مساحة للحكاية، ووقت لك← لا تعاملني بلطف
الفصل 8نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 8

8

الفصل 8

 

لا رَيْبَ في ذلك. تَصَرُّفاتٌ كهذه، تنمّ عن جُنونٍ لا يُفَسَّر إلا بفعل جنيّة.

 

“كان مُضْحِكًا أنه كان يُبَرِّر دائمًا أنها ليست نِيَّته. في البداية، ظَنُّوا أنه مجرّد مُنْحَرِف من العائلة الإمبراطوريّة.”

 

“وماذا حَلَّ به؟”

 

“لا أعرف التفاصيل. لكنه توقّف فجأة عن الظهور في الأماكن العامّة.”

 

ما إن أنهى يوريك شرحه، حتّى غطّت إديث فَمَها بيدها.

 

“يا للشفقة… إن كان ذلك بسبب لعنة، فقد تَحَوَّل فجأة إلى مَهْوُوسٍ بالتّعري.”

 

“حسنًا، أشعر بما تَشْعُرين به تقريبًا. كلّما أتصرّف بوقاحةٍ معكِ، أشعر كأنّني عارٍ أمام العالم.”

 

تمتم يوريك ببرودٍ، مُلْقِيًا نظرةً خاطفةً إليها.

 

“أحمل الطعام بنفسي إلى امرأةٍ لا أعرفها.”

 

“…على الأقل، لم تُحَضِّره بنفسك. هذا أقلّ الضرر.”

 

“هل جَنَنْتِ؟ أنا أفعل شيئًا كهذا؟”

 

عبس يوريك فورًا لنظرتها المرتبكة، وكأنّ الفكرة بحدّ ذاتها تُقَشْعِرُه، لكن…

 

“تبًّا.”

 

لم تمر لحظاتٌ حتّى تجعّد جبينه الوسيم. ما الذي أصابه فجأة؟ تراجعت إديث خطوةً إلى الوراء، تَفَحَّصَتْه بعينيها.

 

“ما الخطب؟”

 

“حتّى تنتهي الصيانة، سأبحث عن الجنيّة. ابحثي أنتِ أيضًا بطريقتكِ.”

 

أنهى كلامه بسرعةٍ واستدار. بدا الأمر كما لو أنّ شيئًا طارئًا حدث، لكن تَصَرُّفَه كان غريبًا.

 

“انتظر! إلى أين؟”

 

توقّف يوريك عند سؤالها، عاضًا على أسنانه.

 

“اللعنة تَفَعَّلَت الآن.”

 

“ماذا؟ فجأة؟”

 

“نعم. هذه اللعنة تَزْداد سوءًا يومًا بعد يوم.”

 

دقّ قلب إديث بقوّة. هل هذه اللعنة عشوائيّة حقًا؟ صحيح أنّ الأرشيدوق كان “لطيفًا” بشكلٍ عام، لكن كانت هناك لحظاتٌ تَشْتَدّ فيها تصرّفاته بشكلٍ ملحوظ، كما في غرفة الاستقبال عندما أطعمها. ما الرابط بين هذه اللحظات؟

 

عقدت ذراعيها، غارقةً في التفكير، حتّى توصلت إلى نتيجة.

 

“يبدو أنّ اللعنة تَشْتَدّ كلّما حاولتَ رفضي… أو بالأحرى، عندما تكون باردًا معي. أليس هذا ردّ فعل؟”

 

“هاه، منطقيّ. كنت أتمنّى لو علمنا ذلك مبكرًا.”

 

فرك يوريك وجهه وأومأ.

 

“على أي حال، يجب أن أذهب. جسدي يَحُثُّني على المغادرة فورًا.”

 

“ما هذه اللعنة هذه المرّة؟”

 

أغلق يوريك عينيه بوجهٍ كأنّ العالم انهار.

 

“…سأذهب لتحضير الشطائر لكِ.”

 

***

 

عينٌ بعين، وسنّ بسنّ.

 

ربّما يجب التعامل مع كائنٍ خارقٍ كالجنيّة بطريقةٍ مماثلة؟

 

بأملٍ يائس، توجّهت إديث إلى أكثر معارفها درايةً بالخرافات.

 

“همم، لعنةٌ تسيطر على شخص؟”

 

كانت هذه كاساندرا كامبل، ابنة عمّها البعيدة وصديقتها الوحيدة في المجتمع.

 

كانت إديث عادةً تتجاهل هذيانها الغريب، لكنّها الآن شعرت أنّها جديرة بالثقة. حتّى الريشة المضحكة في شعرها بدت موثوقة. يُقال إنّها تطرد الحظّ السيّء، لكن بالنسبة لإديث، كانت مجرّد طاووس.

 

“ليست شائعة، لكن في بعض الديانات، يستخدمون دمى القشّ للسيطرة على الناس.”

 

“كيف تُكْسَر اللعنة عادةً؟”

 

“بحرق الدمية؟”

 

…تحرق الجنيّة؟ للحظة، استهوتها الفكرة، لكنّها تخلّت عنها. كانت عنيفةً جدًا.

 

“أو استعارة قوّة ساحرٍ قوي.”

 

“السحرة ليسوا شائعين في هذا العصر. كاساندرا، هل يمكنكِ الجلوس؟ رقبتي تؤلمني من النّظر إليكِ.”

 

رفضت كاساندرا، التي كانت تقف وسط الغرفة، بهزّة رأس.

 

“رأيتُ أوراق الشاي صباحًا، وقالت أن أقف طوال اليوم.” (تقريبًا بتعاملها زي قراية الفنجان)

 

“…حسنًا، افعلي ما يريحكِ.”

 

حتّى لو كانت قراءة النجوم أو بتلات الزهور شائعةً في المجتمع، كانت كاساندرا مبالغة.

 

“بالمناسبة، متى أصبحتِ مهتمةً بهذا؟ أهو بسبب ذلك؟”

 

“ماذا؟”

 

فحصتها كاساندرا بنظرةٍ ماكرة، فأشاحت إديث بنظرها.

 

“بالطبع! الأرشيدوق غلاسهارت مَغْرَمٌ بكِ. هل أنتِ من لَعَنَتْه؟ أم أعطيتِه جَرْعَة حبّ؟”

 

“لا! أيّ جرعة حبّ؟”

 

كانت فكرةً جديدة بعيدة عن الشائعات المملّة.

 

“في الحقيقة، قابلتُ جنيّة.”

 

تردّدت إديث، ثم أضافت، لكنّها ندمت فورًا عندما رأت وجه صديقتها.

 

“إن لم تَرْغَبي بالحديث، لا تفعلي. عذرٌ غير مُقْنِع. هل أُصَدِّق هذه الخرافات؟”

 

“أعتذر، لكنّكِ آخر من يحقّ لها قول هذا.”

 

أشارت إديث بعينيها إلى الزخارف الغامضة في غرفة كاساندرا. من يؤمن بالخرافات أكثر منها؟ لمَ لا تُصَدِّقُها الآن؟

 

“حسنًا، ساحرةٌ من الشرق الأقصى ستأتي قريبًا. تَقْرَأ المستقبل بدقّة. ربّما تبيع جرعة حبّ.”

 

تمتمت كاساندرا بحالميّة، مُضَمِّمَة يديها.

 

“كاساندرا، التحكّم بالآخرين أمرٌ فظيع. ما قيمة حبّ يُكْتَسَب هكذا؟”

 

تنهّدت إديث، مُقَدِّمَةً نصيحةً من تجربتها. لكن الحديث لم يدم.

 

“آنسة، الشخص الذي استدعيتموه وصل.”

 

دوى صوت الخادم مع طرق الباب.

 

“دعها تدخل.”

 

كانت عجوزًا منحنية الظهر بزيٍّ شرقيّ، بدت غامضة. وضعت يدها المجعّدة على صدرها وانحنت.

 

“لمَ استدعتِ هذه العجوز، يا آنسة؟”

 

“أريد معرفة مستقبلي وزوجي.”

 

أخرجت الساحرة جرسًا من صدرها، ومع كلّ هزّة، ضرب الصوت أذني إديث، التي رَصَدَتْها بشكوك.

 

“همم…”

 

توقّف الجرس، وفتحت الساحرة عينيها.

 

“مستقبلكِ هادئ. ستعيشين حياةً مريحة كما الآن.”

 

كونها ابنة ماركيز، بدا ذلك متوقّعًا. كان بإمكان إديث قول ذلك.

 

“حقًا؟”

 

فرحت كاساندرا رغم عموميّة التّنبّؤ.

 

“نعم. أصدقاؤكِ قليلون، لكن ستُكَوِّنين صداقةً جديدةً قريبًا.”

 

“هذا رائع. أليس كذلك، إدي؟”

 

“…أجل.”

 

أومأت إديث تلقائيًا، لكنّها لم تثق بعد. كاساندرا لم تُكَوِّن صداقاتٍ سوى مع إديث.

 

“لكن زوجك المستقبليّ ضعيف الشخصيّة، وسيخضع لكِ.”

 

“لا! هذا مثاليّ هذا ذوقي تمامًا.”

 

قبل أن تُكْمِل الساحرة، ابتسمت كاساندرا وصَفَّقَت.

 

“إذن، ستلتقين به عبر معرفةٍ قريبًا، فلا تُفَوِّتي هذه الفرصة.”

 

“حسنًا، سأنتظر. انتهيتُ، انظري إلى صديقتي الآن.”

 

“أنا أيضًا؟”

 

كلّ ما أرادته إديث هو معرفة لعنة الجنيّة، لا المستقبل. حاولت الاعتراض، لكن الساحرة هزّت جرسها دون اكتراث. لكن، على عكس السابق، انتهت الطقوس بسرعة.

 

“أعتذر، لكن مستقبل صديقتكِ غير مرئيّ. قوّةٌ عظيمةٌ لوّثت مصيرها.”

 

تمتمت العجوز بنبرةٍ جادّة.

 

يا إلهي، قوّةٌ عظيمة؟ شعرت إديث، التي كانت متشكّكة، بقشعريرة.

 

“كيف يمكن إصلاح ذلك؟”

 

“مستحيل. كائنٌ قديم من هذه الأرض تدخّل. لا أحد يستطيع سحب هذا النّعيم.”

 

عند تأكيد الساحرة، شعرت إديث بأنّ قواها تُسْحَب. سماع أن مستقبلها مظلم حتّى من عَرّافة جعلها يائسة.

 

“لكن… بفضل ذلك، كَوَّنْتِ رابطةً جديدة، قويّة جدًا.”

 

“قويّة؟ إلى أيّ مدى؟”

 

“أشدّ من الحشائش وأقوى من الشوك.”

 

غطّت كاساندرا فمها، مفتوحة العينين بدهشة، بينما تطاير الريش من رأسها.

 

“يا إلهي! لا شكّ أنه الأرشيدوق. أخبريني الحقيقة. ما سرّكِ؟”

 

“لا يوجد شيء كهذا.”

 

نزعت إديث ريشةً عالقةً بوجهها وتمتمت بيأس. هل ستبقى حياتها رهينة هذه اللعنة؟

 

هذا ظلمٌ كبير.

 

“آنستي، كلمةٌ أخيرة… حياتكِ ملككِ.”

 

نظرت العجوز إليها بابتسامةٍ غامضة.

 

“ما إذا كانت هذه الرابطة خيّرة أم شريرة، يعتمد عليكِ وحدكِ.”

 

علقت كلمات الساحرة الغامضة في أذنيها كخيطٍ عنيد.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.