الفصل 117
117
كنتُ أتمنّى ألّا يكون طعمُ القبلة الّتي أتشاركُها مع مَن أُحبّ، القبلةُ الأولى مع أوليفيا، مغمورة بهكذا دموع.
كنتُ أرجو أن أقدّم لها شيئًا رائعًا في مكانٍ جميل، وأن أقول لها كلماتٍ حلوة تُسعدها. على مهل، وبقدرٍ أكبر من الرّاحة.
أردتُ أن أُظهر لها جانبًا ناضجًا.
لكن شفتيّ ولساني المتجمّدان من البرد لم يتحرّكا كما أردت.
‘المضحك حقًّا أنّ الأمر كان جميلًا رغم ذلك.’
“يدُها الّتي أمسكت بثيابي كأنّها لا تريد أن تُفلتني، كلّ ذلك بدا لي محبوبًا.”
‘لو أستطيع ترك كلّ شيء وأمسك بيدها… وأهجر الإمبراطوريّة معها فقط….’
“هاه…”
أطلق النفس الّذي كان يحبسُه.
انتشرت أنفاسه البيضاء أمام وجهها.
وسط بخار النَّفَس الأبيض، التقت عيناه بعينيها الشبيهة بلون السّماء. عينا أمّه الّتي ظلّت تشتاق إلى سماء موطنها.
والآن كانت تلك العينان ممتلئتين بالدموع.
“أوليفيا.”
رفع يدَه ليمسح دموعها، فرأى الجرح على ظهر يده اليسرى.
ذلك الجرح كان بشعًا بالنسبة إليه. ذكرى اليوم الّذي فقد فيه أمّه، والدليل على ضياع دميتها العزيزة.
كان يبذل جهدَه ألّا ينسى كلّما نظر إليه. لأجل وصيّة أمّه، كان يؤمن أنّ عليه أن يصبح إمبراطورًا.
لقد أقسم ألّا يكون مثل والده الّذي ظلّ عاجزًا عن تنفيذ إرادته تحت ثقل نفوذ النبلاء.
لكنّ النتيجة؟ ها هو يصبح وليًّا للعهد لأسبابٍ أسوأ ممّا عاشه والده. أن يصبح وليًّا للعهد بتزويجٍ مفروض بفعل ضغط الدول المجاورة … يا لها من سخرية.
“لا تبكي. الخطأ خطئي.”
لكنّه لم يكن يملك خيارًا آخر. والده، بعد أن فقد زوجته، شعَر بأنّ كلّ شيء صار بلا معنى … ومع ذلك تولّى العرش في نهاية المطاف.
“سأتوقّف عن العناد. سأفعل كما قلتِ.”
فقط لأنّ المرأة الّتي يُحبّ طلبت ذلك.
مسح إيدموند خدّ أوليفيا بحرص. أراد أن يمسح دموعها، لكنّ الدموع الّتي تجمّعت بعينيه جعلته عاجزًا عن رؤية ملامحها بوضوح.
أراد أن يحفظ منها قدرًا أكبر في عينيه، لكنّ دموعه انهمرت كأنّها كلّ دموع عمره، فلم يعد قادرًا على رؤيتها.
وأوليفيا أيضًا كانت تبكي. أراد أن يمسح وجهها المتجمّد من هواء الشتاء، لكنّ الرؤية المشوّشة جعلت ذلك مستحيلًا.
ارتجفت يداه الحمقاء.
“سأتزوّج تلك المرأة. وسأصنع إمبراطوريّةً يعيش فيها الجميع، أصحاب الدّم المختلط، والأيتام، والعامّة … جميعهم بسلام.”
“…نعم. أرجوك.”
أومأت أوليفيا.
أدار إيدموند جسده بصعوبة، كأنّ قدميه لا تريدان الابتعاد.
مع كلّ خطوة كان يشتاق إليها. لقد رآها للتوّ، وكانت بين ذراعَيه منذ لحظات، لكنّ الشوق بدأ ينهش صدره.
ظلّ يلتفت إلى الخلف كلّ بضع خطوات. ما إن يظنّ أنّه ابتعد كثيرًا، حتّى يدرك أنّه لم يقطع عشرة خطوات كاملة.
“سيكون الجوّ باردًا … ادخلي إلى الداخل بسرعة.”
أوليفيا لم تتحرّك من مكانها، كأنّ قدميها ثقيلتان مثل قدميه.
ندم على تجاهل صراخ فاكيل الّذي قال له أن يرتدي معطفه قبل الخروج. لو كان معه معطف الآن، لكان على الأقلّ قادرًا على حجب الريح الباردة الّتي كانت تضرب جسد أوليفيا.
“آه … القفّازات.”
نظر إلى القفّازات المدسوسة في جيب بنطاله، ثمّ هزّ رأسه.
إن عاد الآن، فلن يستطيع تركها فعلًا.
يجب أن يغيب عن مجال رؤيتها بسرعة … كان يظنّ أنّ ذلك هو أفضل طريقة.
ضغط إيدموند خطواته الثقيلة على الثلج الأبيض، تاركًا وراءه ما تبقّى من تردّد.
الثلج الّذي نزل مبكّرًا في أوّل الشتاء لم يكن يتراكم، بل كان يذوب مباشرة، مُلطّخًا الأرض.
***
“يا صاحب السمو، هل أنت بخير؟”
فاكيل الّذي كان ينتظر إيدموند بقلقٍ شديد، ركض نحوه ما إن رآه يقترب من بعيد.
من كتفَيه المنهارَين بدا واضحًا أنّ الأمور مع السيّدة أوليفيا لم تسر على ما يُرام.
كان يريد، من كلّ قلبه، أن يقول لسيّده إنّ بإمكانه التخلّي عن كلّ شيء.
“أنا بخير.”
لكن صوت إيدموند كان متشقّقًا، وعيناه المتورّمتان من البكاء قالتا العكس تمامًا.
لم يستطع فاكيل سوى أن يضع المعطف على كتفَي إيدموند بصمت، عاجزًا عن تقديم أيّ عزاء آخر.
لو كان يعرف إيدموند منذ زمن مثل فيليكس، هل كان ليقول له ببساطة أن يكون أنانيًّا ولو مرّة؟ أو لعلّه كان قادرًا على إلقاء كلمات مواساة خفيفة دون تردّد؟
“فاكيل.”
“نعم؟”
ابتلع فاكيل ريقه بلا وعي. تحت خيوط الثلج الممزوج بالمطر، بدت عينا إيدموند الحمراوان تتلألآن كجوهرة.
كان يشبه ذئبًا التقط فريسته.
“هناك أمر عليك أن تقوم به.”
قالها إيدموند بصوت هادئ، كمن يُلقي حكمًا.
“أرجوك.”
ما إن انتهى أمر إيدموند، حتّى أومأ فاكيل بوجهٍ حاسم.
“سأمتثل للأمر.”
ثمّ اختفى مسرعًا داخل الظلام. أمّا إيدموند، وقد ظلّ ينظر إلى ظهره، فقد مدّ يده نحو السماء.
ما تساقط منها لم يكن ثلجًا ولا مطرًا؛ ما إن يلامس راحته حتّى يذوب ويختفي بلا أثر.
“لا يمكن … لا يمكن أن أتخلّى هكذا.”
طلبت منه أوليفيا أن يتخلّى عنها … لكن ذلك مستحيل.
لم يستطع تخيّل نفسه يتنفّس تحت سماء لا تكون أوليفيا فيها قربه.
لا يمكن أن يستسلم.
“سأفعلها. سأحقّقها.”
صفع خدّه المتجمّد بيده محاولًا استعادة توازنه النفسي.
لم يملك وقتًا للارتجاف الآن.
***
تزوّج إيدموند وإيكلا بسرعة، وكذلك تمّ إعلان نهاية الحرب الأهلية.
وبسخرية من القدر، أو ربّما بتلاعب من ميفيستو، صادف يومُ زواجهما يومَ ميلادي.
الحرب الّتي بدت أبدية انتهت أخيرًا.
لكنّ هذا لم يعنِ أنّ كلّ الأعداء انسحبوا.
فقد بقي الفرسان القادمون من الممالك المجاورة في العاصمة، تحت شرط أنّهم لا يُطلقون سراح الإمبراطور و فيليكس إلّا بعد إقامة الزفاف.
“أوليفيا.”
عدتُ إلى المعبد من جديد. لم يعد الخروج من القصر الإمبراطوري خطرًا كما كان.
“هل أنتِ بخير؟”
بالابتسامة فقط استطعت الردّ على سؤال نائب الكاهن الأعلى، الّذي حمل الكثير من المعاني.
“هل عاد جميع من كانوا في المعبد؟”
“بعضهم فقط. صحيح أنّ الحرب انتهت، لكن هناك من فقد منزله تمامًا.”
فكّرت فورًا في يوهان، الطفل الّذي كان يتبعني كأمّ له.
“وماذا عن يوهان؟”
“إنّه هنا أيضًا. فجدّه الّذي كان يعتني به لم يُسمح له بالخروج من المستشفى بعد.”
“عليّ أن أذهب لرؤية يوهان إذًا.”
البقاء وحدي في الغرفة سيغرقني بالهموم، لذا من الأفضل أن أبقى منشغلة. وضعتُ حقيبتي كما هي ورحت أتّجه إلى قاعة الصلوات حيث يقضي يوهان معظم وقته.
يوهان، رغم صغر سنّه، كان شديد الإيمان.
قيل لي إنّه ينظّف القاعة يوميًّا ويصلّي بإخلاص، ولذلك أحبّه جميع الكهنة، بل وتساءلوا إن كان يفكّر بأن يصبح كاهنًا يومًا ما.
“يوهان، هل أنت هنا؟”
فتحتُ الباب الّذي صرَّ بصوتٍ خفيف، ورأيته يصلّي بخشوع أمام التمثال. بدا جادًّا لدرجة أنّه جعلني أتساءل ما الّذي يمكن لطفلٍ صغير أن يصلّي من أجله.
تحت ضوء السقفية العالية والزجاج الملوّن، بدا الطفل المنهمك بالصلاة مقدّسًا بطريقةٍ ما.
“أوليفيا!”
لكنّه ما إن رآني حتّى ارتمى في حضني بابتسامةٍ مشرقة، فعاد لي مظهر الطفل المشاغب الّذي أعرفه.
“هل كنتَ بخير؟”
“نعم! وأنتِ أوليفيا؟”
“أنا أيضًا بخير. الآن بعد انتهاء الحرب، ستعود إلى منزلك حين يتعافى جدّك.”
“لا أريد العودة إلى البيت. أحبّ البقاء هنا.”
“لو سمعك الكهنة لفرحوا كثيرًا.”
ضحكت وأنا أتبادل معه الحديث.
“يوهان، ألا تشعر بالملل هنا؟”
“أبدًا! أحبّ البحث عن الأشياء في قاعة الصلاة.”
‘لا يوجد كنز هنا … فما الّذي يبحث عنه؟’
لكن الأطفال يستطيعون تحويل غصنٍ إلى سيف، وحصاةٍ إلى جوهرة. لا غرابة في ذلك.
“أوليفيا، هل تعلمين؟ لم يستطع أحد إيجادي عندما كنّا نلعب الغميضة في القرية!”
“واو! حقًّا؟ هذا مذهل!”
ربّتُّ على شعره الكثيف مبتسمة.
“حقًّا! لأنّني كنتُ أختبئ في مكان يستحيل على أحدٍ توقّعه!”
“مكانٍ يستحيل الاختباء فيه؟”
هذه هي لعبة الغميضة فعلًا.
“يااه! ألا تريدين معرفة سرّي الأعظم؟”
انتفخت خدّاه مثل كعكة الأرز. يا للطفل الظريف!
مددتُ يدي لأربّت على خدّيه الطريَّين وأنا أبتسم.
“حسنًا، حسنًا. ما طريقتك الّتي لا تُهزم؟”
يبدو أنّه أراد التفاخر أمامي … أو ربّما اشتاق للدردشة مع شخصٍ يثق به.
“أنا أختبئ في منطقة أومفا!”
“…ماذا؟”
“إن اختبأتُ هناك، لن يجدني أحد!”
ابتسم يوهان ببراءة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.