكَ.
و بدلًا من الردّ، سمعتُ ضحكة رجوليّة منخفضة، و تركتُ جسدي ينساب مع الموسيقى.
* * *
لم تستطع ليلييتا إخفاء شحوب وجهها وهي تطحن أسنانها.
‘حتى الإمبراطور.’
تدفّق استياؤها من النظام.
ألم يكن يرفعها إلى السماء بوصفها البطلة، فما هذا الوضع الآن؟ أن تُهان بهذا الشكل، وعلى يد تلك المرأة بالذات!
و ما زاد الطين بلّة.
[فشلتِ في المهمّة الرئيسيّة لليوم الأوّل من الحفل.
فشلتِ في الحصول على ودّ الشخصيّات الرئيسيّة!
و بفشل جميع محاولات التفاعل، يتمّ تفعيل المهمّة الفرعيّة.
إذا فشلتِ في جميع التفاعلات حتّى اليوم الثالث من الحفل، و فشلتِ في زرع بذرة الانفجار عبر التوجيه مع الإمبراطور…….]
و عند قراءة الشرح المتواصل، تغيّر وجه ليلييتا بتعبير مشوّه.
[سيتمّ التخلّي عن موقع البطلة، و سيتمّ تبديل الدور وفق تحويل المهمّة الفرعيّة.]
‘يا للسخرية!’
لم يكن ذلك سوى نذير شؤم.
هذا يعني أنّ مكانها يُسلب منها.
اتّجهت نظرة ليلييتا اللامعة إلى المرأة التي كانت ترقص ممسكة بيد الإمبراطور بودّ، تلك المرشدة التي كانت في السابق بلا قيمة تُذكر.
‘كيف تجرؤ تلكَ على سرقة مكاني؟’
لا، هذا مستحيل.
لا يزال أمام الحفل يومان آخران.
و إن لم ينفع أبطال الذكور، فلا مفرّ من تهديد تلك الحمقاء بنفسها.
عليها أن تترقّب الفرصة.
الفرصة……
في تلك اللحظة، اقترب عدد من النبلاء من ليلييتا الواقفة بلا حراك.
“آنسة ليلييتا، هل أنتِ بخير؟”
“جلالته قاسٍ للغاية. كيف يفعل هذا…كيف يفضّل شخصًا مجهول الهويّة مثل هيل تلكَ على الآنسة ليلييتا التي أظهرت له كلّ هذا الإخلاص؟”
يا لهم من عديمي الفائدة!
لو كانوا شخصيّات رئيسيّة، لكان الأمر أفضل بكثير.
ارتدت ليلييتا قناع الابتسامة اللطيفة و هي تنظر إلى النبلاء الذين يحاولون مواساتها بلا جدوى.
‘انتظروا فقط. لم تنتهِ المهمّة بعد.’
لن تُسلب مكانتها بهذه السهولة.
* * *
كما هو متوقّع، هيلاريا.
راقبتُ رقصها الذي كان ينساب كجريان الماء، و رفعتُ زاوية فمي بتفاخر في داخلي.
كانت المسافة التي تبتعد ثم تقترب مع تموّج فستانها طبيعيّة على نحوٍ مدهش.
تدفّقت الحرارة إلى وجنتيّ، و ارتدّت خطوات الحذاء بنغمة مرحة.
كنتُ حرّة فعلًا.
في هذه اللحظة، لم يكن هناك ما أخشاه أو أقلق بشأنه.
“هيل.”
“نعم.”
“على عكس ما كنتِ تقلقين بشأنه.”
كان كايسيس يناديني باسمي بين الحين و الآخر، مبتسمًا كما لو أنّ هذه اللحظة ثمينة للغاية، فبدا ذلك مؤثّرًا.
“قدمي بخير تمامًا.”
“هل تريدني أن أدوس عليها عمدًا؟”
“لا، أفضل ألّا تفعلي.”
بالتأكيد، سيبدو جوّنا حميميًا أكثر من اللازم.
و مع علمي بنظرات مَنٔ حولنا، تحرّكتُ بحرّيّة.
“جلالتك. إنْ….”
نظرتُ إلى أطراف ملابسه التي كانت تتلألأ مع كلّ حركة، و سألته.
“عندما ينتهي رهاننا…”
كانت الموسيقى توشك على الانتهاء.
“إن لم أكـن على الهيئة التي تتمناها.”
كان كايسيس رجلًا ذكيًّا.
كان بإمكانه أن يسأل عن أشياء كثيرة.
كان يعلم أنّه، حين كان سيروين يتّخذ هيئتي، لم يستطع حتى إجراء محادثة طبيعيّة معي.
بل في الحقيقة، كانت هناك شكوك كثيرة تجاهلها عن قصد بدافع اليأس.
كايِسِس، هل أنـتَ؟
هل أنـتَ……؟
كلمات لم أستطع أن أنطق بها، و ابتلعتها.
“ماذا ستفعل؟”
انتهت الرقصة.
توقّفنا في مكاننا.
استقرّت أطراف الملابس بعد أن تمايلت، لكنّنا لم نترك أيدينا المتشابكة.
رأيت شركاء الرقص الآخرين يبتعدون على مسافة، و كأنّهم يتركوننا وحدنا.
كما لو لم يكن هناك سوانا.
“و أنـتِ.”
“نعم؟”
“إن حدثَ ذلك.”
على الرّغمِ من انتهاء الرقصة، شدّ كايسيس يدي بلطف.
“ماذا ستفعلين أنـتِ؟”
و كأنّه يعلن بداية رقصة جديدة، وضعت يده الكبيرة على خصري.
“هل ستختفين كسراب؟”
سألني و هو يحدّق بي بعناد، بيدٍ لا تنوي أن تتركني.
“أجيبي يا هيل. إجابتكِ ستحدّد إجابتي.”
لعقتُ شفتيّ الجافّتين بتوتّر، و رفعتُ جفنيّ.
إن جاء اليوم الذي تعرف فيه حقيقتي و ترفضني، فإنني….
قبضتُ بقوّة، دون وعي، على يد أقوى رجل في هذا العالم الموضوعة على خصري.
“لن أتركـكَ.”
المرشدة و المستيقظ.
كانت الرغبة في الامتلاك متبادلة.
“جلالتكَ لا يستطيع التخلّي عني.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.