مساحة للحكاية، ووقت لك← طريقة سرقة قلب سيدكِ
الفصل 50نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 50

50

“مَن هي آنجيل؟”

 

“آه، إنّه اسم أختي الصغرى، آنجيلا.”

 

هبط قلبي في صدري.

غالرهيد ناداني في السّاحة يومًا بـ “آنجيل” *

* هو قاللها ملاك الي معناها آنجيل بالانجليزي Angel

 

حينها قال إنّني أشبه الملاك، لكن هل كان في الحقيقة يتذكّر أخته؟

 

تصفّح غالرهيد أرجاء المتجر ببطء.

 

“وأختك، أيُّ نوعٍ من الدُّمى تُحبّ؟”

 

“الدمى التي لها شعرٌ أزرقُ وعيونٌ زرقاء.”

 

“هاه؟”

 

سارع غالرهيد إلى الإيضاح، وكأنّه خشي أن أُسيء فهمه.

 

“أنا لا أبحث عن دمية كهذه بسببكِ، أو ما شابه ذلك …”

 

كان يحرّك يديه بتوتّر، ثمّ أطلق بضع سعلاتٍ مصطنعة قبل أن يتابع: “كما تعلمين، ليس بين الغرباء مَن يعيش برغدٍ ورفاهية. ونحن لم نكن استثناءً. لذا لم تكن لدى أختي دميةٌ قماشيّة واحدة مثل بقيّة الفتيات.”

 

كنت أعرف جيّدًا حال الغرباء.

عشتُ في المعبد وشهدتُ مثل هذه القصص كثيرًا.

 

“لم تطلب منّا شيئًا يومًا، لكن في أحد الأيام، مررنا أمام متجرٍ للدُّمى. توقّفت طويلًا أمام دميةٍ لها شعرٌ أزرق وعيونٌ زرقاء، ووقفت تحدّق عبر الزجاج طويلًا. ومنذ ذلك اليوم، صارت تمرّ هناك صباحًا ومساءً، تُلقي التحيّة على تلك الدمية التي سمّتها بنفسها، وتُحدّثها كأنّها صديقتها. كنتُ أريدُ أن أهديها تلك الدمية في عيد ميلادها القادم، فبدأت أجمع المال سرًّا. لكن …”

 

اختفى الابتسام من وجهه، وتجمّد فمه في صمتٍ متوتّر.

 

“اندلعت الحرب الأهليّة. في ذلك الوقت، كان يُعدّ ظهورُ الغُرباء في العاصمة جريمةً تُعاقَبُ بالإعدام رميًا بالرصاص. كان الجوّ مرعبًا، فهرب الجميع، مواطنين وغرباء على حدٍّ سواء. قررنا نحن أيضًا الفرار جنوبًا.”

 

مدّ غالرهيد يده نحو إحدى الدُّمى، وتابع بصوتٍ خافت: “أُقرّ أنّني فكّرتُ بأنّها فرصة. قلتُ لنفسي: وسط الفوضى، لن يُلاحظ أحد إن اختفت دميةٌ من متجرٍ صغير. فهربتُ من المنزل، وتسلّلتُ إلى المتجر وسرقتُ الدمية. لكن في طريق العودة صادفتُ الجنود. حاولتُ الهرب، لكن ما جدوى ركضِ طفلٍ أمام رجالٍ مسلّحين؟ أمسكوا بي سريعًا، وأُصبتُ هنا.”

 

مسح بيده اليمنى مكان الجرح القديم، حيث ترك الرصاص أثره.

 

“لكنّ أحد الجنود رقّ لي وخلّى سبيلي. وعندما عدتُ إلى المكان لاحقًا … كانت الدمية قد اختفت.”

 

شعرتُ بأنّ حلقي يجفّ.

 

“إذن، عندما ناديتَني ‘آنجيل’ أول مرة …”

 

“تذكّرتُ أختي على الفور. إن كانت تلك الدميةُ قد تحوّلت إلى إنسانة، لكنتِ أنتِ، أوليفيا، تشبهينها تمامًا.”

 

تجمّد عقلي.

هل … الدمية التي يتحدّث عنها هي أنا؟

 

في هذا العالم، لا بدّ أنّ ثمّة دمى أخرى بشعرٍ أزرق وعيونٍ زرقاء، لكن … كلُّ ما يقوله يشير إليّ.

 

“هل كانت لتلك الدمية … اسمٌ أطلقَته أختك؟”

 

“آه، نعم. وأقسم أنّني لا أختلق هذا …”

 

رمش بعينيه، ثمّ حكّ عنقه بخجلٍ واضح.

 

“أوليفيا.”

 

“هاه؟”

 

“الاسم الذي سمّتها به … كان أوليفيا.”

 

رفع يده ليُخفي وجهه، لكنّ احمرار وجنتيه فضحَه تمامًا.

 

“هكذا إذًا.”

 

“أقسم أنّها الحقيقة! أسمتها أوليفيا لأنّها كانت ترتدي فستانًا بلون الزيتون!”

 

أخذ يُردّد المبرّرات مؤكدًا أنّه لا يكذب، لكنّني لم أسمع شيئًا بعد ذلك.

 

غالرهيد … هو سيدي.

هو من اقتناني أوّل مرة، وليس إيدموند.

 

خفق قلبي بقوّةٍ مؤلمة.

أيُّ هراءٍ هذا؟ كان يُفترض أن أكون سعيدة لأنّ إيدموند ليس هو سيدي الأصلي، لكن لماذا أشعر بهذه الغصّة؟

 

هل خدعت نفسي بسبب تكرار كلمات الحبّ التي كان يقولها لي؟ هيا، أوليفيا، استفيقي!

 

“أوليفيا، ما رأيكِ بهذه؟ عيونُها ليست زرقاء، لكن ربما تعجبُها؟”

 

أومأتُ بلا اهتمام، دون أن أرى لونَ عيني الدمية أصلًا.

 

“أيمكنكِ تغليفها لنا؟”

 

“حالًا!”

 

بينما كانت الموظفة تأخذ الدمية، أخذ غالرهيد يتفحّص الألعاب الأخرى.

 

“هناك أشياء لطيفة أكثر مما ظننتُ. هل أستطيع أن أشتري لكِ واحدة أيضًا؟”

 

“لِي؟ لكنّها ليست مناسبة عيد ميلادي …”

 

“مجرد هدية شكر، لأنّكِ خرجتِ معي اليوم. انظري إلى هذه!”

 

رفع دمية دبٍّ صغيرة بيضاء.

 

“إنّها لطيفة.”

 

“ضعيها على مكتب عملكِ، وعندما ترينها … تذكّري أنّني من أهداها لكِ.”

 

“…آه.”

 

تأمّلتُها.

دبٌّ أبيضُ بفروٍ ناعم وعيونٍ حمراء.

وبجانبه دبٌّ أسودُ له العيون نفسها.

 

“هل ترغبين بهذه؟”

 

قلتُ مرتبكة: “فقط لأنّهما تبدوان كزوجٍ متكامل، لا أكثر …”

 

تدخّلت الموظفة وهي تبتسم:

 

“أجل، إنّهما يُباعان كطقمٍ مزدوج. الأزواج يشترونهما عادةً لتبادل الهدايا!”

 

شعرتُ بالحرج، لكنّ غالرهيد نظر إليّ بعينين متردّدتين مليئتين بالرغبة في الموافقة.

 

“لا، لا بأس، سأشتريهما أنا!”

 

أخذتُ الدميتين بسرعة وتوجّهتُ نحو صندوق الدفع، و قلبي يخفق بعنف.

 

“إنّهما طقمٌ متكامل، سيبدو حزينًا لو تُرك أحدهما وحيدًا!”

 

نعم، هذا السبب فحسب … ليس لأنّي أردتُ الدبّ الأسود تحديدًا.

 

“إذن، سأشتريهما أنا أيضًا.”

 

أخذ غالرهيد الدبّ الأبيض والأسود معًا ووضعهما أمام الصرّافة.

 

“ثمّ نتبادل، ما أشتريه أنا أُهديه لكِ، وما تشترينه أنتِ تُعطينه لي. هكذا سيكون كلٌّ منّا قد قدّم هديّةً للآخر.”

 

لم أستطع رفض الفكرة، فاكتفيتُ بالإيماء.

 

“حسنًا، اشترينا الهدايا، إلى أين الآن؟”

 

“لنتجوّل قليلًا.”

 

“رائع.”

 

إن كان غالرهيد هو سيدي الحقيقي، فلن أحتاج إلى إرضاء إيدموند بعد الآن.

 

هكذا قلتُ لنفسي، لكنّ قلبي بقيَ مثقلاً.

 

“هذه القبّعة تليق بكِ.”

 

وضعها على رأسي مبتسمًا.

 

“ما رأيكِ؟”

 

“جميلة.”

 

هيا يا أوليفيا، تذكّري هدفكِ.

غالرهيد هو سيدكِ.

 

لكنّ وجه إيدموند ظلّ يلوح في ذهني مرارًا، فهززتُ رأسي بقوّة لأطرده.

 

تجوّلنا طويلًا، نضحك ونتحدّث، رغم بعض النظرات المستهجنة من المارّة.

على الأقلّ، لم يجرؤ أحدٌ على التفوّه بما قالوه في المطعم من قبل.

 

“ألن نرتاح قليلًا؟”

 

أشار غالرهيد إلى بيت شاي أنيق.

 

“ما رأيكِ بهذا المكان؟”

 

“فكرة جيّدة.”

 

كنتُ متعبة، وعطشى، فتقدّمتُ للدخول.

 

لكن ما إن تخطّيتُ الباب، حتى سمعتُ صوتًا خلفي: “عذرًا.”

 

استدرتُ فرأيتُ غالرهيد موقوفًا عند المدخل.

 

“نحن لا نستقبل الأجانب هنا.”

 

أشار الموظّف إلى لافتةٍ كبيرة عند الباب: [ممنوع دخول الأجانب]

 

“… هل تدركون أنّ هذا غير قانوني؟”

 

ردّ الموظّف ببرود: “بكلّ تأكيد، وإن أردتِ الشكوى، تفضّلي.”

 

يا لوقاحتِه.

 

“أوليفيا، لنذهب.”

 

“لكن …”

 

“لنذهب، لا بأس.”

 

لا أدري أيُّ شيءٍ في هذا الموقف كان “بخير”.

حين كان إيدموند معي، لم يجرؤ أحد على منعي.

 

لكن هذه … هي الحقيقة المرّة.

 

نظرتُ إلى الموظّف بغضبٍ صامت، ورفعتُ إصبعي لأشير من عينيّ إلى عينيه: ‘سأتذكّر وجهك جيدًا.’

 

“صدقيني، أنا بخير. أعرف أنّكِ نشأتِ في المعبد، ولم تعتادي رؤية مثل هذا. لكن بالنسبة لي … هذه حياتي اليومية.”

 

“مهما كانت الحياة اليومية، لا يجوز أن يكون الإذلال جزءًا منها.”

 

أيّ عالمٍ هذا الذي يجعل الإهانة عادةً يوميّة؟

لا، يجب أن يتغيّر شيء. ليس لأجل غالرهيد فحسب، بل لأجل جميع الغرباء.

 

“أوليفيا، لِمَ تبكين؟”

 

مدّ لي منديلاً، ولم أُدرِك أنّ الدموع كانت تسيل على خديّ.

 

“غالرهيد، سأقضي على هذا النوع من التمييز، أعدك. قد تكون للناس أسبابٌ كثيرةٌ للكراهية، لكن لون البشرة أو ملامح الوجه لا يجب أن تكون من بينها.”

 

أمسكتُ بيده بإصرار.

 

“لا تقبل بهذا التفرقة لمجرّد أنّك وُلدتَ غريبًا. هذا ليس طبيعيًّا، ولا يجب أن يكون.”

 

وهنا كانت دموعه تسقط هذه المرة.

ناولته المنديل نفسه الذي أعطاني إيّاه، بهدوء.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.