مساحة للحكاية، ووقت لك← طريقة سرقة قلب سيدكِ
الفصل 102نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 102

102

آه، يبدو أنّني وصلتُ إلى هذا الحدّ.

 

جميع ما عشته هنا؛ من تلقّي طلقٍ ناريّ، وضربةٍ بالعصا على رأسي، وها أنا الآن سأُطعَن بالسّكين. تُرى، هل سيكون ألم الطّعنة أقلّ من ألم الرّصاصة؟ ليتَه كذلك.

 

ضممتُ الطّفل بين ذراعيّ وأغمضتُ عينيّ بإحكام.

 

طاخ—! 

في تلك اللّحظة، كان ذلك صوت الطّلقات النّاريّة الّذي بات مألوفًا لديّ دون أن أدري.

 

ومع صوت ارتطامٍ حادّ أمامي، سقط السّكين أرضًا. 

 

الرّجل الّذي كان يبدو قبل لحظة كجدارٍ شاهق سقط بلا حول ولا قوّة. شدّ الطّفلُ الّذي كان في حضني ذراعيه حولي بقوّة أكبر، وقد أفزعه صوت الطّلقات.

 

“أوليفيا! هل أنتِ بخير؟”

 

بين أصوات أقدام الجنود، سمعتُ صوت رجلٍ يناديني.

 

“الآن أنتِ بخير. لا داعي لأن ترتعبي هكذا.”

 

“يا … سموّ الأمير؟”

 

وللمرّة الأولى، ما إن رفعتُ رأسي حتّى تساقطت دمعةٌ واحدة. 

 

لستُ أعلم هل كانت لشعور النّجاة … أم لخوفي من الموت … أم من إحساس الذّنب لأنّني فكّرت، ولو لوهلة، في التخلّي عن هذا الكائن الصّغير بين ذراعيّ.

 

“لماذا؟ هل بدا شكلي وسيمًا لدرجة أبكتكِ؟”

 

كان طرف شفتيه يرتفع على نحوٍ مازح، وتظهر أسفل عينه شامة الدّمع. لو لم يكن لوسيد يتحدّث بهذه الطّريقة، لربّما بكيتُ أكثر.

 

“تحاولُ المزاح أيضًا.”

 

“ألا يمكنكِ -ولو كمزاح- أن تقولي إنّي وسيم؟ لقد بدوتُ للتوّ كالأمير الّذي يمتطي حصانًا أبيض. ألا توافقين؟”

 

رفع كتفيه باستخفاف. وبالطّبع، لقد أنقذ حياتي.

 

“لكن … لماذا أنتَ هنا يا سموّ الأمير لوسد؟ ومعك جنود أيضًا … لا، مهلاً. هل أطلقتَ النّار على الأجانب الآن؟”

 

عند سؤالي، هزّ لوسيد كتفيه.

 

“كانت هناك اشتباكات قرب القرية. كنّا عائدين.”

 

“لكن جلالته أمرَ باستخدام القوّة في أضيق الحدود!”

 

هل … هل تخلّى عن موقع ولاية العهد؟ صحيح أنّ الفارق بينه وبين إيدموند كبير منذ البداية، وعوامل كثيرة تصبّ في صالح الأخير. لكن لوسيد كان دائمًا غيرَ مُكترث، هادئًا، غير مبالٍ.

 

“وإذن؟ هل يفترض بي أن أقف وأشاهد الناس يُقتلون؟ مهما كانوا عامّةً، فهم جميعًا شعبي، أبناء هذه الإمبراطوريّة!”

 

ارتفع صوته بغتة. لم يكن هذا تصرّفه المعتاد. الشّخص الّذي كان دائمًا يبتسم، يخفي غضبه، ويتظاهر باللا مُبالاة … أين ذهب؟

 

“أنا أمير هذه الإمبراطوريّة! صحيح أنّ أوامر جلالته مُطلقة، لكن … هل يفترض أن أقف متفرّجًا بينما الأبرياء يُقتلون؟!”

 

لم تكن نبرته، ولا نظراته، تشبه لوسيد الّذي أعرفه. والأغرب أنّه لم يكن ينظر إليّ حين يتحدّث؛ بل إلى النّاس من حوله … كما لو كان يُلقي خطابًا.

 

“يا إلهي، أذلك فعلاً سموّ الأمير لوسيد، الأمير الثّاني؟”

 

“سمعتُ أنّه لا يهتمّ بمثلنا نحن عامّة الشّعب، لكن يبدو أنّ الإشاعات كانت خاطئة!”

 

“على أيّ حال، لقد أنقذ حياتنا! سواء الإمبراطور أو الأمير إيدموند … كلاهما يهتمّ بالأجانب فقط ولا ينظرون إلينا نحن الإمبراطوريّين!”

 

هل … هل هذا مقصود؟ هل جاء بالجنود عمدًا، وقتل الأجانب أمام النّاس، ليجذب تأييدهم؟

 

“لن أتحمّل أكثر من هذا. أطلقوا النّار! سأتحمّل أنا تبعات الأمر!”

 

كانت تلك الإشارة الّتي جعلت الجنود يمطرون الأجانب بالرصاص.

 

“لا تقلقوا. سموّ الأمير لوسيد سيحميكم.”

 

“ها هو الطّاقم الطبيّ الّذي جلبه سموّه، ليتقدّم الجرحى من هنا.”

 

كان مساعدوه يتحرّكون بثقة، وكأنّهم علموا مسبقًا بما سيجري. رؤية هذا المشهد جعلتني أشعر بالدوار.

 

“أوليفيا، لماذا تنظرين إليّ هكذا؟”

 

كانت عيناه تلتفّان كعينَيْ أفعى. وعندها تذكّرت.

 

هذا الرّجل … هو بالفعل خُطّةُ هذا العالم، خُبثه، وظلامه.

 

وها هو قد حصل على تعاطف الشّعب. وعلى الدّم الّذي سيؤدّي حتمًا إلى اندلاع حرب أهليّة جديدة.

 

وبينما يتردّد صدى الطّلقات وصرخات النّاس، سدّدتُ أذنيّ الطّفل بيديّ. كان مشهدًا مفجعًا.

 

“يبدو أنّكَ كنتَ تعلم.”

 

“أعلم ماذا؟”

 

كان يتظاهر بالجهل … كعادته. 

لم أجب، فمرّر يده على شعره بخفّة.

 

“على أيّ حال، لقد سار كلّ شيء على خير. هؤلاء النّاس يُنقَذون، وأنا أحصل على التّأييد.”

 

إذن كان مخطّطًا. قتل هؤلاء الأجلنب لجذب تأييد العامّة. 

لكن ماذا سيعني ذلك لاحقًا …؟

 

تراكم جثث الأجانب أمامي جعل ذهني يعود قسرًا خمسة عشر عامًا إلى الوراء. وشعرتُ بصداعٍ حادّ.

 

***

 

“سأوصلكِ.”

 

“لا حاجة.”

 

“والطّفل…؟”

 

كان الطّفل يتمسّك بي، لا يُفلتني، سواء خاف من لوسيد أو من كلّ ما يحدث.

 

“يا صغير. إذا أتيتَ معي فهؤلاء الجنود سيحمونك بأمان.”

 

جثا لوسيد على ركبة واحدة ومدّ يده للصّغير. لم أتوقّع أنّه يجيد التّعامل مع الأطفال هكذا.

 

بينما كان يبتسم له بتلك الابتسامة الهادئة كقصص الأمراء، رفض الصّغير بعناد وهو يهزّ رأسه بعنف.

 

“حسنًا. ماذا لو اشتريتُ لك الحلوى؟ وإذا جئت معي إلى القصر ستأكل الكثير من الطّعام اللّذيذ. ما رأيك؟”

 

لا فائدة، كان يُحاول إغراءه بالطّعام الآن. لكن، بعد أمره للجنود بإطلاق النّار قبل قليل … مهما ابتسم، سيبدو كسايكوباث.

 

“لا! لن أذهب مع العمّ!”

 

“عـ… عمّ؟”

 

بدا لوسيد منهارًا من اللقب. نسيتُ أنّه أصغرُ منّي سنًّا حقًا … لقب الأمير يجعله يبدو أكبر.

 

“ماذا سنفعل الآن؟ لا يمكن تركه هنا.”

 

وقف لوسيد بعد أن انحنى للخلف قليلًا. كان محقًّا … لا يمكن ترك الطّفل وحده في مكانٍ تفوح منه رائحة الدّم.

 

“يا صغير، أين وليّ أمرك؟”

 

“كان يعيش مع جدّه فقط. لكن الجدّ ضُرب من الأجانب ، وهو الآن في المستشفى. لا أعلم إن كان له أقارب آخرون.”

 

كانت المرأة المارّة تجيب.

 

“وأين المستشفى؟”

 

“مستشفيات العاصمة ممتلئة، لذا قيل إنّه نُقِل إلى عيادة صغيرة يديرها أحد الأجانب.”

 

“…”

 

غالرهيد، بلا شك.

فهمَ لوسيد ذلك من نظرتي، بينما أمسكتُ بيد الطّفل.

 

“ما رأيكَ أن تأتي مع الأخت إلى المعبد؟ سنطلب من جدّك أن يأتي ليأخذك. حسنًا؟”

 

“حقًا؟ موافق!”

 

على الأقل لن أتركه هنا. مسحتُ خدّيه بكمّ ردائي.

 

“أوليفيا … لكن أليس دوامكِ الآن؟ لماذا أنتِ هنا؟ هل جئتِ تبحثين عن أحد؟”

 

أدخل لوسيد وجهه أمامي ليصرف انتباهي عن الطّفل.

وتشنّج جسدي من تذكّر ما فعله قبل قليل.

 

“لا … فقط مررتُ بالمعبد، ثم قالوا إنّ الدّواء نفد. جئتُ لأحصل عليه من غالرهيد.”

 

لكنّني عدت بلا شيء. ليتني أخذتُ الدّواء قبل أن أتحدّث.

 

“واو، علاقتكما جيّدة رغم كلّ شيء. هل تحبّين غالرهيد هكذا؟ تزورينه في وقتٍ كهذا … أثناء حربٍ أهليّة بين الأجانب والإمبراطوريّين؟”

 

سمعتُ سخرية صريحة في صوته. وكأنّه يوبّخني لكوني أرى أحد الأجانب.

 

“هل هذا خطأ؟”

 

كان ردّي قاسيًا. كنتُ غاضبة. هو قتل النّاس لأجل شعبيّة … ثم يتجرّأ على الحكم عليّ؟

 

“فقط أتساءل. لماذا الكلّ … ينسى نفسه عندما يتعلّق الأمر بالأجانب؟”

 

لم أعلّق. فتقدّم خطوة نحوي وهمس: “هل هو رائع إلى هذا الحدّ؟ ذاك الدّم الدّنيء … دم ذلك الفوغليش.”

 

كلّما اقترب، شعرتُ بأنّ الهواء ينقطع. هذا ليس لوسيد الّذي أعرفه. كيف كنتُ أراه دائمًا شخصًا مرحًا طيّبًا؟

 

“الحبّ … هكذا هو. يجعلك مجنونًا.”

 

كانت عيناه تبدوان وكأنّهما انقلبتا.

 

“كنتُ أظنّه شيئًا آخر … لكنّي جرّبته بنفسي. الحبّ … يجعلك قادرًا على فعل أيّ شيء؛ أيّ شيء على الإطلاق، لتحصل عليه.”

 

“ماذا … تقول؟”

 

هل يقصد إيكلا؟ هل يحبّها إلى هذا الحدّ؟ هل كان هذا أصل تحوّله في الحبكة؟ أم أنّه كان هكذا طوال الوقت؟

 

كم أعرفه حقًا؟

 

“أليس كذلك يا أوليفيا؟”

 

ولمّا لامست يده خديّ، شعرتُ وكأنّ شيئًا مقزّزًا يزحف على جلدي.

 

لماذا ينظر إليّ بتلك العينين؟

 

“هيا. سأوصلكِ إلى المعبد.”

 

“أستطيع الذّهاب وحدي.”

 

أبعدتُ يده ببرود، ولم يتأثّر.

 

“لكن الأجانب قد يهاجمون مجدّدًا. امرأة وطفل في هذا الوقت … تعلمان أنّه خطر.”

 

نظرتُ إلى يد الطّفل المتشبّثة بي.

 

“لا تقلقي. لن أفعل شيئًا. سأوصلُكما فقط ثم أعود.”

 

لم أصدّقه … لكن لم يكن أمامي خيارٌ آخر، فهززتُ رأسي موافقة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.