الفصل 63
63الفصل 63 – العزم [2]
تحركتُ بسرعة عبر أزقة هولبرغ، وأخرجتُ هاتفي، ثم تفقدتُ خريطة المنطقة على عجل. ورغم جهلي بالموقع اللحظي للسيارة، استطعتُ تقدير الزمن الذي يلزمها لبلوغ الشريان الرئيسي؛ مسافة تفصلها عدة شوارع عن موقعي الحالي.
إن مضت الأمور كما حسبت، فستعبره في غضون خمس عشرة دقيقة تقريبًا…
طالعتُ النقطة الحمراء الدالة على موقعي في الشاشة، وعقدتُ حاجبيّ قبل أن أضاعف سرعتي:
"تبًا، لا مفر من اقتناء فن حركة بعد انقضاء هذه المعمعة…"
وبينما كنت أعدو، لم أملك إلا أن ألعن بطئي؛ فرغم ارتقاء رتبتي وتزايد خفتي، ظلت السرعة تمثل كعب أخيل بالنسبة لي. ولحسن الطالع، كان اختراقي المباشر بين المباني يختزل مسافة هائلة مقارنة بالسيارة المقيدة بالدوران عبر الشوارع الملتوية المؤدية للمسار الرئيسي.
«هاه… هاه… لا شك أن هذا هو الممر المنشود.»
تلاحقت أنفاسي بحدة بعد ركض متواصل استمر عشر دقائق بأقصى طاقتي، فأسندتُ كفيّ إلى ركبتيّ متطلعًا للأمام.
امتد أمامي طريق مقفر، تلفه أضواء باهتة من مصابيح متفرقة على جانبيه. الأرصفة خالية من المارة، وأنوار المنازل المحاذية مطفأة بالكامل.
راجعتُ الهاتف وتيقنتُ من دقة الموقع، ثم استخرجتُ مشغل الـ MP3 وأخذتُ أتنقل بين القوائم؛ كنت بحاجة لعازل يصرف ذهني عما هو آتٍ… وهل من بديل أبلغ من الموسيقى؟
"فلنستقر على هذه."
[سوناتا ضوء القمر — بيتهوفن]
تنشقتُ نسيم الليل، وانتصبتُ في منتصف الطريق المهجور.
فرووم…
«…حان الحين.»
مع ضغطة زر التشغيل، لاحت سيارة سوداء من الاتجاه المقابل تشق الطريق نحوي باندفاع أعمى. ألقيتُ نظرة خاطفة عليها، ثم أغمضتُ عينيّ مستسلمًا للنغمات المنسابة في أذني:
«فووووو…»
بيب! بيب!
تجاهلتُ نداء الأبواق الصاخب، وزفرتُ بهدوء ممررًا المانا إلى ذروة سيفي، راسخًا دائرة في الهواء.
انبثقت دائرة صفراء شفافة أمام ناظريّ، أتبعتها بثانية… ثم ثالثة.
«انطلقي…»
تراصفت الدوائر فوق بعضها، ثم دفعتها مباشرة باتجاه المركبة المندفعة.
فوام!
سكريييش!
ذُعر السائق من الحلقات القادمة، فضغط المكابح بعنف وحرف المقود في محاولة يائسة للمراوغة… لكن هيهات!
اصطدمت الحلقات بمؤخرة السيارة لتفقدها اتزانها، فدارت حول نفسها دورات متتالية قبل أن ترتطم بقسوة بأحد أعمدة الإنارة!
بووووم!
«ليس سيئًا.»
تلاشت الدوائر، فأومأتُ برضا. فقبل المجيء إلى هولبرغ، لم تكن تصمد سوى ثانيتين بلا أي كثافة مادية، أما بعد استمراري الصارم في التدريب، ورغم ضيق الوقت، طوّعتُ [حلقة القصاص] لتكتسب كتلة حقيقية تجعل ملامستها تضاهي الاصطدام بجسم صلب؛ مما أتاح لي محاكاة مناورة الإيقاف التكتيكي (PIT) وشل حركة السيارة تمامًا دون مركبة أخرى.
طق!
«آه، تبًا!»
انفتح الباب ليخرج رجل حسن المظهر بشعر بني قصير وعينين خضراوين. مسح المكان ببصره، وما إن رآني منتصبًا في الظلام حتى ضاقت عيناه شزرًا:
«…إذن أنت أحد تلك الجرذان التي دسها [القفل].»
ترجل خلفه أربعة حراس بأزياء سوداء مهندمة، وخرجوا سالمين تقريبًا باستثناء نثرات زجاج متناثرة فوق ثيابهم. تفقد كارل رجاله، فاستعاد رباطة جأشه وقال بنبرة متبجحة:
«كنت موقنًا منذ البداية أنني سأكون مستهدفًا. رددتُ في نفسي ألا تبلغ الأمور هذا الحد، لكن يبدو أن حثالة [القفل] عزموا على تجريف هولبرغ برمتها…»
أشار لحراسه بالتقدم وأردف مستهزئًا:
«سأمنحك مخرجًا… انصرف في التو قبل أن يتفاقم الأمر.»
نزعتُ إحدى سماعتي وهززتُ رأسي وأنا أرمق الجمع:
«يؤسفني خذلانك يا سيد زار. ترى، إن لم أستأصل حياتك الليلة، فالأرجح أن أرسب هذا العام…»
وكان ذلك عين الحقيقة؛ فبسبب درجاتي المتردية في الاختبارات النظرية، سيعني الإخفاق هنا رسوبي الحتمي في المقرر، ولا رفاهية لدي للرجوع خالي الوفاض.
امتقع وجه كارل واسودّت سحنته:
«عرضتُ عليك النجاة… فاخترتَ حتفك.»
أومأ لثلاثة من رجاله، فانفجرت هالات من الرتبة G ملأت أرجاء الشارع:
«بما أنك أغلقت كل باب، فما لك إلا الموت!»
أحاطت بي الهالات الثلاث، لكن ثباتي لم يتزعزع. أعدتُ السماعة لموضعها، ونظمتُ تدفق المانا بداخلي حتى صرتُ محصنًا تمامًا ضد ضغطهم.
تجاهلتُ الثلاثة، ولم يرمش بصري عن الحارس الرابع الواقف كالصخرة بجانب كارل؛ كان يرتدي حلة سوداء أيضًا، لكن شعره الأسود المنسدل لكتفيه وقسماته الحادة كانت تنضح بالافتراس. ورغم كتمانه لهالته، كان من الرتبة F بكل تأكيد… حضوره أشبه بأفعى أصلة ضخمة تتربص بي لاقتناص عنقي، ومستواه في وادٍ آخر تمامًا.
«هم؟…»
استغرب كارل من برودي، فنظر نحو حارسه الخاص، فأومأ له الأخير وتقدم خطوة.
فوام!
انقشع ضغط الحراس الأوائل أمام موجة ثقيلة هبطت فجأة من الحارس الرابع. استل خنجرًا من طيات ردائه، ولعق نصله باستمتاع:
«…مذ أمد بعيد لم أعثر على تسلية كهذه.»
انتشى كارل ثقة وأمر البقية:
«اقتلوه!»
اندفع ثلاثتهم نحوي في آن واحد، بينما ثبتت عينيّ على الحارس الرابع في الخلف؛ لم يتحرك، لكنني علمتُ أنه سينقض كالبرق مع أول ثغرة.
«فوووو…»
زفرتُ طويلًا، وانفجرت هالتي الخاصة من الرتبة F متوهجة بضياء أبيض غمر الشارع.
لامستُ مقبض السيف.
«الحركة الثانية من أسلوب كيكي: [شق الأفق]!»
كليك!
طخ!
طخ!
طخ!
تلاشى البريق… لتتدحرج ثلاث جماجم فوق الإسفلت!
عضضتُ شفتي دون التفات للوراء، محملقًا في كارل والحارس المتبقي.
لقد حصدتُ أرواح ثلاثة رجال بوعي مجرد ودون حجاب نفسي… ورغم إظهاري لرباطة الجأش، كان عقلي يغلي بمزيج كاسح من الذنب، والاشمئزاز، والغضب، والندم، مجاهدًا بكل عزيمتي لئلا أفقد توازني قبل إتمام المهمة.
«مـ… ما الذي جرى للتو؟!»
تعثر كارل مذعورًا وهو يرى رؤوس حراسه متناثرة، وصاح بصوت مخنوق:
«إدموند… تستطيع ذبحه، أليس كذلك؟!»
استفاق إدموند من صدمته، ولعق شفتيه بابتسامة متوحشة:
«سيكون هذا أمتع مما قدرت.»
انقض كالبرق بطعنة خنجر صوب عنقي. تراجعتُ سريعًا ورسمتُ دائرة في الهواء؛ اخترق الخنجر الدائرة وحطمها كشظايا زجاج ليصل إلى بعد بوصات من وجهي. لم تكبح الدائرة هجومه، لكنها كسبت لي الوقت الكافي.
كليك! كلانغ!
صددتُ النصل بسيفي، واندفعتُ بكتفي نحو صدره لأجبره على التقهقر.
«هه… لست هينًا.»
بدل إدموند الخنجر إلى يده اليسرى وهاجم بضراوة. شكلتُ ثلاث دوائر مكدسة لدفعها في وجهه؛ كنت بحاجة ماسة لخمس ثوانٍ فقط لحشد سايونات الرياح وتنفيذ الحركة الأولى القاضية: [الوميض الخاطف]!
«1»
«محاولة يائسة!»
توهج جسده بهالة خضراء وطعن الدوائر بكلتا يديه.
«2»
تحطمت الحلقات كالهشيم.
«3»
رأيت النصل قادمًا، فعضضتُ شفتي حتى سال الدم منها وملتُ قليلًا فقط لأتلقى الضربة في موضع غير قاتل.
شششك!
«كههه… آآآه!»
اخترق الخنجر كتفي ليبرز طرفه من ظهري! تجمد إدموند ذاهلًا من مجازفتي.
«4»
«أيها المعتوه!»
ابتسمتُ بمرارة:
«…أظنني كذلك بالفعل.»
«5»
«الحركة الأولى من أسلوب كيكي: [الوميض الخاطف]!»
طخ!
سقط جسد إدموند بلا رأس على الأرض.
«…كهه… هاف… هاف…»
قبضتُ على كتفي النازف بغزارة وأنا أترنح وسط تشوش الرؤية، ثم وجهتُ خطاي المرتجفة نحو هدفي: كارل زار.
«أرجوك! لا تقترب! أتريد مالًا؟ نساءً؟ شهرة؟ أمنحك كل ما تبتغي! لا تقتلني… لا أريد الموت!»
التقطتُ سماعتي الساقطة وأعدتها لأذني، متجاهلًا عويله، ووقفتُ فوق رأسه مباشرة.
زفرتُ زفيرًا عميقًا ورفعتُ السيف…
ترددتُ لبرهة أمام ذله وبؤسه، لكن تذكر جرائمه البشعة وما ألحقه من دمار بالآلاف ثبت قبضتي.
وهويتُ بالنصل.
شششك!
طخ!
مسحتُ قطرات الدم المتناثرة عن وجهي، وأطلقتُ زفيرًا مديدًا متأملًا النجوم التي تعانق القمر في السماء:
"أظن أنني أصبحتُ الآن… جزءًا حقيقيًا من هذا العالم."
🦆Smiley.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.