الفصل 128
128
انحنى إيدموند برأسه قليلًا بشكلٍ متوتّر. لم يكن ليتخيّل أبدًا أنّ هذا الطّفل هو الحاكم.
“كلّ ما تفعلانه هو طريقٌ يمهّد للإمبراطوريّة، وكلّ الطّرق الّتي ستسلكانها ستكون ببركتي.”
فتح يوهان ذراعَيْه فصنع هالةً من الضّوء. أحاط غبارٌ متلألئ مثل درب التّبانة بي و بإيدموند، ثمّ اختفى برفقة يوهان.
شعب الإمبراطوريّة، والنّبلاء، والجند على الأسوار، وحتّى وفود الدّول الأجنبيّة الّذين جاؤوا للتأكّد من سير حفل الزّفاف … كلّهم حدّقوا مذهولين في المشهد. ثمّ صرخ أحدهم: “عاش سموّ الأمير إيدموند!”
“عاش سموّ وليّ العهد!”
وبدأت الهتافات تنتشر، ومع كلّ صيحة، جثا الجميع على ركبهم أمام إيدموند.
“ها، هذا الوغد.”
تمتم إيدموند مبتسمًا بطرف فمه.
“أطلق تصريحًا هائلًا ثمّ اختفى.”
“حقًا.”
لن يجرؤ أحد بعد الآن على التّشكيك في أحقّيّة إيدموند بعرش ولاية العهد، أو على نعته بالدّونيّة لأنّ في عروقه دماء فوغليش.
كنت قلقة من أنّ اختياره لي سيُغيّر مستقبله، لكن … يبدو أنّ ذلك لن يحدث. جيد.
وبينما كنت أتأمّل الرّكب السّاجدة، التقت عيناي بعيني إيدموند مجدّدًا. كانت نظرته تُدغدغ قلبي.
“لماذا تهرَبين؟”
“نعم؟”
“نظركِ. أشحتِ به.”
هذا الرجل الّذي يملك حاسّة أشبه بحاسّة الوحوش لم يُفوّت تلك اللّحظة الخاطفة.
“آه، ليس صحيحًا.”
“بل صحيح. هل أجهلُكِ أنا؟”
قطّب إيدموند حاجبيه وأمسك بيدي ورفعها إلى شفتيه.
“لن أُرسلَكِ إلى أيّ مكان بعد الآن. حتّى لو طلبتِ ذلك. لا أستطيع العيش من دونكِ يا أوليفيا.”
وجفلتُ من ذلك الإحساس الدّافئ الطّريّ الّذي اخترق القفّاز.
شعرتُ بقلبي يختنق تحت نظرته الّتي سرت ببطء على كامل هيئتي. وللحظة، هممتُ بالبكاء من شدّة شعوري بأنّ كلّ ما ينتظرنا هو السّعادة.
لكنّ …
“يا سموّ الأمير!”
اندفع دانتي ملوّحًا من بين الرّاكعين. نظر إليه إيدموند بضيق قبل أن يُطلق تنهيدة ثقيلة.
“لماذا هذا الأحمق بلا أيّ ذوق؟ ليس كامبيل أيضًا.”
وفوق صوت تذمّر إيدموند ارتفع صراخ دانتي: “جلالتُه … جلالتُه قد عاد!”
***
لم يكن الإمبراطور و فيليكس مصابين إصابات خطيرة، سوى أنّهما قد هَزُلا قليلًا. قال طبيب القصر إنّهما سيعودان بصحّتهما كاملة بعد أن يأكلا جيّدًا ويستريحا فترة.
“لقد عانيتَ كثيرًا.”
“… لا، لم أفعل.”
“وأنا مخطئ في حقّك.”
“… لا، لستَ كذلك.”
تحدّث الإمبراطور وإيدموند طويلًا في ذلك اليوم. لم أكن معهم، لذا لم أعرف مضمون الحديث، لكنّ وجه إيدموند كان أكثر إشراقًا حين خرج عند الفجر.
وبناءً على الوثائق الّتي جلبها دانتي، سارت مفاوضات ما بعد الحرب الأهليّة بسلاسة تامّة.
كلّ شيء كان يعود إلى نصابه.
أعلن المعبد أنّ إيكلا كانت شيطانًا سيُهدّد الإمبراطوريّة، و أدركت أنّها ليست المرأة البطلة الأصليّة للرّواية. أمّا إيكلا الحقيقيّة، فكانت تتعافى بسلام مع جدّها أسـيس في الرّيف.
هاه، ذلك الميفيستو … كان يجب أن أصفعه صفعةً محترمة قبل أن يختفي!
“أوليفيا، ماذا تفعلين هناك؟”
رفعتُ رأسي إلى نداء دانتي. كان اليوم هو يوم تنصيب إيدموند وليًّا للعهد. الحفل الّذي لم نستطع إتمامه سابقًا سيُقام من جديد.
لم يعترض أيّ نبيل أو مواطن، مع أنّ دماء فوغليش تجري في عروقه.
كيف لهم الاعتراض وقد باركه الحاكم؟ معارضته تعني معارضة الحاكم، والمعارضة تعني إعلان العداء للمعبد.
“واو … هل هذه الهدايا من مملكة إيوجكس ومملكة بايريل؟”
سألتُ وأنا أنظر إلى أكوام الذّهب والجواهر، فهزّ دانتي كتفيه.
“يبدو أنّ ضمائرهم متأنبة جدًّا.”
فالدّول الّتي كانت تتربّص بالإمبراطوريّة خضعت تمامًا بعد انتشار خبر أنّ الحاكم نزل بنفسه وبارك إيدموند. بل أكثر من ذلك … بدأوا يتودّدون ويعرضون أن يكونوا حلفاء أبديّين.
وبفضل هذا، لم نضطرّ إلى تسليم أيّ غنائم إلى الممالك الّتي شاركت في الحرب الأهليّة.
وبالنّظر إلى الأمور … كان هذا أفضل سيناريو ممكن.
***
وجاء يوم التّنصيب—
دخل إيدموند على وقع الموسيقى الفاخرة.
“يا وريث الإمبراطوريّة الّذي اختاره الحاكم. سيكون طريقك نورًا يشقّ الظّلام، وستكون كلّ خطوة من خطواتك سبيلًا نحو مجد الإمبراطوريّة.”
الكاردينال الّذي أصبح الآن البابا منح إيدموند بركته. أمّا البابا السّابق الّذي كان يلتهم الرّشاوى التهامًا … فقد طُرد.
“اليوم، باسم الحاكم، ولأجل مستقبل الإمبراطوريّة، أُعلن تنصيب إيدموند رايهارت وريثًا للعرش.”
ومع إعلان الإمبراطور، وُضع على شعره الأسود اللامع تاجُ وليّ العهد.
ارتفعت الهتافات، وصفّقتُ بحرارة.
***
كلّ شيء عاد إلى مكانه. شتاء عمري العشرين، الّذي ظننته لن ينتهي، كان يقترب أخيرًا من نهايته.
“صباح الخير!”
نُقل مكتب إيدموند—بعد أن أصبح وليًّا للعهد—إلى الجناح المخصّص للورثة في القصر، حيث الشّمس أقرب والنّور أوسع.
فمن الآن فصاعدًا، عليه أن يستعدّ خطوةً خطوة لتسلّم العرش، وسأنشغل أنا في الدّراسة لأدعمه بكلّ ما أستطيع.
“أهلًا، فيا.”
التّغيير الوحيد … أنّه بدأ يناديني “فيا”. يبدو أنّه لقبٌ دافئ، لكنّي ما زلت غير معتادة عليه.
“إيد، ألا يبدو المكان رائعًا؟”
وضعتُ حقيبتي على المكتب ومسحتُ سطحه. كان أوسع من مكتبي القديم بمرّتين تقريبًا.
“أنا لا يعجبني كثيرًا.”
ارتفع صوت صرير الكرسي الجلدي حين اتّكأ إلى الخلف.
يبدو أنّ الأثاث الجديد لا يعجبه.
“هل الإحساس عند الجلوس غير مريح؟ يقولون إنّه أحدث طراز.”
أمّا أنا … فالطاولة والكرسيّان نالا إعجابي. لكنّ إيدموند أطول من الجميع، ربّما كان الأمر غير مريح له.
“ليس هذا السّبب.”
ظهرت تجعيدة خفيفة على جبينه.
“مكان مكتبك. كان يمكن أن يضعوه بجانبي كما في السابق.”
“آه …”
ابتسمتُ بتوتر وأنا أرتّب أغراضي.
كان مكتبي قد نُقل قرب مكتبه في الماضي بسبب “رسالة التّهديد” تلك.
“ما هذا يا فيا؟ تبدين وكأنّك سعيدة لأنّ مكتبك لم يعد بجانبي.”
تقدّم إيدموند بكوب قهوة، وجلس على طرف مكتبي بقدميه الطّويلتين، ينظر إليّ بينما أرتّب كتبي … ومع الشّمس خلفه … بدا كمشهدٍ من إعلان قهوة.
نافذة ضخمة، مكتبة فاخرة، رجلٌ يرتدي بدلة بثلاثة أزرار، يحمل قهوته وينظر إليّ بعينَيْن دافئتين … كيف يكون هذا واقعيًّا؟
“هاه؟ فيا. هل كرهتِ الجلوس بجانبي؟”
“لـ … لا، ليس كذلك.”
“إذًا؟ أعجبكِ؟”
ارتسمت ابتسامته، وانعكس عليها ضوء الشّمس.
“كنتِ تمسكين يدي دائمًا تحت المكتب بينما أنا مشغول!”
“أمسك؟”
أمسك إيدموند بيدي ورفع حاجبه بابتسامة جانبيّة.
“أمسك …”
كُنّا دائمًا نهلك تركيز بعضنا … وبالتّحديد حين يبدأ بإمرار إبهامه على يدي ببطء شديد!
يا ليتني أستطيع قول هذا بصوتٍ عالٍ … لكن هل يعقل أن أنطق بتلك الكلمات المحرِجة في مكتب وليّ العهد صباحًا؟
مستحيل.
“أوه؟ حضرتم مبكرًا اليوم!”
تراك—
تباعدنا بعنف مثل شخصيّاتِ كوميديا رومانسيّة.
“آه … لقد جئتُ في وقتٍ سيّء، أليس كذلك؟”
حكّ كامبيل العائد رأسه محرجًا.
“هل أخرج؟”
“اسكت وادخل.”
قالها إيدموند وهو يمسح القهوة المسكوبة. ولسوء حظّ كامبيل، بدأ أوّل أيّامه بالعودة إلى دوّامة من المهام الّتي لا تُحتَمل.
***
“بالمناسبة يا أوليفيا، متى ستتزوّجان؟ في الرّبيع؟ أم في الخريف؟ يكون الطقس ألطف.”
كان وقت الغداء—الفترة الأكثر سلامًا خلال العمل.
كنا أنا و ناتاشا نشتري بعض الحلويات من المخبز الجديد أمام القصر لتعويض السّكر. وفجأة رمت عليّ سؤالًا فجّر عقلي.
“ماذا؟”
صحيح أنّ الجميع يعرف أنّنا على علاقة، لكنّي لم أتوقّع أن يسألني أحد فجأة عن موعد الزّفاف.
“آه، لو كان أمرًا يخصّ العائلة الإمبراطوريّة ويجب التّكتم عليه، فلا بأس! لا تجيبي!”
“لا، ليس الأمر كذلك …”
تنفّستُ بعمق.
“في الحقيقة … أنا نفسي لا أعرف. إيدموند … لم يقل أيّ شيء بعد”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.