الفصل 37
37
الفصل 37
“إي، إيف… لقد أخطأت. أنا، أنا من أخطأ.”
كان باستو يحدّق بشرود في ظهر كال.
كان كال واقفاً على سطح السفينة الذي تضربه الرياح والأمطار، يحدّق في الفراغ.
“أنا… فقط! كـ… كانت الظروف طارئة فحسب!”
عيناه المملوءتان بالخوف كانتا بلا بؤبؤين، وساقاه ترتجفان.
ومن فمه المفتوح كانت تسيل رغوة شفافة، كأنه على وشك أن يختنق بها.
“باستو!”
في تلك اللحظة، ركض بيل وهو يحمل تيه بين ذراعيه.
“العم باستو…”
نادته تيه بحذر، لكن باستو لم يُجب، وظلّ يحدّق في كال.
“لا! لا، إيف! لا أريد أن أموت! لا أريد أن تلتهمني الوحوش! آه، آااه!”
“…”
“أنقذيني! اللعنة، دَعيني وشأني! إن كنتِ ستموتين فاذهبي وحدك، لمَ تجرّينني معك، إيف؟! أرجوكِ! أرجوكِ، أتوسل إليك!”
كان كال يصرخ باسم إيف، زوجة باستو الراحلة.
خرج صوت خافت من فم باستو، بالكاد يُسمع.
“تيه…”
“…”
“هل ما يراه كال… هو روح ميتة؟”
ترددت تيه للحظة، ثم أومأت برأسها بخجل.
“نعم…”
بعد أن استدعت تيه سفينة الأرواح الغارقة “سفينة الأشرعة”، التقت بروح تُدعى “غريمينير”، وهو القبطان الأصلي لتلك السفينة.
ناداها غريمينير بـ”مولاتي”، وشرح لها خصائص السفينة.
“يعني… هذه السفينة تتحرك بقوة تيه السحرية، وخلال ذلك تصبح كل المنطقة المحيطة جزءاً من مجال تيه.”
لم تكن تيه تفهم ما المقصود بـ”المجال”، فاستمعت طويلاً لشرح غريمينير.
لكنها في النهاية أدركت طبيعة قوتها.
“داخل مجال تيه تتدفق ‘تيارات الأرواح’، وكل من يمسّها يسقط في حالة صمتٍ تام.”
الصمت هنا لم يكن مجرد هدوءٍ عادي، بل كان يمثل سكون أعماق البحر.
كل من يلامسه التيار يغرق في ذلك السكون الغامض.
“وحين تُشلّ الحواس داخل ذلك الصمت، تتصل أرواح الأحياء بعالم الموتى، فيرون الأرواح العالقة في الهاوية، وكلما طال ذلك، بدأت حياتهم تذبل شيئاً فشيئاً.”
تماماً كما كان يحدث الآن لكال وأتباعه.
“آآآه، إيف… يؤلمني! إنه يؤلمني!”
بدأ كال يحكّ جسده بجنون، شعره المنفوش ووجهه الشاحب يشهدان على أن قوته الحياتية تتسرب منه سريعاً.
“إذاً… إيف أصبحت روحاً هائمة؟”
لم تجد تيه ما تقوله.
كانت تدرك، من ملاحظة بسيطة، أن إيف هي زوجة باستو المتوفاة.
‘لقد علم العم باستو أن المرأة التي أحبها لم تصعد إلى السماء، بل حُبست في الهاوية…’
لم تستطع تيه أن تتخيل كيف سيكون شعوره.
“ثم…”
لكن قبل أن تُكمل، انحنى طيف إيف أمام كال ثم التفت نحو تيه.
[أيها المسكين.]
كانت ملامحها في نظر كال مشوّهة ومرعبة، أما في عيني تيه فكانت أنيقة هادئة، يكسوها ضوءٌ أزرق باهت.
[ليست مكاني فقط هو الجحيم… فالمكان الذي تقف فيه أنت، هو أيضاً جحيم.]
انهمرت الدموع من عيني إيف، ثم تحركت نحو باستو بصمت، ومدت يدها تلمس خده بلطف.
[لكن يا باستو… ابنتنا لِيليا بخير. أنا عالقة في هذا الكره الأبدي، لكن لِيليا بأمان.]
غير أن باستو لم يسمع كلماتها،
ففي مجال تيه لا يرى الأرواح إلا تيه نفسها وأعداؤها.
اقتربت تيه بخطوات مترددة وقالت بخفوت:
“أيها العم باستو…”
أدار باستو رأسه ببطء نحوها، فيما كانت تيه تعصر أصابعها بخجل.
“السيدة إيف قالت… إن لِيليا بخير…”
تجمّد تعبير باستو.
“إنها قالت إنها ذهبت إلى مكانٍ جميل…”
ساد الصمت.
وبعد وقتٍ طويل، انهار باستو على ركبتيه فوق سطح السفينة، ودفن وجهه بين كفّيه كطفلٍ صغير.
كان جسده مغطّى بجروحٍ كثيرة من معركته مع كال ورجاله.
“ليليا…”
تساقطت الدموع من بين أصابعه، تشكّل بقعاً على أرض السفينة.
“إيف… ليليا…”
نظرت تيه إلى باستو وهو يبكي، ثم إلى إيف الهادئة أمامه.
عندها التفتت إيف ببطء وقالت:
[سأنهي هذا هنا.]
عندها فقط أدركت تيه أن إيف كانت تراها.
تجمدت في مكانها دون أن تنبس بكلمة، بينما تابعت إيف بصوتٍ لطيف:
[لا أريد أن أترك هذا العبء على كتفي هذه الطفلة بعد الآن.]
كانت ابتسامتها موجعة ودافئة في آن واحد.
ثم مشت بخفة نحو كال الذي كان يقف مترنحاً في الطرف الآخر من السفينة.
بدأ كال يتحرك فجأة، فحدق بيل بعينيه الضيقتين قائلاً:
“ما هذا؟”
كان الآخرون يرون كال يسير وحده نحو حافة السفينة،
لكن الحقيقة أن إيف كانت تمسك بعنقه بكلتي يديها وتجرّه بهدوء إلى هناك.
تعثّر كال وهو يصل إلى الحافة التي تحطمت فيها الدرابزين.
وبينما الجميع ينظرون بذهول، التفتت إيف نحو تيه وقالت:
[أُوكل إليكِ رعاية باستو.]
وفي اللحظة التالية، سقط جسد كال ببطء نحو البحر.
لم يُسمع صوت ارتطامٍ بالماء،
فوحشٌ ضخمٌ فتح فمه في الأعماق وابتلعه بالكامل قبل أن يصل إلى السطح.
ظل باستو صامتاً طويلاً،
وكذلك بيل والآخرون الذين شاهدوا المشهد دون حراك.
أما إيف، فكانت قد تلاشت، كأنها دخانٌ ذائب في الريح.
***
بعد مقتل القائد، هُزمَت فرقة “كلاب الموت” بسرعة على يد بيل وباستو وتيه.
هاجمتهم وحوش البحر من كل صوب، لكنهم تغلبوا عليها بسهولة.
“تيه! أريهم قوتك الخارقة! الملعب المغمور بالضباب!”
وبصوتها المفعم بالحماس، ارتفعت تيارات البحر وهي تزبد برغوةٍ بيضاء.
“الوحوش التي تلمس التيار تفقد قوتها! وهاهاهاها! والوحوش الميتة تنضم إلى صفّي!”
ضحكت تيه بفرح وهي تقف عند الحاجز، بينما صرخت مخلوقات الطيران من فوقها.
“كياااااه!”
وحشٌ مجنّح انقضّ عليها بمخالبه الحادّة، لكن تيه رفعت يدها بحماس.
“تيه تستخدم التقنية الأقوى! أصدقاء القنابل الصغيرة!”
فقفزت من الماء كرات مضيئة من أرواح البحر، واخترقت جناح الوحش المجنّح.
حاول الوحش ابتلاعها، لكنها غاصت تحت الماء بلمح البصر، تسبح بخفة.
وبسبب برودة الأعماق التي تحملها الأرواح، تجمّد جناح الوحش بسرعة.
“كهيييييك!”
سقط الوحش في البحر، والتهمته أمواج الموت في لحظة.
“أذهب من هنا~ ثم أعود إلى هناك~”
كانت تيه تغني بمرح وهي جالسة على الحافة،
وكلما فقدت توازنها كادت تسقط، كانت أشباح البحر تمسك بها.
“يا للجنون…”
تمتم بيل وهو يحدق بها،
لم يكن يمزح، لقد بدأ فعلاً يخاف منها.
“أرجوكَ، أيها الأخ باستو… أنقذنا، نعم؟”
“لم نكن نريد قتالكم! ولم نكن نريد مواجهة الأخ باستو!”
وفي الوقت نفسه، كان باستو يقيّد أسرى “كلاب الموت” واحداً تلو الآخر.
“التالي، أنت. تعال إلى هنا.”
وقفوا في صفٍ مطيعين، وكلما أشار إليهم باستو تقدموا وأعطوه أيديهم.
ربطهم جميعاً بحبالٍ أخذها من حطام السفينة.
“أ-أيها الأخ باستو، هناك عظام صغيرة في هذا الحبل… أليست هذه… عظام بشرية؟”
“التالي.”
“…”
وفي الجهة الأخرى، قرب عجلة القيادة،
سألت ماريان بذهول وهي تحدق في الدفة التي تتحرك وحدها بفضل الأرواح:
“ماذا قلتَ للتو؟”
كان التوأمان يقفان أمامها، وأجابها الأكبر، راوول:
“قلتُ إنني أريد أن أقاتل بالسيف مجدداً.”
تجمّدت ملامح ماريان.
لم تصدّق ما سمعته من ابنها.
“راوول، هل جننت؟”
تنهد إنزو، شقيقه الأصغر.
“أخي لم يجنّ يا أمي، أنا أيضاً أفكر مثله. لا يمكننا العيش هكذا للأبد…”
“مستحيل! حتى لو متّ، لن أسمح بهذا!”
صرخت ماريان بصوتٍ مبحوح، فصمت التوأمان.
“لأجل ماذا، ولمن، غادرنا النظام وجئنا إلى مدينة بيرس؟ فقط لأنكما كنتما تتألمان كثيراً…”
“أمي، ليس هذا ما أقصده.”
قاطَعها راوول بصوتٍ ثابت.
ترجمة : ميـكـو ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.