مساحة للحكاية، ووقت لك← لا تعاملني بلطف
الفصل 76نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 76

76

لو كانَ المرءُ رومانسيًّا، لَرأى أنَّ الوَزيرَ الشابَّ الواقفَ أمامَهُ أكثرُ مُلاءمةً لهذا الوصفِ.

هكذا فكَّرَ يوريك، لكنَّهُ لم يُبدِ شيئًا من ذلكَ ظاهريًّا. بدلاً من ذلكَ، أمالَ رأسَهُ قليلاً إلى جانبٍ، وتابعَ حديثَهُ بهدوءٍ وثباتٍ:

“على أيِّ حالٍ، ألم يتعرَّضِ الأطفالُ للخطرِ بسببِ الأصباغِ الضارَّةِ؟ لا ينبغي أن تتكرَّرَ مثلُ هذهِ الحوادثُ أبدًا، أليسَ كذلكَ؟”

لم يكنْ يوريكُ يقولُ سوى ما يَظنُّ أنَّ الوَزيرَ يودُّ سماعَهُ. وكما توقَّعَ، نظرَ إليهِ الوَزيرُ بنظرةٍ أكثرَ ودًّا من ذي قَبلٍ، مُظهِرًا ارتياحًا واضحًا.

“حقًّا! إنَّ سَمُوَّ الدوقِ شخصٌ حنونٌ يهتمُّ بأمرِ الأطفالِ!”

“نعم، ربما.”

أجابَ يوريكُ بجفافٍ.

انظروا إلى هذا! أليسَ الوَزيرُ نفسهُ هو الرومانسيُّ الحقيقيُّ؟ سياسيٌّ يضعُ الأخلاقَ في مقدِّمةِ أولوياتِهِ، أمرٌ نادرٌ حقًّا.

ومعَ ذلكَ، لم يستطعْ يوريكُ إنكارَ أهميةِ حمايةِ الأرواحِ الصغيرةِ، فتابعَ قائلاً:

“إذا تَمَّ تمريرُ قانونِ حقوقِ الملكيةِ الفكريةِ، يمكنُنا منعُ مثلِ هذهِ الأضرارِ مُسبقًا. وفوقَ ذلكَ، سينالُ التجارُ والفنانونَ تأييدًا تلقائيًّا.”

“لكنْ، في المقابلِ، ستواجهُنا معارضةٌ شديدةٌ من مجلسِ الأعيانِ. سيتهكَّمونَ عليهِ ويسمُّونهُ ‘قانونَ حمايةِ الأثرياءِ الجُددِ’.”

“لا يهمُّ.”

ردَّ يوريكُ بإيجازٍ. عندَها، أشعلَ الوَزيرُ سيجارًا ووضعَهُ في فمِهِ، فتأرجحَ اللهبُ للحظةٍ ثمَّ خَبا بهدوءٍ.

“حسنٌ.”

أومأ الوَزيرُ برأسه أخيرًا.

“سأتولى بنفسي إدراجَ هذا القانونِ في جدولِ أعمالِ مجلسِ النوابِ. وكما قُلتَ، سنُمرِّرهُ خلالَ هذهِ الدورةِ.”

لم يُجبْ يوريكُ بكلامٍ، بل اكتفى بإيماءةٍ خفيفةٍ، ثم نهضَ من مقعدِهِ. في تلكَ اللحظةِ، التفتَ الوَزيرُ، الذي كانَ يستمتعُ برائحةِ السيجارِ بهدوءٍ، وقالَ:

“بالمناسبةِ، هل يمكنني طلبُ رأيِ سَمُوِّ الدوقِ؟”

نظرَ يوريكُ إليهِ بنظرةٍ خاطفةٍ لِفرطِ التكلُّفِ في التعبيرِ. ابتسمَ الوَزيرُ بمكرٍ، وغمزَ بعينِهِ وقالَ:

“كيفَ يمكنني إرضاءُ قلبِ سيدةٍ؟ لقد كنتُ مشغولاً جدًّا مؤخرًا، فأهملتُ زوجتي، ويبدو أنَّها غاضبةٌ منِّي.”

تنهَّدَ يوريك في قرارةِ نفسِهِ.

لم يعدْ يُفاجئُهُ أن يُطلَقَ على اسمِ «يوريك غلاسهارت» لقبُ رمزِ العاشقِ المغرمِ. من كانَ ليتوقَّعَ أن يطلبَ الوَزيرُ منهُ استشارةً زوجيةً؟ رفعَ حاجبَهُ قليلاً، ثم تحرَّكتْ شفتاهُ المغلقتانِ بثباتٍ:

“…رسالةٌ صادقةٌ مع باقةٍ من الزهورِ قد تكونُ فكرةً جيدةً.”

ضحكَ الوَزيرُ بصوتٍ عالٍ، غيرَ مبالٍ بالمظاهرِ، ثم عادَ إلى جديَّتِهِ وأومأ برأسِهِ ببطءٍ. أعادَ يوريك قبعتَهُ الحريريةَ إلى رأسِهِ، وغادرَ النادي الاجتماعيَّ دونَ تحيةٍ.

خارجًا، هبَّتْ نسمةُ ليلٍ فاترةٍ تلامسُ وجهَهُ.

رآهُ السائقُ فانحنى بصمتٍ. انطلقتِ العربةُ بهدوءٍ، وتردَّدَ صوتُ حوافرِ الخيلِ وهي تطرقُ الطريقَ الحجريَّ بحذرٍ.

اتكأ يوريك على مسندِ الذراعِ، وأخذَ ينظرُ من النافذةِ بتأمُّلٍ. كانتْ ظلالُ المحالِّ المغلقةِ وأضواءُ مصابيحِ الشوارعِ الخافتةِ تمرُّ عبرَ النافذةِ كشريطٍ متحرِّكٍ.

“رومانسيٌّ.”

غاصَ هذا اللفظُ، الذي سمعَهُ مرارًا بعدَ لعنةٍ أصابتْهُ، في ركنٍ من قلبِهِ ببطءٍ. أخفى يوريك مشاعرَهُ خلفَ قناعٍ من اللامبالاةِ، وثبَّتَ عينيهِ في الفراغِ للحظةٍ.

في تلكَ اللحظةِ، تراءى لهُ وجهُ إيديث باهتًا.

امرأةٌ ذاتُ انطباعٍ هادئٍ، لكنَّها تمتلكُ جرأةً لافتةً، وعنادًا خفيًّا يمنعُها من الاعتمادِ على الآخرينَ.

ألم تكنْ هي من بكتْ في أحضانِهِ ذاتَ مرةٍ طالبةً العونَ؟ لكنْ ما إنْ عرفتْ هويةَ الجاني حتى استدارتْ بسرعةٍ، وأنهتِ الأمرَ بنفسِها.

— إنْ كانتْ لوسيندا دايفيس، فدَعْها لي.

تذكَّرَ صوتَها الحازمَ الهادئَ. وبالفعلِ، أنهتْ إيديسث القضيةَ بأسلوبِها الخاصِّ. لم تكنْ شكوى رسميةً، ولا لعبةً إعلاميةً، بل اعتذارٌ مبنيٌّ على الكرامةِ.

ردٌّ راقٍ ودقيقٌ بحقٍّ. شخصيًّا، كانَ يفضِّلُ لو كانتْ أكثرَ صرامةً، لكنْ لا يمكنُ إنكارُ أنَّ خيارَها كانَ واقعيًّا وفعَّالاً.

ومهما يكنْ، فإنَّ إيجادَ شخصٍ يناسبُ إدارةَ شؤونِ أسرةِ الدوقِ كما تفعلُ إيديث أمرٌ صعبٌ.

هي التي تظلُّ هادئةً عندَ الحاجةِ، وتعرفُ متى تتحرَّكُ. كانتْ هذهِ بالضبطِ الصفاتُ التي طالما تمنَّاها يوريك في شريكةِ حياتِهِ.

“……”

ومعَ ذلكَ، لسببٍ ما، شعرَ بمرارةٍ في فمِهِ.

ما السببُ يا ترى؟ شعورٌ بالنقصِ أو الفراغِ، لا يدري، تراكمَ في صدرِهِ ثقيلاً. رغمَ يقينِهِ بأنَّ إيديث هاميلتون امرأةٌ يمكنُ الوثوقُ بها تمامًا.

على أيِّ حالٍ، لم يكنْ يوريك غلاسهارت رجلاً يقفُ مكتوفَ الأيدي.

مفاوضاتُ هذهِ الليلةِ مع الوَزيرِ لم تكنْ سوى واجبٍ أدنى كخطيبٍ. حتى لو لم يتقدَّمْ بنفسِهِ، فإنَّهُ يقفُ خلفَها كدرعٍ صامتٍ عندَ الحاجةِ.

أليسَ ذلكَ مقبولاً؟

فضلاً عن ذلكَ، كانَ الشعورُ بالامتعاضِ من الإساءةِ التي لحقتْ باسمِ عائلةِ الدوقِ لا يزالُ يلتصقُ بقلبِهِ بعنادٍ. بدأ الأمرُ بدميةٍ صغيرةٍ تُدعى «جينجي»، لكنَّهُ امتدَّ ليطالَ شرفَ العائلةِ، بل وحتى كرامةَ العرشِ. هل يمكنُ التغاضي عن ذلكَ ببساطةٍ؟ لم تكنْ لوسيندا دايفيس وحدها.

خلفَ تصرُّفاتِها المتهوِّرةِ، كانَ هناكَ إهمالٌ وعجرفةٌ من عائلتِها بأكملِها. وإذا كانتْ هذهِ النتيجةُ، فعلى العائلةِ تحمُّلُ المسؤوليةِ معًا.

ضغوطُ الدائنينَ على كونتِ دايفيسَ قد ظهرتْ على السطحِ بالفعلِ. لم يفعلْ يوريك سوى أنْ نفخَ نسيمًا خفيفًا في تيارٍ بدأ يتوقَّفُ. لا حاجةَ للشفقةِ في أمرٍ يعودُ فيهِ العدلُ إلى نصابِهِ.

***

“إيدي، هل ستقضينَ العطلةَ هذا العامَ في الفيلا أيضًا؟”

الفيلا. كلمةٌ كادتْ أن تنساها. كلامُ أمِّها هزَّ قلبَ إيديث الهادئَ هزًّا خفيفًا.

في مثلِ هذا الوقتِ من كلِّ عامٍ، كانتْ تذهبُ إلى الفيلا الواقعةِ على بُعدٍ من العاصمةِ لتستريحَ من حرارةِ الصيفِ. لكنْ هذا الصيفَ، كانتْ منهمكةً لدرجةٍ جعلتْها تنسى هذا الأمرَ تمامًا.

“حسنًا… الحقيقةُ أنَّني مشغولةٌ قليلاً هذهِ الأيامِ. تعرفينَ، هناكَ منتجٌ جديدٌ أعملُ على تصميمِهِ.”

لم تفترْ شعبيةُ «جينجي» بعدُ، لكنَّ الموضةَ قد تنقلبُ فجأةً. كانتْ إيديث تخطِّطُ بالفعلِ لخطٍّ جديدٍ بعنوانِ «أصدقاءُ جينجي»، لكنَّها لم تجدْ الفكرةَ المثاليةَ بعدُ.

“ليسَ هذا فحسبُ. لقد تلقَّيتُ عرضينِ لرسمِ التوضيحاتِ أيضًا.”

“حقًّا؟ أيُّ نوعٍ من التوضيحاتِ؟”

“يُدعى <مغامراتُ جينجي>… سينشرونَ كتابَ قصصٍ للأطفالِ.”

كاتبٌ شهيرٌ للقصصِ يكتبُ النصَّ، وتتولَّى إيديث رسمَ الصور التوضيحية. هذهِ المرةَ، خطَّطتْ لرسمِها بأسلوبِها الأصليِّ، بنعومةٍ ودفءٍ وخطوطٍ مريحةٍ تناسبُ الأطفالَ.

أما العرضُ الآخرُ، فكانَ لرسمِ رسوم توضيحية لروايةِ رعبٍ مستوحاةٍ من الأساطيرِ القديمةِ. عندما تلقَّتْ العرضَ، شعرتْ بالحيرةِ.

— روايةُ رعبٍ؟ أنا… آسفةٌ، لكنَّني لستُ واثقةً من قدرتي على هذا المجالِ.

— بالعكسِ يا سيدتي! ارسميها فقطْ مثلَ جينجي. موهبتُكِ رائعةٌ!

…تقلَّصتْ عضلاتُها. طلبوا منها رسمَ وحوشٍ ذاتِ مخالبَ غريبةٍ، كبيرةٍ ومخيفةٍ قدرَ الإمكانِ. شعرتْ إيديث بالذهولِ للحظةٍ. لكنْ، بما أنَّ الكاتبَ شهيرٌ، فقد تكونُ فرصةً جيدةً.

“العملُ الجادُ أمرٌ جيدٌ، لكنْ عليكِ أن تفكِّري في صحتِكِ أولاً. ألم تفقدي وعيكِ في المرةِ السابقةِ؟”

“آه…”

تلعثمتْ إيديث عندَ كلامِ أمِّها الممزوجِ بالقلقِ. لا تزالُ والدتُها تعتقدُ أنَّها أصيبتْ بضربةِ شمسٍ بسببِ حادثةِ «السيدةِ نوكي» المخجلةِ.

حتى لو قالتْ إنَّها بخيرٍ، فلن يُجدي ذلكَ، لا سيما بعدَ استدعاءِ الطبيبِ. في الحقيقةِ، بدأتْ هي نفسُها تشعرُ بالتردُّدِ.

إطلاقُ «جينجي»، حفلُ الإطلاقِ، قضيةُ التقليدِ… كلُّ ذلكَ جعلَها تتوقُ إلى لحظةِ توقُّفٍ. وإذا كانتِ الفيلا تعني مساحةً بعيدةً عن الروتينِ اليوميِّ، فقد تكونُ فرصةً لإعادةِ الشحنِ. من يدري، ربما تُلهمُها هذهِ الراحةُ بفكرةٍ جديدةٍ؟

“سأراسل كاسي.”

“فكرةٌ جيدةٌ.”

مؤخرًا، أقامتْ كاساندرا خطوبتَها مع شقيق مارغريت. سيتزوجانِ بمجردِ تخرُّجِ خطيبِها. سواءً كانتْ هي أو إيديث، فإنَّ الزواجَ سيقلِّلُ من هذهِ الأوقاتِ الهادئةِ.

نظرتْ إيديث من النافذةِ. كانتْ أشعةُ الشمسِ الحارقةِ تمتدُّ فوقَ الأشجارِ. مجردُ النظرِ إليها جعلَها تشعرُ بضيقِ التنفُّسِ من الحرارةِ.

ربما لا بأسَ من الراحةِ قليلاً.

— ترجمة إسراء

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.